تونسرأي

تونس: مقترحات لإصلاح المنظومة الفلاحية للتعليم العالي والبحث العلمي

falahine

 

 

 

د. بوزيد نصراوي (أستاذ جامعي):

 

 

مثل ما هو الشأن في كل دول العالم، يعتمد تطور القطاع الفلاحي في تونس فيما يعتمد على محورين أساسيين هما التعليم العالي والبحث العلمي في ميدان الفلاحة. إلا أن هذان النشاطين في تونس يعانيان من عدد كبير من المشاكل الهيكلية والظرفية التي تحد من دعمهما للقطاع. وبما أن الكلمة الآن حرة في تونس الجديدة، يمكن تحليل هذا الوضع لتشخيص القيود والعقبات التي تمنع التعليم العالي والبحث العلمي من أن يلعب دوره كاملا في تطوير القطاع الفلاحي والبلاد بصفة عامة. ولكن يصعب أن نقوم بتحليل المضوع بأكمله في مقال صحفي، لذلك سنقتصر في هذا المجال على نقطتين اثنتين، واحدة منهما تهم التعليم العالي والثانية تخص البحث العلمي في ميدان الفلاحة بالتحديد.

في البداية بالنسبة إلى التعليم العالي الفلاحي، الملاحظة الأكثر وضوحا هي تعدد المعاهد والمدارس العليا التي يفوق متخرجوها بكثير طاقة استيعاب سوق الشغل في البلاد. كما أن الاختصاصات في هذه المؤسسات الجامعية متشابهة أو حتى متطابقة لتكوين متواز في نفس المؤسسة للتقنيين (المجازين حاليا) والمهندسين مما يسبب الكثير من التداخل والتكرار، فلا تظهر حدود واضحة ما بين تكوين الفئتين. وهذا ناتج بسبب أن الكثير من الأساتذة الجامعيين يميلون نحو الرفع من مستوى التعليم للتقنيين الذين يجدون أنفسهم يتابعون تكوينهم في برامج قريبة جدا من برامج تكوين المهندسين دون أن يُسمح لهم بالحصول على شهادة مهندس، مما يجعلهم يحسون بنوع من الظلم والمرارة. زيادة على ذلك، هذه البرامج الخاصة بالتقنيين تتجه منذ مدة شيئا فشيئا إلى تكوين أكثر نظري وأقل تطبيقي بسبب النقص الحاد في الإمكانيات البشرية والمادية واللوجستية للمؤسسات المعنية بالتكوين. لهذا، وبعد أن أصبحت المجالس العلمية للمؤسسات تحس بعد الثورة بحرية أكثر تجاه المؤسسة الأم والوزارة عموما، أخذت هذه المجالس تتجه شيئا فشيئا نحو مراكمة مواد مدرّسة للتقنيين ذات صبغة نظرية بالأساس تصل أو تتجاوز 2200 ساعة تكوين كاملة بينما كان يجب أن يكون التكوين العادي للتقنيين حوالي 1800 ساعة في الجملة فقط (يعني 3/2 من تكوين المهندس الذي يتطلب 2700 ساعة في الجملة) مع ضمان 50% على الأقل من التكوين التطبيقي. أما بالنسبة إلى تكوين المهندسين، فهو بنفسه لا يبتعد عن هذا المنحى نحو التكوين النظري بينما كان المهندس قبل عقدين يتلقى 3/1 من تكوينه في الجانب التطبيقي زيادة على تربصات حقيقية منظمة ومراقبة بصورة جيدة. هذا ما يدفعنا إلى التساؤل هل هذا تكوين تقنيين ومهندسين أم هو مجرد تكوين بيولوجيين تنقصهم الفاعلية على الميدان. إن الجواب سهل تقديمه عندما نرى تقنيينا ومهندسينا حديثي التخرج ليسوا عمليين تماما على الميدان ويجب انتظار سنوات إلى أن يكوّنوا تجربة ميدانية أثناء العمل. لذلك، يجد التقنيون والمهندسون الذين سيتحملون مسؤولية تطوير القطاع الفلاحي في البلاد، أنفسهم غير قادرين على القيام بمهمتهم على الوجه الأكمل بسبب النقص الفادح في تكوينهم التطبيقي؛ هم لا يصبحون فعّالين إلا بعد سنوات. وتتضاعف خطورة هذا الانحراف نحو تكوين البيولوجيين بظاهرة جديدة بدأت تتطور منذ مدة وهي انتداب بيولوجيين متكونين في العلوم الأساسية لتدريس مواد فلاحية ذات طابع تقني. لهذا، يمكن تصور أستاذ جامعي متكون في العلوم الأساسية، وليست الفلاحية، يدّرس التقنيين والمهندسين الفلاحيين مواد علوم أساسية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفيزيولوجيا وغيرها أو تنفيذ برنامج محدد لبحث علمي فلاحي داخل فريق من الباحثين الفلاحيين، ولكن لا يمكن تصور بيولوجي متكون في العلوم الأساسية يدرّس مواد علمية فلاحية مثل أمراض النبات أو تربية الحيوان أو التربة أو غيرها، بما أنه هو نفسه لا يمتلك أساسيات ومعارف العلوم الفلاحية التي تمكنه من دمج مادته في مجموع العلوم الفلاحية التي هي في أغلبها متداخلة ومترابطة. لهذا هناك خطر انحراف كبير يجب إيلائه الأهمية التي يستحقها. وزيادة على ذلك، هذا التدفق للبيولوجيين نحو مؤسسات التعليم العالي الفلاحي هو في اتجاه واحد، لأنه لا يمكن لأي أستاذ جامعي فلاحي ولو كان من مستوى عال جدا، أن يُنتدب في مؤسسات جامعية غير فلاحية بسبب مصطلح “الفلاحي” التي يجرّها الأساتذة الفلاحيين في تسمياتهم على مستوى جميع رتبهم، علما وأن الأستاذ الجامعي الفلاحي يمكن أن يدرس بصورة جيدة عديد المواد العلمية في ميادين البيولوجيا والبيوتكنولوجيا وغيرها.
فيما يهم البحث العلمي الفلاحي ومثلما هو شأن التعليم العالي الفلاحي، تقع الأغلبية الساحقة للمؤسسات الوطنية في العاصمة وحولها أو على الأكثر في بعض المناطق الساحلية. أم مهامها فهي القيام ببحوث علمية فلاحية بغية الوصول إلى نتائج قابلة للتعميم يمكن للفلاح استغلالها. إلا أنه هناك سؤال يطرح نفسه في هذا المستوى: عن أي بحث نتحدث؟ هل هذا البحث الذي هو في خدمة التنمية الفلاحية بحث أساسي أم تطبيقي؟ في الأول يصعب تصور بحث علمي فلاحي ذو صبغة تطبيقية بحته لأنه سيصبح مجرد تجارب سطحية، غير قادر على النفاذ إلى عمق إشكاليات الفلاحة لحلها وسيتم تجاوزه بسرعة من طرف التقدم العلمي للبحوث الفلاحية في العالم. من ناحية أخرى، إذ اقتصر الباحثون الفلاحيون على القيام بالبحث الأساسي فقط، فسيدخلون في سلسة حلقات لا تنتهي حيث كل جواب عن سؤال يأتي بسؤال جديد، بدون أن تكون هذه الأسئلة بالضرورة مفيدة للتنمية الفلاحية. وهذه الوضعية تجعل تأثير النتائج الحاصلة على القطاع الفلاحي ضعيف ومتأخر وهو ما لا تسمح به حاجيات البلاد المتأكدة. إن الحل يكمن في الوسط بتوازن جيد بين البحث الأساسي والبحث التطبيقي. لهذا ولتجنب الانحراف باتجاه أو بآخر، يجب على الباحث الفلاحي أن يحتفظ بعين مراقبة على تقدم البحوث في العالم والعمل على الجوانب الأكثر أهمية لتكوين ملف علمي جيد لترقياته الخاصة ولربط علاقات تعاون مع باحثين أجانب من مستوى عال. وفي نفس الوقت، يجب أن يكون اختيار الباحث الفلاحي متجه نحو المواضيع التي لها مدى تطبيقي جيد وسريع، وهو ما سيسمح له من حل مشاكل حقيقية مطروحة في القطاع الفلاحي؛ فالنتائج الحاصلة تقاس قيمتها بمدى تقبلها إيجابيا من طرف الفلاح في حقله.
إن برنامج وزارة الفلاحة لإصلاح التعليم العالي والبحث العلمي في القطاع الفلاحي والذي طال انتظاره، لا بد أن يأخذ في الحسبان زيادة على ما ذكرناه في هذا المقال، جميع المشاكل الهيكلية والظرفية وهي عديدة، والبحث لها عن حلول جذرية تتطلب جرأة وشجاعة كبيرتين من المسؤولين عن هذا الميدان بعيدا عن الحلول الجزئية والترقيعية ذات الطابع السطحي وكذلك دون الوقوع في اقتراح حلول نظرية لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع.
لقد طال انتظار المؤسسات الجامعية الفلاحية لإصلاح جذري يعيد للأساتذة الباحثين الفلاحيين مكانتهم بين النخبة العلمية للبلاد ويمدهم بكل الإمكانيات اللازمة للقيام بعمل متميز يؤثر مباشرة بصفة إيجابية على القطاع الفلاحي. فلقد حان الوقت لأن تصبح شهائد التعليم العالي الفلاحي مختلفة في مضامينها وذات جودة عالية، يستطيع المتحصّلون عنها أن يكونوا فاعلين على الميدان منذ بداية انتدابهم مع مراعاة طاقة استيعاب سوق الشغل التي لا تتحمل هذا العدد الهائل من المتخرجين حاليا في بلد صغير مثل تونس. كل هذا، لا يمكن القيام به إلا بإعادة هيكلة موضوعية لمؤسسات التعليم العالي الفلاحي، شأنها شأن مؤسسات البحث العلمي الفلاحي التي تعاني هي أيضا من فوضى هيكلية كبرى تراكمت منذ سنوات وكان المتضرر فيها الأول، أعرق مؤسسة بحث علمي فلاحي في البلاد وهي المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس الذي سُلب من جلّ محطاته الداخلية بدعوى تحويل هياكل البحث إلى داخل البلاد. ولكن الذي حصل هو عملية ذرّ الرماد على العيون ببعث مراكز بحث جهوية بدون أي إمكانيات عمل أو امتداد إقليمي ولم تتغير بذلك وضعية المناطق المهمشة مثل جندوبة والكاف وسليانة والقصرين وقفصة وتطاوين وغيرها، بينما يتطلب الأمر بعث شبكات بحث تُراعى فيها فعلا خصوصيات المناطق المهمشة ويشرف على تنسيقها شمالا المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس وجنوبا معهد المناطق القاحلة بمدنين، على أن تحتفظ جميع مراكز البحث الإقليمية (القائمة والتي يمكن بعثها مستقبلا) باستقلالها التام إداريا وماليا، مع العمل كذلك على ضم المراكز الفنية القطاعية العديدة في البلاد إلى منظومة التعليم العالي والبحث العلمي الفلاحي للتنسيق أكثر والاستفادة من مهام هذه المراكز الفنية باعتبارها الحلقة الأساسية التي تثمن نتائج البحث الفلاحي وتربطها بهياكل النشر والإرشاد، فتتمكن هذه الأخيرة من تمرير نتائج حقلية جاهزة الاستعمال مباشرة إلى الفلاح بطريقة أفضل وأنجع بكثير مما هي عليه في الوضع الحالي.
وزيادة على هذه المقترحات التي يجب أن تناقش بعمق ويتم إثرائها من قبل جميع الأطراف المعنية، لا بد من التفكير في إصلاحات إجرائية إدارية أخرى لدمقرطة المؤسسات تتماشى مع تونس الجديدة، من ذلك مثلا التخلي عن تعيين المديرين العامين لمؤسسات البحث العلمي الفلاحي وكذلك رئيس المؤسسة الأم والقيام بانتخابهم ديمقراطيا من طرف الاساتذة الباحثين المعنيين وذلك على غرار ما هو معمول به حاليا في مؤسسات التعليم العالي الفلاحي.

 

 

المصدر: الشروق، 1 أوت 2016، ص 20.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق