تحاليلليبيا

هل تطورت المواقف الدولية تجاه الملف الليبي رغم الارتباك الاستراتيجي؟

internal-bannar-copy_05y8ckqq

 

علي عبداللطيف اللافي

 

أثبتت الأحداث الأخيرة في ليبيا وخاصة المعارك المباشرة بين بعض المليشيات في العاصمة طرابلس والتي انتهت بتخييب آمال من دفع اليها من قوى في الداخل الليبي ومن قوى إقليمية ودولية أرادت عمليا قطع ترتبات اعلان التحرير الكامل لسرت إضافة الى قطع الطريق على الحل السياسي، وأصبح واضحا أن لا أحد يمتلك القدرة عمليا على الدفع نحو أي سيناريو بناء على معادلة “توازن الضعف بين الفرقاء وتوازن القوة بين القوى الداعمة للوكلاء”، إضافة إلى عدم وجود أي طرف قادر على حسم الأمور لصاحه بشكل حاسم وقاطع….

لكن طبيعة التطورات في الداخل الليبي تطرح اليوم سؤالا رئيسيا وهو، ما هي المتغيرات في الملف الليبي، ما هي طبيعة التطورات في مواقف الأطراف الدولية والإقليمية قبل تسلم ترومب لإدارة البيت الأبيض في منتصف جانفي القادم؟،خاصة و أنترومب قد اقترح حلا أوليا تمثل فيأن حسم الملف يبدأ عبر الدفع نحو إجراء وانجاح انتخابات رئاسية في ليبيا ومن ثم الدفع نحو ترتيبات إجرائية لاحقة تغلقه نهائيا؟

 + تطورات في الموقف الفرنسي:

أكدالرئيس الفرنسي “فرنسوا هولاند”،يوم 06 ديسمبر الحالي، أن بلاده لن “تُوفر أي جهد” لدعم حكومة الوفاق الليبية، وخصوصاً على صعيد مكافحتها للإرهاب، لعدم تكرار المأساة السورية في ليبيا، وهو تأكيد يدل على تطورات في الموقف الفرنسي الذي لاح خلال الأشهر الأخيرة مساند للجنرال حفتر ومعسكره أكثره منه داعم لحكومة الوفاق، وقال هولاند للصحافيين في الإليزيه وإلى جانبه رئيس الوزراء الليبي فايز السراج إن “فرنسا ستساعد حكومة الوحدة الوطنية”،كما أكد هولاند أن “مصلحة المجتمع الدولي تكمن في وجود ليبيا مستقرة وآمنة، من هنا الأهمية الكبرى للدعم الذي علينا أن نقدمه لحكومة الوحدة الوطنية”، مشدداً على “أننا لن نوفر أي جهد لدعم ليبيا.”،  كما أكد أيضا أن باريس “تثق بالسراج ليتمكن من توسيع حكومته وضمان مشاركة كل الأطراف المعنيين”.، إلى ذلك، أشاد هولاند “بشجاعة المقاتلين الليبيين الذين يحررون الآن مدينة سرت من سيطرة داعش”، أما على صعيد موارد ليبيا من النفط والغاز، فقد شدد هولاند على “وجوب أن تسيطر عليها الدولة الليبية، بحيث يستفيد جميع السكان من عائداتها”.، وعمليا يمكن الاستنتاج المؤكد أن باريس بصدد تغيير مواقفها بعمق تجاه الملف الليبي ولذلك  اعتبر السراج أن دعم باريس لحكومته “بالغ الأهمية”. لأنه أي السراج  يعي جيدا ان بلده يشهد على الأرض تنافساً بين سلطتين: حكومة وفاق في طرابلس تحظى بدعم المجتمع الدولي وأخرى في الشرق لا تعترف بها وتتبع لها قوات مسلحة يقودها الجنرال خليفة حفتر، وهنا يمكن الجزم أن الفرنسيين قد تأكدوا بعد أكثر من ثلاث سنوات من الصراع أن حفتر لن يحسم الأمور لصالحه وان عمق خلفيتهم التاريخية والاستراتيجية في الجنوب الليبي ليس بالضرورة معناها  لعب ورقة حفتر بشكل مستمر…

والثابت أن حفتر وهو يزور موسكو قد علم بالضرورة بإشارات تغير الموقف الفرنسي وطبيعة تأكيدات هولاند بعد لقائه السراج، وقد يكون هولاند قد أكد في المحادثات الثنائية بضرورة وجود حفتر في الصورة مستقبلا، و لكن ذلك لا يتعارض مع وضوح بداية تخلي الفرنسيين عن الدعم القوي وعلى الأرض للجنرال الذي نسي من حساباته أن المعطيات متغيرة لغير صالحه، وأنه في اقصى الحالات سيكون شريكا مؤقتا في الترتيبات المقبلة،وهو ما واعاه الفرنسيون بالتأكيد بناء على قراءتهم لمشهد التطورات وبعد أن تأكدوا أن الجنرال قد عجز عن احداث اختراقات في أكثر من مناسبة في الجهة الغربية …..

+ تأكيدات مجلس الأمن الدولي الأخيرة:

عمليا حثّ مجلس الأمن الدولي الليبيين من مختلف التوجهات على توحيد القوى تحت قيادة موحّدة في قتالهم ضد تنظيم الدولة، ودعا “الأطراف المسلحة” إلى الكف عن العنف ضد المدنيين. وعبر المجلس في بيان صحفي الأربعاء 07 ديسمبر 2016، عن قلقه إزاء الوضع السياسي والأمني الصعب في ليبيا، خصوصا التصعيد العسكري الأخير الذي شهدته العاصمة طرابلس، منددا بأفعال الداعين إلى العنف بما في ذلك العنف الموجّه ضد المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق. وأكد المجلس دعمه الكامل للاتفاق السياسي الليبي، داعيا مجلس النواب إلى اعتماد تعديل الإعلان الدستوري في خطوة ضرورية نحو التنفيذ الكامل للاتفاق.  كما دعا أعضاء مجلس الأمن المؤسسات السياسية والاقتصادية إلى معالجة التحديات الاقتصادية في جميع أرجاء البلاد لمصلحة الليبيين كافة، كما نص عليه الاتفاق السياسي الليبي.

طبعا هذا التأكيد جاء بعد نهاية المعرك بين بعض مليشيات في طرابلس كما جاء في وقت  يقترب فيه الاتفاق السياسي من إتمام عام كامل منذ توقيعه في مدينة الصخيرات المغربية، وكان رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مارتن كوبلر قد بيّن، في تصريحات صحفية، أن المدة الزمنية للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق تبدأ بعد منحه الثقة تحت قبة مجلس النواب…

ان مواقف المنتظم الأممي مهمة ولكنها مرتبطة على الأرض بالمواقف الغربية و الأمريكية أساسا وقد قال القذافي يوما للمقربين منه إن الأمم المتحدة اقرب للمؤسسة التنفيذية للسياسات الأمريكية ومن حيث التحليل والدراسة يبدو فعلا أن المنتظم الأممي في الملف الليبي مرتبطا بشكل كبير بالرؤية الأمريكية وتجسيدها من حيث المواقف رغم الدفع الذي تُمارسه قوى إقليمية وعربية على غرار الامارات أو بعض القوى الدولية الأخرى والتي تعتبر مواقفها مهمة في الدفع والتوازن على غرار روسيا أو فرنسا أو إيطاليا تحديدا بسبب الإرث التاريخي والجغراسياسي.

+ لهذا لن تتغير الاستراتيجية الامريكية تجاه ليبيا:

لا يختلف اثنان في ان السياسة الامريكية هي سياسة مؤسسات ولوبيات وازنة ومؤثرة، وليس مهما هوية أو طبيعة شخص الرئيس إلا في بعض مناهج التنفيذ والتنزيل أو طرق التجسيد في منطقة الشرق الأوسط تحديدا، وبالتالي فان مقترح ترومب والذي طرحه قبل أن يشكل اداراته وقبل الاطلاع على ملفات المؤسسات الصانعة والمرتبة للقرار الأمريكي ( البنك المركزي – المخابرات الامريكية بتفرعاتها – الخارجية و اداراتها مؤسساتها وسفاراتها)، ذلك المقترح سيصبح ملغيا أو متغيرا عند دراسة بقية الملفات الكبرى في السياسة الخارجية الأمريكية على غرار العلاقات مع روسيا وامريكا والاتحاد الأوروبي والصين وهي ملفات ستفرمل مقترحات ترومب تجاه الملف الليبي والذي تعتبر إيطاليا اقرب طرف للأمريكيين فيه، فالقاعدة الروسية المحتملة والمفترضة قريبا من الحدود المصرية الليبية ستغير معادلة الملف وجزئياتها وطبيعة الرؤية الأمريكية له مستقبلا..

والثابت أن السياسة الأمريكية تجاه بلدان الثورات ترتكز على التنصيص على الحد الأدنى من الديمقراطية المتحكم فيها بما لا يتناقض مع السياسات الأمريكية استراتيجيا وعبر التأكيد على الحد من القوة للتنظيمات الإسلامية الراديكالية (داعش – القاعدة حاليا)، حيث ترتكز تلك الاستراتيجية على دعم تشريك الإسلاميين المعتدلين في الحكم عبر فرملة مشاركتهم وبدون أن يكونوا صانعي السياسات الخارجية لبلدانهم، أي عمليا يكونون شركاء و لكن أيضا ليس الحكام الوحيدين في أي بلد ….

هذه الأسس تعني في المدى القريب والمتوسط أن السيناريو الإماراتي – المصريوالمُسندونمن بعض أجنحة السلطة الفلسطينية وبعض الملكيات في المشرق العربي وهو منطق سياسي سيبقى قاصرا مهما وفرت له من أموال لوكلائه في ليبيا و أيضا مهما أربك تطلعات الليبيين او مهما حاول اللعب في التأثير على السياسات الأمريكية خاصة أو الغربية عموما، لانه يمكن الجزم أن الدول الغربية تترك مساحات للخلاف بينها في الجزئيات وفي بعض ملفات، وهو منطق معروف تحت شعار “اختلف معك في ما لم تحدده الاستراتيجيات المحددة بيننا” …

+ الجزائر تمتلك الفيتو الحقيقي في الملف الليبي:

لا يختلف اثنان في الخيارات الصائبة للسياسة الخارجية الجزائرية طوال العقود الماضية،وقد حرصت الجزائر على التعامل مع الملف الليبي خلال السنوات الماضية بترو وحكمة منقطعتا النظير وحرصت على التمسك بعدم التدخل في الشأن الليبي الداخلي خلال كل فترات الأزمة وتمسكت بالوقوف ضد منع التدخل العسكري رغم كل الضغوط واستقبلت الأحزاب الليبية وجلسات المجتمع المدني الجزائري على أراضيها ونسقت مع الحكومة التونسية في أكثر من مرة بشأن الملف الليبي …

ان الجزائر التي لها وزارة خاصة بالشؤون المغاربية والافريقية تعي جيد طبيعة التطورات الحاصلة منذ 6 سنوات وطبيعة المتغيرات الدولية وكلما عقدت مشاورات مع كل الأطراف بشان ليبيا الا وأقنعتهم بمواقفها و سياساتها و هو ما تجسد في دعوة رئيس الوزراء البلجيكي أخيرا شارل ميشال، والذي اكد على ضرورة أن يُفضي الحوار السياسي في ليبيا إلى حلول مستدامة، وقد صرح بذلك عقب مباحثاته مع مسؤولين جزائريين عن الوضع في المنطقة، حيث اكد بأنه «تطرق مع الرئيس الجزائري إلى الوضع في ليبيا والمسار الجاري بتونس، وكذلك أهمية مراقبة الحدود والعمل من أجل أن يفضي الحوار السياسي إلى حلول مستدامة وسلمية»، مشيرًا إلى أن هناك «اتفاقًا ورؤية مشتركة» مع الجزائر في هذا الشأن، بل انه أضاف أن المباحثات التي أجراها مع المسؤولين الجزائريين كانت «واسعة ومكثفة حول مواضيع مهمة تصب في مصلحة الجزائر وبلجيكا لإقامة شراكة ذكية» كما شدد ميشال على أهمية «إقامة تعاون صادق في مجال مكافحة الإرهاب»، معربًا عن ارتياحه «لكونه لمس لدى المسؤولين الجزائريين إرادة في العمل معًا….

ولعل تأكيدات رئيس الوزراء البلجيكي بعد زيارته للجزائر، تُأكد أن الجزائر تراقب تطورات الأحداث في ليبيا بصبر وتأن كما تراقب تطورات المواقف لأنها تعرف جيدا طبيعة الترتباتوالمآلات على المنطقة المغاربية وعلى الجزائر بالذات، وهي تسعى ان تكون مفتاح كل الخيارات وأنها تبقى محل الربط والحل في الملف الليبي وانها صمام الأمان امام أي خيارات متهورة او مستهدف للبلدان شمال افريقية أي انها عمليا صاحبة الفيتو الحقيقية لكل خطوة تنوي الأطراف قطعها وان الأمم المتحدة تضع في حسابها قوة وصلابة الخيارات الجزائرية تجاه جارتها ليبيا ….

+ الدور القطري والتركي محدوديته لا تعني عدم أهميته راهنا و مستقبلا:

لا شك أن تركيا وقطر طرفين رئيسيين في الملف الليبي بغض النظر عن الموقف منهما من طرف بعض مكونات المشهد السياسي الليبي، فقد ساهما البلدين في دعم الثوار سنة 2011، وتختلف الأطراف في ليبيا حول تقييم دورهما الحالي ، وهما حاليا داعمين لحكومة الوفاق وخصمين افتراضيين لحفتر وحلفائه، و تؤكد جميع الأطراف الدولية على أنه من الصعب تغييبهما عن إدارة الملف مستقبلا كما يطالبا بذلك بعض أطراف ليبية قريبة من المنظومة السابقة،  والمهم في مواقفهما الحالية أنهما لا يعرقلان الحلول في ليبيا،كما أن السياسة الأمريكية تقوم على إدارة التوازن بين داعمي الأطراف الليبية….

+ أدوار غير ظاهرة ولكنها معتبرةلتونس و بعض دول الجوار:

مهما كان تقييم دول الجوار باستثناء الدور المصري منذ قيام المشير عبدالفتاح السياسي بانقلابه في يوليو 2013، فان أدوار دول الجوار يمكن وصفها بالباهتة والضعيفة ولم ترتق لأن تكون أدوار مبنية على قراءات استراتيجية أو مصالح تلك البلدان مع مراعاة العوامل التاريخية والجغرا سياسية فالموقف التونسي يمكن الجزم أنه متردد ومرتبك رغم بصمات وزير الخارجية الحالي مقارنة بسلفه الطيب البكوش، ورغم ذلك فلا رُؤية استراتيجية  للدبلوماسية التونسية،  رغم ما بذله السفير التونسي الأخير في طرابلس رضا بوكادي والذي اكدت كل الملاحظين سعة فهمه لتفاصيل ومفردات المشهد الليبي،وهو أيضا ما مكن حركة النهضة من خلال ما يعرف بدورها الفعال في الدبلوماسية الشعبية و التي انتهجتها ومكنتها في أن تتابع الملف الليبي باستمرار بل وتضعه كأولوية قصوى في اهتماماتها الخارجية وتتجاوز بالتالي عدم قدرة عقلها السياسي سنتي 2012 و 2013 في فهم التطورات المتسارعة و التي أوصلت الأوضاع في ليبيا الى ما هي عليه حاليا، أما باقي الأحزابوالمنظمات فهي غير مستوعبة للمؤثرات والمتغيرات أصلا ، مع ضرورة التأكيد على الدور البطولي للمؤسستين الأمنية و العسكرية في التفاعل مع تطورات الملف الليبي وخاصة على الحدود وبما أفاد حتى الليبيين أنفسهم في أكثر من محطة ومناسبة ، و الخلاصة ان الدور التونسي وان ساده الارتباك وعدم التقدير الاستراتيجي فانه يبقى معتبرا وقابلا للتطور وهو نفس وضع بقية دول الجوار في العلاقة بالملف الليبي باستثناء وضعتي مصر والجزائر والمشار اليهما سابقا في مقال الحال…

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق