تحاليلتونس

تونس: ذاكرة جريحة و حلم ديمقراطي…صوت القطيعة مع الإستبداد أقوى من كل الأصوات الأخرى

123-59

 

 

مجول بن علي: 

 

بألم و بحرقة و تحت مفعول الصدمة لكثيرين تباينت المواقف و الآراء المتعلّقة بما ورد على لسان ضحايا من خلفيات مختلفة لعقود من الفساد و الإستبداد التي عاشتها تونس، هكذا بدت للوهلة الأولى الصورة العكسيّة لأولى جلسات الإستماع العلنية لضحايا الإستبداد في مرآة المجتمع.

صبيحة هروب المخلوع إكتشف التونسيون واقعا آخر و إطلعوا، بعد سنوات من تزيين المشهد و تنميق الخطابات و الشعارات و العناوين الفضافاضة التي إستعملها المخلوع للترويج لنظامه، على الحقائق المرّة، آلاف من المشرّدين و المقموعين و المعذبين و المهجّرين و سجون كأنها المعتقلات دكّ فيها النظام كلّ من تحرّك فيه مجرّد حسّ نقدي تجاهه و كثيرون راحوا ضحيّة فرز بأنواع مختلفة أقصاها الإيديولوجي و الفئوي و السياسي الذي إعتمده المخلوع للإبقاء على نفسه ممثلا وحيدا للدولة و النظام حتّى أن التونسيين لم يكادوا يفرقوا يوما بينه و بين الإثنين الآخرين.

للجلسة الأولى للإستماع لضحايا الفساد و الإستبداد و جرائمه الكثيرة رسالتان أساسيّتان بدتا واضحتين و معلنتين واحدة للداخل التونسي و أخرى للعالم و الإنسانية برمّتها.

رسالة الداخل: مصالحة مع ذاكرة جريحة

أتاحت الثورة فرصة تاريخيّة للتونسيين للمصالحة مع ذاكرة وطنيّة جريحة عبر الإعتراف بعذابات الضحايا و كتابة التاريخ بنقاطه السوداء جميعا دون تنميق أو شيطنة أو محاولة تغييب لمن دفعوا دماءهم مهرا غاليا لحرية إفتكّها التونسيون بعد نضالات طويلة و بعد أن دفعت فيها عائلات فلذات أكبادها.

رسالة الضحايا عادلة واضحة لا لبس فيها، لا إنتقام و لا أحقاد، إعتراف و تدقيق و كتابة تاريخ بكل تفاصيله أو أغلبها على الأقل حتى و إن كانت مؤلمة و إنطلاق نحو المستقبل بدون جروح مفتوحة حتّى تتّسع هذه الأرض لكل أهلها.

رسالة الداخل هي فلسفة الإعتراف بالآخر و بالحقيقة من أجل تعايش في مستقبل يقطع مع كل مقومات و أساليب الإستبداد و الإقصاء و هذا في الواقع جوهر فكرة العدالة الإنتقاليّة و هو إنتصار واضح للمسار التأسيسي الذي أنتج دستورا و قانونا للعدالة الإنتقالية و هيئة دستورية مستقلة تشرف على تطبيقه في سقف الدستور نفسه و بقواعد الديمقراطية و الوحدة الوطنية.

رسالة الخارج: تونس لن تعود إلى عصور الظلام

مثلما مثّلت التجربة التونسيّة إستثناءا فريدا من نوعه في المنطقة بمسارها السياسي الذي ركن إلى أسلوب الحوار في إدارة الإختلاف بين مختلف الفرقاء بدون إقصاء أو تنافي أو شيطنة هاهي تونس اليوم تعطي نموذجا آخر هو الأول من نوعه في المنطقة مفاده أن الشعب الذي قام بثورة قدّم فيها دماء شهداء قادر على مداواة جراحه الكثيرة دونما سقوط في الفوضى أو الإنتقام.

رسالة مهمّة لكل العالم أن تونس بعد سنوات الحيف و الظلم و الظلام بات فيها أسلوب الحوار و هذا نوع آخر من أنواعه وسيلة و أداة لمداوات الجراح الغائرة التي تركتها عقود الإستبداد بعيدا عن توريث الأحقاد و بناء على قابليّة للقطيعة مع الدكتاتوريّة و قابليّة أكبر للإنخراط في الديمقراطيّة و أبرز معالمها رد الحقوق لأصحابها بالقانون.

دليل آخر على فرادة النموذج التونسي:

إذا كان المحتوى و المضمون لأولى جلسات الإستماع العلنية لضحايا الإستبداد قد شدّ بقوّة المتابعين للمستر السياسي و للمشهد العام عموما في البلاد فإنّ الملاحظة الأهمّ أنّ هذه اللحظة لم تكن لتكون لولا ثورة حافظ عليها التونسيون حدّ الآن و هذا مكسب يحفظ لمن ساهموا في حماية مسار الإنتقال الديمقراطي منذ نحو ستة سنوات.

إنتخابات فتجاذبات فتوافقات فمغادرة طوعيّة للسلطة مقابل الحفاظ على التجربة فدستور و هيئات دستوريّة فتداول سلمي على السلطة، يستحقّ هذا أن يكون مسارا يدرّس لا فقط مقارنة بباقي المسارات في المنطقة و العالم بل لكون هذا المسار يعكس طبيعة أخرى غير تلك المتوحّشة التي إنتشرت و ينشرها كثيرون عن الشعوب العربية التائقة للحرية و الديمقراطية.

 

 

المصدر: الشاهد 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق