دراسات

ماذا بعد قرار اليونسكو؟ القدس بين سياسة التهويد ورهان المعركة الثقافية

%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%b3%d9%83%d9%88

غفران حسايني:(*)

من الطبيعي جدّا أن ينزل قرار اليونسكو الأخير بشأن مدينة القدس كالصاعقة على دولة الاحتلال الصهيوني ، فمن تعوّد على تزييف التاريخ وطمس الذاكرة وتهجير الشعوب لا يمكنه أن يقبل مطلقا حقيقة أنه عابر على أرض ليست له ومعاند لتاريخ ليس له، فمنذ تأسيس الحركة الصهيونية العالمية أواخر القرن التاسع عشر أكّدت أغلب المصادر أنّ مؤسسها الصحفي المجري النمساوي “تيودور هرتزل” وضع خطّة محكمة للاستحواذ على مدينة القدس وطمس معالمها العربية الإسلامية بتهويدها وجعلها عاصمة تاريخية موحّدة لما يسمّى دولة إسرائيل ولكل يهود العالم وتقوم هذه السياسة على ثلاث توجّهات استراتيجية كبرى وهي:

  •  تدويل مدينة القدس وإخراجها تدريجيا من دائرة الصراع العربي الصهيوني لتصبح قضيّة عالمية تتداخل فيها كل الاطراف الداعمة لدولة إسرائيل.
  •  بناء هيكل سليمان الثالث في مكان غير بعيد عن المسجد الأقصى بعدما دمّر الرومان الهيكل القديم عام 70 للميلاد في عهد أوّل شارح للتوراة و كاتب للتلمود الحبر يوحنّا بن زكاي.
  •  أن تعمل الحكومات الصهيونية على جعل مدينة القدس خارج أسوار البلدة القديمة بطابع اوروبي غربي تصبح بها عاصمة الشعب اليهودي.(1)

التهويد القانوي للقدس و الصمت العربي:

اتّخذت الحكومات الصهيونية المتعاقبة نفس السياسة تجاه مدينة القدس سواء كانت حكومات لحزب الليكود او حزب العمل كدليل على أنّه لا تفاوض و لا تراجع عن تهويد المدينة ،حيث عمل مؤسس دولة اسرائيل دافيد بن غوريون منذ قيام كيان العدو على تبنّي التوجّهات العامة التي وضعها تيودور هرتزل و بدأ في تنفيذها بإنشاء ما سمّي فيما بعد “القدس الغربية” الهادفة إلى عملية تجزئة تستهدف وحدة المدينة وتقسيم شواهد التاريخ على عروبتها وإسلامها ونصرانيتها حيث أرسل بن غوريون للحكومة البريطانية قبل صدور قرار التقسيم قائلا : إنّه لن يتنازل عن القدس و لا بد من فصل الاماكن المقدّسة في شرقي المدينة وغربها داعيا إلى رقابة إنجليزية على شرقي المدينة واعتبار اليهود من سكان القدس مواطنين في دولة إسرائيل(2).

و بعد تمكنّ القوات الصهيونية من احتلال الضفّة الغربية بما فيها البلدة القديمة بالقدس الشرقية التي كانت تحت سيادة الأردن شرعت دولة إسرائيل مباشرة في تهويد القدس و فرض الوجود اليهودي بالقوّة و التزييف وطمس الحقائق وفق أربعة مراحل أساسية:

  •  هدم الحي الإسلامي المعروف بحارة الشرف في حي المغاربة الذي سكن فيه أهل المغرب العربي منذ زمن صلاح الدين.
  •  توطين اليهود في حي المغاربة و تزييف تسميته ليصبح ” الحي اليهودي “والاستحواذ على الممتلكات الإسلامية والوقف الإسلامي بين عامي 1968-1979.
  •  تشكيل جماعات استيطان في القدس منذ عام 1979 كوّنت اتّحادا سمّيت جمعية تجديد الاستيطان “و تهدف إلى امتلاك العقارات الإسلامية المجاورة للحرم .
  •  احتلال مساكن العرب الفلسطينين في الأحياء الإسلامية و ادّعاء ملكيتها من قبل اليهود. (3)

و قد اتخذت دولة الصهاينة في تنفيذ أجنداتها تجاه القدس سياسة تغيير وضع المدينة قانونيا بواسطة سن التشريعات و وضع ترتيبات قانونية جديدة كان اهمّها قانون 1952 الذي يمنع المقدسي من دخول بيته وأرضه في حال خروجه من المدينة و حجبت عنه حق التنقّل إلى جانب قانون الإدارة و النظام لعام 1967 الذي أعلنت بموجبه القدس عاصمة موحّدة وأبدية لدولة الكيان ثم جاء قانون أملاك الغائبين الذي صادرت بموجبه دولة الاحتلال أملاك و حقوق المقدسيين الذين لم يتواجدوا بمنازلهم عشيّة حرب 1967 .

كما عمل الاحتلال على تدويل القضية و اللعب على ايجاد مبررات تشريعية في القانون الدولي لتعويم المفاوضات مع الجانب الفلسطيني وإغراق قضيّة القدس في المشاورات في أروقة المنظمات الدولية وفي ظل موقف عربي مخجل يقوم على الاعتراف بأنّ القدس الغربية المحتلّة عام 1948 أصبحت جزءا من دولة إسرائيل و انّ القدس الشرقية المقدّسة المسيحية و الاسلامية أراض محتلّة بالقوّة يجب الانسحاب منها بناء على القرار الدولي رقم 242 لسنة 1967 الذي بقي حبرا على ورق كغيره من القرارات الاخرى المتعلّقة بالقدس والصادرة عن الجمعية العامّة للأمم المتّحدة و يتجاوز عددها 21 قرارا بين عامي 1968 و 1998 (4) لم يطبّق منها أي شيء.

التهويد الديمغرافي و سرطان الاستيطان:

تعتبر المعركة من اجل القدس في جوهرها على أرض الواقع ديمغرافية بالأساس عملا على تثبيت الوجود اليهودي في المدينة الذي أقرّ الاستعمار البريطاني لفلسطين بوجوده مع رسم حدود المدينة بين عامي 1921 و 1946 الذي امتدّ في الجانب الغربي من المدينة 7 كلم و شرقها و جنوبها ميئات الامتار فقط لتكريس الملكية اليهودية على بيت المقدس حيث أصبح الملكيّة الأسلامية تقدّر بــ40 بالمائة والأملاك اليهودية 26 بالمائة و الأملاك المسيحية 13 بالمائة(5).

و منذ السيطرة الصهيونية على المدينة بعد حرب 1967 التي بلغ فيها عدد السكّان 75 ألف نسمة يعيشون في 13500 وحدة سكنية عمل الاحتلال على تكريس سياسية الامر الواقع بسرعة سرطانية في تهويد المدينة وتكريس التغلغل الديمغرافي الصهيوني فيها، حيث قام الكيان بتهجير الفلسطينين من المدينة وهدم حي الشرف بكامله في البلدة القديمة و قاموا بترحيل 135 عائلة إلى المخيمات وحي المغاربة في حين بلغ عدد السكّان اليهود في احسب معهد أبحاث إسرائيل لسنة 2007 في القدس الغربية 275 ألف صهيوني وفي الشق الشرقي 187 ألف آخرين مع وجود مخطط صهيوني يهدف لإحاطة المدينة بــ 250 ألفا في القدس الموسّعة و 500 ألف صهيوني في الجانب الغربي ومحيط البيت المقدّس ليبلغ عدد السكّان مليون يهودي .

و يقرّ الباحثون في قضيّة النمو الديمغرافي في القدس الشريف انّه في حال استمرّ النسق الحالي للتزايد السكّاني اليهودي مقارنة بالعرب فسيشكّل اليهود بحلول عام 2020 ما نسبته 60 بالمائة مقابل 40 بالمائة من العرب المسلمين و النصارى رغم أنّ معهد القدس لدراسات إسرائيل نضر تقريرا بيّن فيه أن نسبة السكّان اليهود في المدينة قد هبطت و اعتبروا المدينة “طاردة للسكّان” مما جعل الحكومات في دولة الكيان تعمل على تكثيف طرد العرب من المدينة و افراغها من أهلها الحقيقيين خاصّة عن طريق الجدار العازل الذي أخرج ما يزيد عن 280 ألف عربي من القدس الشريف و صادر 20 بالمائة من أراضي الضفّة الغربية .

التهويد الديني و الثقافي و السعي لهدم المسجد الأقصى: 

تعتبر هويّة مدينة القدس العربية الإسلامية من أكبر الأهداف التي يسعى الكيان الصهيوني لاستهدافها، نظرا لأن عمق الصراع حول المدينة ديني تاريخي بالأساس إذ يسعى المحتل إلى استبدال هوية المدينة من جميع النواحي الدينية و الثقافية والمعمارية لإيجاد مدينة أخرى يهودية مقدّسة موازية للمقدّسات الإسلامية والمسيحية . إلا انّ الوجود الإسلامي هو المستهدف لأنّ مركز الصراع هو المسجد الأقصى الذي يعمل اليهود على بناء هيكل سليمان المزعوم على أنقاضه.

و تثبت التقارير المتعددة المصادر أنّ الجمعيات والمنظمات الاستيطانية الصهيونية تقوم بنشاط كبير لحشد الرأي العام الصهيوني لدفع الحكومات المتعاقبة على هدم المسجد الأقصى حيث توّع هذه المنظّمات ملصقات على طلاّب المدارس تحمل صورة “الهيكل” مكان المسجد الأقصى و قبّة الصخرة ، كما تبث إذاعات يهويدية مرخّصة لها تتبع تنظيمات متطرّفة كحركة “كاخ” دعوات تحث الشباب على إقامة المعبد على انقاض القدس خاصة عبر إذاعة “عزّة صهيون” .

و تلقى هذه الدعوات صدى كبيرا لدى الشباب المتدين اليهودي الذي يكرر في كل مرّة اقتحام الحرم الشريف إضافة إلى تقدّم الجمعيات الاستيطانية إلى سلطات الاحتلال بطلب تحويل “المدرسة العمرية” في الزاوية الشمالية الغربية للمسجد الأقصى إلى كنيس يهودي أو السماح لهم بالصلاة فيه.
و تشير الدراسات إلى ان الصهاينة انطلقوا فعليا في تجهيز الهيكل لإقامته على انقاض المسجد الأقصى حيث موّل المليونير اليهودي المصري” موسى فرج” الذي يعمل بتجارة الألماس تجهيز الشمعدان الخاص بالهيكل إضافة إلى بناء مجسّم معماري مساحته 400 متر مربّع لكسب تعاطف اليهود وتحريك الوازع الديني لبناء الهيكل المزعوم (6).

فما تعيشه مدينة القدس من عمل ممنهج لطمس روحها التاريخية والدينية في بعدها العربي والإسلامي يعتبر من أخطر ما تعرّضت له مدينة عبر التاريخ إذ لا يمكن أن يقاس تخريب أمّة لأمّة عبر الزمن بمنهجية السرطان الصهيوني ينتشر في أرجاء القدس كالنار في الهشيم امام صمت العرب الرسمي والشعبي لتأتي قرارات اليونسكو الاخيرة لتربك إسرائيل من جهة ولتحرج العرب والمسلمين من جهة أخرى.

قرارات اليونسكو الارتباك الصهيوني والرهان العربي والإسلامي:

ظلت اسرائيل على الدوام منذ تأسيسها تراهن على تدويل قضية القدس في أروقة المنظمات الدولية لتحسم القضية دوليا في مفاوضات الغرف الفخمة والمغلقة وهي تواصل على الواقع عملية التهويد في ظل ما يعيشه العرب والمسلمون من وهن وضعف واقتتال داخلي ،إلا ان القرار الأخير والنهائي الذي تبنته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) الثلاثاء (18 أكتوبر 2016) كان صادما ومربكا للكيان الصهيوني الذي سارع إلى سحب سفيره من المنظمة الدولية تزامنا مع تصريحات رئيس الوزراء ناتنياهو للملمة الفضيحة الدولية التي تلاحق دولته الغاصبة والقائمة على بيع الوهم عندما تجرّدها المجموعة الدولية في اعلى هيئاتها الثقافية والعلمية المختصة (لجنة التراث العالمي) من هوية يهودية مزعومة وتثبت بما لا يدعى مجالا للشك ان مدينة القدس عربية إسلامية.

إن هذا القرار الأممي الذي تقدمت به الدول العربية تونس والكويت ولبنان وحضي بتأييد 10 دول ورفض دولتين وامتناع 8 دول وغياب واحدة يعتبر هدية للعرب والمسلمين على طبق من ذهب في واقع دولي لا يحترم إلا الأقوياء ونحن لا قوّة لنا ولا حول في ظل حروبنا الاهلية وتفرقنا بين الفرق والمذاهب والطوائف فالقرار أسقط سياسة إسرائيل تجاه المدينة في الماء ليؤكد “عدم شرعية أي تغيير أحدثته إسرائيل في بلدة القدس القديمة ومحيطها”؛ وذلك بناء على المواثيق الدولية “جنيف” و”لاهاي” والقرارات الأممية السابقة .

وهو ما يدفع بالعرب والمسلمين إلى استثمار هذا القرار لترويجه عالميا بمختلف الوسائل والأشكال وان تتبنى المنظمات والهيئات العربية والإسلامية والمثقفين والسينمائيين والاعلاميين هذه القضية لتعري كذب الصهيونية وتزيفها للتاريخ امام العالم ، فالمعركة على القدس وعلى فلسطين تدار أيضا في جانبها الثقافي والتاريخي لإثبات أحقية الوجود العربي في المنطقة وتعرية سياسة التهويد وتزييف التاريخ العالمي ،ولعل المعركة الثقافية تحقق ما عجزت عنه سياسة العرب وجيوشهم.

المصدر: آخر خبر ، 1 نوفمبر 2016.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)- صحفي وباحث تونسي

المراجع:

  1.  عدنان عبد الرحمان أبوعامر : مستقبل مدينة القدس في ظل التهويد، مجلّة البيان العدد الثامن ص 217 .
  2.  أسامة حلبي ، الوضع القانوني لمدينة القدس ومواطنيها العرب، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ،ط 1 ،ص 87 بيروت 1997.
  3.  التقرير الاستراتيجي لمجّلة البيان عدنان عبد الرحمان أبوعامر : مستقبل مدينة القدس في ظل التهويد، مجلّة البيان العدد الثامن ص 218 سنة 2011.
  4.  غازي ربابعة ، القدس في الصراع العربي الإسرائيلي ، دار الفرقان ، ص 86 ، عمّان.
  5.  التقرير الاستراتيجي لمجّلة البيان عدنان عبد الرحمان أبوعامر : مستقبل مدينة القدس في ظل التهويد، مجلّة البيان العدد الثامن ص 217 .
  6.  منقول عن كتاب سارة هيلم ، سكيّن كبيرة تعمل في القدس تشريحا ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، ص 126 ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق