تحاليلتونس

تونس: الهولوكوست

images

 

بولبابه سالم:(*)

 

إنها المأساة التي يتابعها التونسيون هذه الأيام، من شيخ المناضلين جيلبار النقاش الذي عرى الحقبة البورقيبية، الى الشهيدين نبيل بركاتي و فيصل بركات و رشيد الشماخي الى سامي براهم الذي كشف فضاعات الهولوكوست النوفمبري، وصولا الى السيدة وريدة كدوسي ام شهيد الثورة الاول في منزل بوزيان، و غيرهم من ضحايا الاستبداد التي انطلقت هيئة الحقيقة و الكرامة في جلسات الاستماع العلني لهم.انها لحظات فارقة لتوثيق التاريخ و كشف الصندوق الأسود لتاريخ تونس الحديث.

كيف يمكن ان يفعل الانسان بابن وطنه او اي ذات بشرية ما تقشعر منه الأبدان و تشمئز منه النفوس ؟ كيف يموت الانسان فينا لنتحول الى كائنات سادية فاشية همجية ؟ اغتصاب و تعرية و ترويع و سب و شتم و ضرب و قتل و تعذيب وحشي نفسي و جسدي .. نعم هناك من اغتصبت امام زوجها السجين السياسي، و هناك جلبوا أمه عارية امامه ليقتلعوا اعترافات وووو

اما المخجل فهو ان يتورط اطباء و اخصائيين نفسيين في كل ذلك الجحيم، لقد مارست أنظمة الاستبداد الظلم بعدالة بين مختلف العائلات السياسية من قوميين و يساريين و اسلاميين. يتابع التونسيون شهادات مروعة و هناك من بكى و عاش الكوابيس في الليلة الأولى لجلسات الاستماع العلني ، العدالة الانتقالية مزعجة و مربكة للنظام القديم لذلك نفهم سر تلك الهجمة الشرسة التي تشنها اقلام و أبواق معروفة تشكل كلاب الحراسة التي تحدث عنها بول نيزان .

طبعا ، من أساليب النظام القديمة هي شخصنة الامر و اختزال العدالة الانتقالية و هيئة الحقيقة و الكرامة في رئيستها سهام بن سدرين .. و يتناسى الجميع أن أعضاءها انتخبوا ذات يوم بالتوافق داخل المجلس الوطني التأسيسي ، ربما لأن بن سدرين معروفة بشخصيتها القوية و رفضها للمساومات ، فلا ننسى ان هناك من كان يريد صفقة لدفن العدالة الانتقالية و نقل عدوى التوافق اليها عبر تعيين شخصية جديدة تخضع لاوامر المتنفذين و الفاعلين السياسيين .

من المؤسف ان يتحول الفرز اليوم من انصار العدالة الانتقالية و معارضيها الى فريق انصار الضحية و آخر يناصر الجلاد . لقد تجاوز بعضهم درجة الحيوانية ليصبوا نار حقدهم الأعمى حتى على اهالي الضحايا و الشهداء ، لقد استكثروا عليهم حتى الادلاء بشهاداتهم ليسمعهم العالم . ان الانحياز الى الضحايا هو شعور انساني دون اعتبار للاختلافات الايديولوجية ، و للأسف فقد ماتت الانسانية لدى السماسرة و الانتهازيين و المرتزقة .

لكن ما يحدث اليوم هو الذي سيضع تونس على سكة المستقبل الذي من شروطه تجاوز جراحات الماضي ، الضحايا يريدون الاعتذار قبل المصالحة و تحتاج تونس الى فتح صفحة جديدة دون احقاد و كراهية لتنطلق الى الامام.

ما حدث داخل السجون مرعب و مخيف وهو أرضية خصبة للتطرف و الرغبة في الانتقام ، لكن التونسيون كانوا اكثر تسامحا حيث لم نسجل حالات تشفي و عنف ضد الجلادين بعد الثورة زمن الانفلات الأمني .

من لم يعرف ما حدث في جنوب افريقيا و المغرب و اوروبا الشرقية و الشيلي لن يعرف معاني العدالة الانتقالية ، و الذين تعلموا السياسة بعد 14 جانفي 2011 لن يهضموا ما يحدث في تونس اليوم .

تحدثت ذات يوم مع نائب رئيس هيئة الحقيقة و الكرامة خالد الكريشي عن الانتقادات اللاذعة ضد الهيئة فرد مبتسما : ” ما يحدث لنا من تشويه يعتبر لاشيء أمام ما حدث في بلدان أخرى وهو امر طبيعي ” . و تحيا تونس حرة دون استبداد و فساد .

 

المصدر: باب نات 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)- كاتب و محلل سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق