دراسات

السلفية الجهادية: أصوليات الجمود والانفصام

image6-e1415629341245

 

 غفران حسايني:(*)

 
توحي كلمة أصولية منذ الوهلة الأولى بأنها المسك بأصل العقيدة والشريعة في مقابل كل تغير او انحراف عن المعالم الاولى للدين ولكننا سنخرج الكلمة من الاصطلاح الديني الى السياق الفكري والاجتماعي حيث يعتبر أيان لوستيك استاذ العلوم السياسية في كلية «دارتماوث» أن الاصولية لها علاقة وثيقة جدا ومباشرة بين عقائد المرء الاساسية وبين السلوك المصمم على تحقيق تغير جذري في المجتمع ” وفي هذا التعريف احالة على أن الأصولية المقصودة من المقال لا تعنى مدارس أصول الفقه والعقيدة بل جملة الأفكار والممارسات التي تتبناها الجماعات التي تتغذى فكريا من التعاليم السامية المقدسة وموروث السلف وتعمل على انزالها إلى أرض الواقع لإحداث نوع من التغيير الجذري والسريع والشامل وفق فهمها القاصر لتفاعل الوحي مع متغيرات الزمان والمكان من جهة وقراءة منغلقة لموروث السلف في الفهم لنصوص الدين ومقاصده وفلسفته المهيمنة على تمدد الواقع نوازله وفعل الزمن في المجتمع والأمّة والإنسان .
أصوليات الجمود على النقل والتقليد:

تختزل الأصولية السلفية بوجه عام منطلقاتها الفكرية واختياراتها الدينية وسط زخم الاختلاف في الفكر الإسلامي على تصورات السلف و فهمهم لكل العلوم الإسلامية بأصولها وفروعها ونوازلها ،فلا قول إلا قول السلف و لا حق إلا ما أحقه السلف و أبطلوه من زيغ في العقيدة أو في الفقه والمعاملات و العبادات .

فالسلفيّة إذا ، هي خيار عقائدي ومنهجي وتشريعي يتموقع في عمق الحقل المعرفي والديني الإسلامي وليست مطلقا فعلا فكريا طارئا أو ظاهرة خارجة عن النسق المعرفي والثقافي الإسلامي ،إذ لم تخلو مرحلة في تاريخ الإسلام إلا و كان التيار السلفي حاضرا فيها بقوة الرأي والحجّة والفعل في كل العلوم والمناهج والسياسة باعتباره مدرسة مكتملة التصوّر و النظرية التي تتلخّص قاعدتها الأساسية تقريبا في المقولة الشهيرة التالية “منهجنا الكتاب والسنّة بفهم سلف الأمّة” بما جعل الفكر الإسلامي في كثير من محطاته التاريخية يعيش تجاذبا او صراعا بين ثنائية الحياة والموت او بالأحرى حق الاجيال اللاحقة في الفهم والتعقيب والاضافة والنقد لما انتجه السابقون .

فحياة الاجيال اللاحقة لزمن نزول الوحي وبعد انقضاء الثلاث قرون(أجيال) الأولى التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلّم بالخيرية كانت تنازعا لحق الخلف في الفهم والاختلاف مع السلف وفق مقولة شهيرة بدورها رددها اللاحقون “هم رجال ونحن رجال” وهذا لا يعتبر في تقديرنا أمرا مشينا فالاختلاف أمر طبيعي وقانون يحكم عقول البشر في قدرتها على الفهم والتأويل والتفسير والاختلاف إلا انّ ذلك أيضا كان أحد أسباب نشوء وارساء المدرسة السلفية في جلّ العلوم بتصورات حاسمة في كل القضايا المعرفية واللاهوتية والفقهية :
• ففي علم التفسير أرست المدرسة السلفية دعائمها بالتفسير بالمأثور (وهو قول الصحابة والتابعين) ورفضت التفسير بالرأي تمسّكا بفهم السلف للقرآن والاكتفاء بذلك مما اعتبره جل العلماء المفسرين من الإمام الطبري إلى الفخر الرازي وصولا إلى الإمام ابن عاشور الذي قال أن هذا المنهج مقتصر على الإحالة على كلام سابق لاحظّ لأغلب المؤلفين فيها إلا جمع كلام الأقدمين على تفاوت بين الاختصار والتطويل(1). وهذا تعطيل لفيض القرآن الذي ماله من نفاذ.

• و في الفقه تمسّكت المدرسة السلفية بمدرسة أهل الحديث وفقه الإمام أحمد بن حنبل تمسكا بفهم ظاهري للنصوص المرويّة بسندها عن النبي (ص) وأصحابه في مقابل مدرسة أهل الرأي في العراق التي كانت تميل إلى استخدام العقل بالقياس والاجتهاد مواكبة لمقتضيات المجتمع المسلم وتطوراته ، ولعّل هذه احد الأسباب التي تفسّر حالة الاغتراب الفقهي السلفي عن الواقع المتغير والمتحوّل وعدم القدرة على استنباط أحكام فقهية تواكب العصر وتأخذ بخصائصه عكس بقية المذاهب الإسلامية الاخرى وخاصّة منها المذهب الحنفي الذي يجد في بنيته الفكرية والفقهية القدرة على التأقلّم وحلّ النوازل الفقهية في أكثر القضايا تعقيدا وراهنية بما في ذلك فقه الأقليات المسلمة التي تعيش في غير بلاد المسلمين .

• أما في الفكر السياسي فإن السلفية لا تخرج عن قناعاتها بالتمسّك بتجربة السلف في مسألة الامامة والخلافة حيث تعتبر أن الأصل في الإسلام وفي السياسة الشرعية هو تجربة الصحابة ” رض” في الخلافة الراشدة وفق منهجهم وطريقتهم ،أما آليات الحكم وانتقال السلطة فتتم بالمبايعة كبيعة أبي بكر الصديق أو بالتعيين كعمر ابن الخطاب و إما بالشورى المحدودة العدد كبيعة عثمان ابن عفاّن أو بالانتقال كبيعة علي ابن أبي طالب أو بالقهر و الغلبة كما فعل معاوية ابن أبي سفيان و إما بالتوريث كما جرت عليه العادة في العهد الأموي والعبّاسي حين تحوّلت دولة الإسلام إلى ملوكية فالسياسة الشرعية ترجع بالنظر إلى أهل الحل و العقد و هذا ما جعل كثيرا من السلفيين لا يشاركون في الانتخابات ويعتبرون الديمقراطية كفرا لأنها تحكيم لعامّة الناس في شؤون لا يتكلّم فيها إلا أهل الحل والعقد .

ما يمكن ان نخلص إليه إذا أن الفكر السلفي ليس ظاهرة بل هو نسق و نظريّة يعرف المد و الجزر تفاعلا مع المحيط الجيوسياسي و الفكري و الحضاري الذي يعيشه المجتمع والأمّة عامّة و ذلك من خلال نظريّة جاهزة و متكاملة أقل ما يقال عنها أنها تستند إلى مسلمات وثوقية وتحتكم إلى التاريخ في حل قضايا الحاضر مع غض الطرف كليا وعدم استيعاب فلسفة السلف في فهم الدين بعيدا عن التعصّب والتسليم بالاختلاف في الفهم والتعدد في الرؤى و التصورات إيمانا بتطور العصر وجدلية العلاقة بين العقل والوحي وهذا ما أدخل الفكر الأصولي السلفي في انفصام بين ثقل التاريخ واكراهات الواقع .

السلفية الجهادية :انفصام بين الماضي و الحاضر 

تجد السلفية الجهادية نفسها باعتبارها وليدة مدرسة شمولية على مفترق طرق بين تاريخ عظيم مليء بالنصر والفتوحات ،وحاضر مليء بالنكسات و النكبات والهزائم العسكرية والحضارية و النفسية ولقد كانت هذه أحد اكبر القضايا التي يعيشها العقل العربي الإسلامي منذ عصر النهضة في تساؤله المطرّد عن كيفية تفعاله مع إرثه العظيم في واقع جديد متغير وهذا ما جعل محمد عابد الجابري يقرّ في كتابه الخطاب العربي المعاصر باننا لا نزال نعيش في اختلاط وارتباك وتردد ، لا نعرف هل نأخذ بالقيم القديمة أم بالقيم الجديدة ؟ فحتى العقل اللبرالي العربي يعيش المستقبل وكابوس الماضي جاثم على صدره .(2)

فالعقل الإسلامي برمتّه يحي اليوم مغلّفا بعباءة الماضي و منهكا بأثقال القرون الخوالي وإن كانت اغلب التيارات الإسلامية تبحث عن نقاء الإسلام الأول و مرغمة في ذات الوقت على التخلي عنه أو شيء منه بتطوير موروثه و إصلاحه ونقده وتقييمه أمام رهانات الحداثة و إكراهاتها فإن السلفية الجهادية تحسم أمرها و لا تفكر كثيرا لتجيب بمسلّمة روحانية عاطفية تتحرّك داخل التاريخ استحضارا وتكرارا وترديدا بأنّ “آخر هذه الأمّة لا يصلح إلا بما صلح بها أوّلها ” وفق منهج السلف وطريقتهم ليس غير.

والسؤال المطروح هنا ليس الموقف من تجربة أجدادنا وسلفنا فنحن لا نبرأ منهم مطلقا ولكن سؤالنا كمسلمين هو بأي منهج وأي عقل نفهم سلفنا ونتفاعل معهم ؟ هل تفاعلنا اقتباسا وتعلّما وأخلاقا وقيما أم إعادة للماضي في الزمن الحاضر كما تفعل الأصوليات السلفية بعقلها الذي وصفه الجابري بانّه “مكبوح الجماح مردود الشطط لا ينتج العلم بل هو صديق له فقط (3) وهو العقل المعطّل لفيض القرآن العاكف على ما أنتجه السلف الماضون ضالا في الدين منحرفا عن مقاصد المسلمين كما وصفه ابن عاشور والامام القرافي .(4)

فالسلفية الجهادية تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير وتتعسف على الوحي والواقع معا بجعل الوحي قاصرا عن الإجابة عن قضايا العصر من جهة وبإرغام الواقع استحالة على بالنظر إلى الماضي ملزما بالعودة والارتداد إليه خيارا واحدا أوحدا لثاني له ،وهذا ما يعدّ هذا في علم الاجتماع السياسي والديني النتيجة الخطيرة التي تنتهي إليها الأصوليات المعاصرة التي وجدت نفسها أمام خيارين أساسيين إما الهروب من الواقع أو التصادم معه بالقوة و العنف و الرفض بغية تغييره بالقوة و البندقية بعقدة الانتقام والتشفي من الدولة بما هي سلطة ومن الواقع بما هو مجتمع بمنهج صدامي ناسف لكابوس تغيّر الزمن وفعله للعبور إلى تغيير الواقع تغييرا جذريا .

فالسلفية الجهادية لم تستوعب بعد أن القوى التي تواجهها اليوم تختلف عن القوى التي قاتلها الإسلام في أول مراحله بأساليبه و أدواته و دهائه و أن النظام العالمي الجديد ليس هو نفسه بالأمس زمن غزوة خيبر ومعركة أحد وفتوحات بلاد الشام وبلاد فارس عندما كان الإسلام يقارع اعتى الامبراطوريات في العالم ويؤسس بدوره لإمبراطورتيه مترامية الأطراف شرقا وغربا فالالتفات إلى الوراء لحل قضايا العصر لم يعد خيارا بل أضحى منهجا منغلقا وقاتلا في الآن نفسه ،هي رهانات و قضايا كبرى تعيشها الأمة تعالجها السلفية الجهادية بالتصادم معها ورفضها كليا وهذا ما يجعلها ضمن أشد الحركات الإسلامية راديكالية في رفضها للواقع و طريقة تغييره وهي في الآن نفسه أشد الحركات والتيارات خطرا على الامّة وأسهلها توظيفا لدى اجهزة المخابرات الدولية لتدمير ما يمكن تدميره لأنها باختصار أكثر التيارات تغيبا للعقل وطمسا لمعالمه وتزييفا للتاريخ وتحاملا على التراث وسرقة للسلف وتدميرا للحضارة .

وقد كانت صرخة جمال الدين الأفغاني «لماذا لا تبعدون أنظاركم عن هذه الكتب المشوبة بالنقص وتنظرون الى هذا العالم الواسع؟ و هي صرخة ضد الجمود وقراءة العالم والأحداث في سياق واحد منغلق لا يؤمن بالتعدّد والاختلاف بكلمات حقّ كثيرا ما يراد بها باطل».فكل من يعتقد أنه يمتلك الحقيقة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الدينية أوالايديولوجية فليحفر لها قبرا وليدفن تعصّبه الأعمى وأصوليته القاتلة في التراب.

 

المصدر: آخر خبر

ـــــــــــــــــــــــــ

(*)- إعلامي وباحث في الحضارة والفكر الإسلامي

——————————

1-ابن عاشور ، التحرير والتنوير : مجلد 1، ج 1، ص 7.
2- محمد عابد الجابري ، الخطاب العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية ،ط5 ، بيروت 1994، ص41.
2- نفس المرجع ، ص 39.
3- أنظر التحرير والتنوير ، مجلّد 1، ج1 ،ص 7 وكتاب الفروق لشهاب الدين القرافي ، الفرق 38 ، المسألة الثالثة ،ـ ج1 ،ص 188

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق