رأي

دروس التاريخ .. وكواليس السياسة

57fb12c40777a

 

محمد خليفة الشيخ  (*):

 

 

نلاحظ ، و نحن نراقب الأحداث السياسية في السنوات الأخيرة ، بأن هناك تغيراً بات متسرِّعاً حاصلاً على الساحة الجيو سياسية في المنطقة العربية ، يتناغم مع ما يسوق له بعض الساسة و الخبراء ـ و المحللين الاستراتجيين ، أو ما تنشره بعض مراكز البحوث المختصة

بوضع السياسات التي تشرف على صياغتها دوائر صنع القرار في الدول الكبرى ـ تُنْبِي بوجود مخططات تعد للمنطقة ، مفادها بأنه لن تكون للدول العربية الوطنية خارطة ، أو وجود وستتغير معالم حدودها المعهودة ، لأنه ستولد على أنقاضها دويلات مذهبية و عرقية.
هذه التسريبات أخشى أن تكون إرهاصات لأحداث تاريخية تعيدنا بالذاكرة لما وقع للأمة عبر تاريخها من أزمات، نتيجة الخيانة، والعمالة والتفرقة، و التمزق، والتهجير ، والنزوح بعدما شهدت لها صفحات التاريخ من فتوحات و أمجاد .
ويكفي هنا أن نستدل بأهم المحطات التاريخية المؤلمة التي مرت بها الأمة على سبيل الاستدلال للتأكيد على مشروعية ، و صحة مخاوفنا .ألم نطرد من الأندلس بعد طول مقام ـ شهدت المنطقة خلالها إرساء حضارة ما زالت شواهدها قائمة إلى اليوم ـ ، أستمر فيها الوجود العربي الإسلامي ما يقارب ثمانية قرون ـ بسبب الخلاف السياسي، ولسنا كذلك ببعيدين عما قامت به بريطانيا وفرنسا مع بدايات القرن العشرين ـ عام 1916 ـ بمعية ومباركة، وتؤاطو قيصر روسيا نيقولا الثاني ـ دون أن يكون لحكام العرب و شعوبهم معرفة أو علم بما جرى من حولهم ـ حين عقدتا اتفاقاً، وتفاهماً سريا بينهما عرفت باتفاقية سايكس بيكو تم بمقتضاها اقتسام منطقة الهلال الخصيب ، وبسط نفوذهم في غرب أسيا بعد أن تهاوت الدولة العثمانية المسيطرة على هذه المنطقة في الحرب العالمية

1) التدخل المصري زمن حكم جمال عبد الناصر في اليمن بهدف نصرة الثورة اليمنية ـ عقب إعلان المشير عبد الله سلال عن ثورته ضد إمام المملكة المتوكلية ـ حيث أرسلت الحكومة المصرية ما لا يقل عن 70،000 جندي مما أثر على مستواه القتالي سلباً أثناء المواجهة مع إسرائيل في حرب عام 1967م ، أو بما عرفت بالنكسة .

2) نظراً للنرجسية التي تسيطر على شخصية معمر القذافي، وأحلامه في أن يكون قائداً أممياً تورط في حروب أوغندا ، وتشاد ، وتدخل في أغلب بلدان قارات العالم بدعوى مناصرته لحركات التحرر العالمية ، فدعم الجيش الأيرلندي في أوروبا ، و جبهة مورو الفلبينية في أسيا، والجبهة الثورية نيكاراغوا في أمريكا الجنوبية، وساند حركة تحرير إقليم ظفار في اليمن ، فبذّر ، وبدد بذلك الأموال الطائلة ، بدلاً أن يسخرها في أحداث نقلة تنموية حقيقية في ليبيا ، كما قضى على طموحات الكثير من شباب بلده في معارك وهمية خارجية خاسرة فلم يتأت له ما أراد ووجد صدا، ومواجهة أحبطت مخططاته، وعرقلتها، بسبب منافسة بعض القادة العرب لذات الطموح، مثل جعفر النميري في السودان والسادات ثم مبارك في مصر، وصدام حسين في العراق ، ومن هؤلاء من أشتغل بالوكالة للدول الكبرى لتحجيم أحلام القذافي في الزعامة والتوسع .

وفي سياق التدخل الأمريكي في المنطقة ، ألم تدل وزيرة الخارجية الأمريكية كوندا ليز رايس بحديث صحفي لجريدة واشنطن بوست ، عام 2005 بنية سعي الولايات المتحدة الأمريكية نشر الديمقراطية بالعالم العربي، والبدء بتشكيل ما يعرف بشرق أوسط جديد، الذي بدأت معالمه تتشكل بغزو العراق في عهد جورج دبليو بوش.

وبعد سقوط نظام القذافي المستبد الذي حكم ليبيا أكثر من أربعة عقود ـ عام 2011 ألم تتدخل الدول الإقليمية، والدولية في الشأن الليبي ، بعدما انكشفت عورته، وتبين هشاشة نسيجه الاجتماعي الوطني، الذي تم تهيئته والعمل على أضعافه عبر السنون، فوضحت حقيقة أسباب العداوات، والانشقاقات، فأقيمت التحالفات، وتناحرت القبائل، والمدن، والمناطق منها ما كان لأسباب تاريخية كتصفية حسابات، ومنها الآخر لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو لأجل سيطرة عسكرية، فتحللت اللحمة، وأنخفض مؤشر الوطنية وتصاعدت عوضاً عنه الجهوية التي ترسخت في أذهان المتصارعين، فاستقوى كل طرف على الآخر بالأجنبي الذي وجد فرصته ممّا زاد من تعقيد المشهد، لاسيما التدخل العربي السلبي الذي لم يكن تدخله بريئاً بقدر ما كان تصفية حسابات عربية فيما بينها نقلوها في شكل صراعات على الأراضي

الليبية، وبأيدي ليبية، وإمعاناً في إهانة العرب والليبيين استدعت الدول الموقعة على اتفاقية سايكس بيكو بالإضافة لأمريكا بدعوتهم للحضور إلى فيينا لمناقشة المسألة الليبية، وقد حدد الاجتماع يوم 16 / 5 / 2016 و هو التاريخ ذاته الذي صادف توقيع الاتفاقية، وكأن اللقاء في ذاته هو احتفال بمرور مائة عام على اتفاقية التقسيم يوم 16 / 5 / 1916 في مدينة فيينا ، فهل اختيار التوقيت، والمكان جاء صدفة أيضاً، أعتقد قصد به بث رسائل تهديد مبطنه لمن حضروا، بأن روح الاتفاقية لا تزال حية وبالإمكان استنساخ أخرى مثلها للمنطقة ، وللآسف لم تتجرأ العرب ولا المسؤولون اللبيبون على تغيير الموعد بتقديمه أو تأخيره حتى لا يوافق ذلك التاريخ المشؤوم، إنها نفس الأهداف التي نسجت خيوطها ، ودبرت تفاصيلها بليل .

وماذا يعني كذلك إثارة النعراث المذهبية والطائفية في مدينة غرداية بالجزائر منذ سنتين بين المزابيين (أمازيغ ) الأباظيين، والعرب المالكيين، والتي ارتفعت حدتها في شهر مارس عام 2016 حيث شهدت المنطقة أحداث عنف دامية سقط ضحيتها قتلى، وجرحى وقد فاجأت أحداث منطقة ميزاب الرأي العام في الجزائر وخارجها ، بحكم كونها منطقة عرفت بهدوئها و تعايش الأثينيات والمذاهب فيها منذ زمن في تآخي وسلام .

ربما تكون هذه الأحداث الدامية الغاية، والقصد منها إشعال نار الفتنة ليمتد لهيبها إلى كل المناطق الامازيغية في شمال أفريقيا، وأحداث اضطرابات، ونزاعات بين مكوناته الثقافية، والعرقية، وهي أجندات لا يمكن فصلها عن المشروع العام الخاص بتقطيع، وتفتيت أوصال الدول العربية ، وإقامة الدويلات البديلة تحت رعاية الدول الكبرى التي تسعى أيضاً لتنفيذ أجنداتها في المغرب العربي بعدما عبثت في مشرقه من خلال توريط السعودية في الصراع اليمني، وإطالة الصراع السوري، واستهدافها بعقوبات من الكونغرس وتحطيم دولتي العراق وسوريا وتمزيقهما، والشروع في تقسيمهما على أسس مذهبية وعرقية .

وهل قيادة السعودية لتحالف عربي بهدف محاربة الحوثيين في اليمن المدعومين من إيران في هذا الوقت بالذات جاء صدفة، أم مخطط له قصد توريطها بهدف استنزافها، وابتزازها وبالتالي إضعافها، وإسقاطها وتفتيتها، وإعادتها قبائل طائفية قزميه متناحرة يمكن السيطرة عليها .

وماذا يعني ـ في هذا الوقت بالذات ـ موافقة الكونغرس الأمريكي على تمرير قانون (جاستا) الذي يسمح لعائلات ضحايا الحادي عشر من سبتمبر بمقاضاة دول ينتمي إليها المهاجمون وبالرغم من تسجيل الانتقادات بشأنه، فتوقيته بات واضحاً من أنه ابتزاز أمريكي بعينه لدول الخليج العربي لإخافتها، ولانتهاك سيادتها، ورسالة امتهان لها، وهي التي تحالفت معه و قدمت له كل التسهيلات، ومكنته من تنفيذ وتمرير سياساته في المنطقة، أنه توغل الامبريالي في احتقار الدول العميلة، وعدم الإكثرات بصداقة الشعوب، فمصلحتها فوق كل اعتبار، وقيم، هو درس على كل حال لكل من يتنازل عن ثوابته للعدو على حساب وطنه .

والقانون الصادر أثار عديد المآخذ حوله على الساحة الدولية، فقد أعتبر بصدوره انتهاكا لسيادة الدول الوطنية، واستخفافا بالمواثيق الدولية وثيقة الصلة، والقانون يعد بمثابة ازدواجية المعايير في التعاطي مع قضية الإرهاب، وملاحقة مرتكبيه .
ويتساءل كثير من المراقبين، من يحاكم أمريكا وروسيا إذن بحسب منطق هذا القانون عن جرائمهما، بقتلهما، وتشريدهما للآلاف، بل الملايين من المدنيين من أطفال والنساء والشيوخ العُزّلْ في سوريا والعراق، وأفغانستان والباكستان والشيشان، والقائمة تطول بدعوى محاربة الإرهاب، أنه منطق قانون القوة، وليس منطق قوة القانون.

المشهد ذاته للأسف سيتكرر ، في ظل ازدياد وجود حجم التدخل الأجنبي الفج في سيادة الدول القطرية وسيطرته على مفاصلها الاقتصادية، والسياسية والثقافية، والأمنية، نتيجة هذا السقوط السياسي الرهيب للدول العربية، والارتماء في أحضان أعدائها ـ مع علمهم بذلك ـ لدرجة أصبحت معه دولنا عاجزة عن اتخاذ أي قرار يخدم مصالحها الوطنية ، أو يحصّن أمنها القومي، ما لم يحظ بالموافقة والمباركة ممن يمتلك قرارها ـ وتتعدد وسائل التدخل ويتنوع شكل التبعية مباشر أو غير مباشر ـ وما كان ذلك ليحصل لو أجتمع قادتنا، وأقروا ثوابت جامعة تحكم علاقات دولهم لا تتغير بالمواقف السياسية.

 

 

المصدر: المغرب ، العدد 1574، 16 اكتوبر 2016، ص 20.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (*)- وزير الداخلية الليبي الأسبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق