تحاليلتونس

تونس: الزيتونة أول جامعة إسلامية

telechargement-2

 

د. جمال بو عجاجة (*): 

 

 

تشكل جامعة الزيتونة وهي أقدم جامعات العالم وقد تناسلت منها جامعة الأزهر بالمشرق وجامعة القرويين بالمغرب منارة علمية لا تزال مقصد طلبة العلم من كل حدب وصوب، إذ ترسخ معالم المذهب المالكي المعتدل والعقيدة الأشعرية الوسطية، في إطار من التوازن المذهبي والاستمرار العلمي الذي تدفق عبر شرايين شيوخ نهلوا علومهم من بلاد الحجاز، واحتكوا بإرث المدينة المنورة العلمي، فكانوا أوفياء لأصول المذهب المالكي في رخصه وسماحته ومرونته.

ورغم كل التحديات التي مرّ بها التعليم الزيتوني في تونس سواء خلال حكم البايات أو الاحتلال الفرنسي أو حقبة الاستقلال والحصار العلماني البورقيبي، فقد حافظ على وسطيته واعتداله، واستقطابه لطلاب العلوم الشرعية من مختلف آفاق العالم، ولا يزال الأمر كذلك بالمعهد العالي للحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونية الذي يحتضن خلال السنة الجامعية 2015-2016 ست عشرة جنسية تتوزع بين أقطار إفريقية وآسيوية وأوروبية خاصة، فإضافة إلى الطلبة التونسيين الذين يمثلون أغلبية يوجد طلبة من تركيا واندونيسيا وكوت دي فوار ونيجيريا وجزر القمر وعمان وغامبيا وسينغال وبوركينافاسو ومالي وألمانيا واليمن وكونغو وغينيا وبنين.

ويمر هؤلاء الطلبة بمرحلة تمهيدية تستغرق سنتين لتعلم اللغة العربية، والتعرف على الحضارة الإسلامية ومعالمها وأعلامها وتاريخها ثم يتأهلون إثر اختبار لغوي، لمرحلة الإجازة حيث يدرسون في السنة الأولى ضمن جذع مشترك يتعرفون من خلاله على دروس عامة في الفقه وأصوله والحديث النبوي والسيرة النبوية والقرآن الكريم، ليتخصصوا في السنة الثانية في مجال الحديث أو أصول الفقه أو الحضارة أو القراءات بما يؤهلهم للنجاح في مرحلة الماجستير المهني أو البحثي.

وفي هذه المرحلة البحثية التي يقضيها كثير من الطلبة الأجانب بالمعهد العالي لأصول الدين بجامعة الزيتونة توجد جنسيات أخرى منها ما يزال طلبتها بصدد انجاز بحوثهم العالية ومنهم من عاد إلى موطنه الأصلي وهم طلبة روسيا وداغستان والبوسنة والكويت والسعودية وإسبانيا وتايلندا وماليزيا والنيجر والتشاد وطوغو وزمبيا وليبيا.

وقد مثلت مساحة لقاء بين هؤلاء فرصة للتعرّف على ثراء التجربة العلمية لعلماء الزيتونة وشيوخها الذين حافظوا على أصول الوسطي والتديّن السمح والتجديد الرصين في علوم الشريعة كما هو شأن شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور (ت 1973 م) الذي ترك أثرا علميا يعتبر مرجعا في تفسير القرآن الكريم وهو كتابه الموسوم بالتحرير والتنوير الذي يتكون من 15 جزء وقد طبع في طبعة فاخرة بالدار التونسية للنشر وله كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية الذي برّز فيه شأنه في ذلك شأن علال الفاسي بالمغرب والشاطبي صاحب كتاب الموافقات ببلاد الأندلس.

إنّ جامعة الزيتونة اليوم التي تصدر أساتذتها وطلبتها مواقع ذات شأن ومنهم الدكتور عبد المجيد النجار رئيس اتحاد علماء المسلمين بتونس، والشيخ مختار السّلامي المستشار الشرعي لأكثر من بنك إسلامي، تمثل حصنا حصينا للفكر الإسلامي في تونس الذي يواجه غلوا علمانيا من جهة وتطرفا دينيا من جهة أخرى، حيث يجتهد في الحفاظ على الإرث العلمي الإفريقي الذي انتشر في ربوع كثيرة.

إننا نتحدث عن أول جامعة في العالم انتظمت دروسها منذ سنة 737 م الموافق لــسنة 120 هـ، وقد درس بها ابن خلدون صاحب كتاب المقدمة، وواضع علم العمران البشري، وأعلام الحركة الإصلاحية ومنهم الشيخ عبد العزيز الثعالبي وشاعر تونس أبو القاسم الشابي صاحب القصيدة الشهيرة “إرادة الحياة”، ويعتبر ذلك فخرا لتونس وللتونسيين سواء كانوا علمانيين أو سلفيين لأن هذه القلعة العلمية ظلت رغم محاولات توظيفها سياسيا في أكثر من مرحلة من مراحل الحكم قطبا جامعيا وعلميا ودينيا ثابتا على مرجعيته الوسطية.

إن جامعة الزيتونة اليوم التي تجاوز اسمها الآفاق؛ لا تزال تعاني من مشاكل تتعلق بالفضاء المعماري حيث تعجز مساحتها المحدودة عن استيعاب كل الوافدين، فلا يتناسب حجمها واسمها مع التحديات المطروحة عليها علميا ودينيا وحضاريا باعتبارها منارة وسفارة وملتقى الحضارات وتقاطع عراقة التاريخ و هبة الجغرافيا في آن واحد.

 

المصدر: مدونات الجزيرة 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) – كاتب وأكاديمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق