تونسثقافة

تونس: بورقيبة في علاقته بالفلاقة والزيتونيين والشيوعيين

img

 

شيراز بن مراد:

 

   تحت عنوان «بورقيبة والمسألة الديمقراطية: 1956 ـ 1963»، أصدرت الكاتبة نورة البورصالي مؤلفا تطرقت فيه للانحرافات التي شابت المسار السياسي مباشرة اثر الاستقلال.

وسلطت نورة البورصالي في مؤلفها التوثيقي الذي صدر عن “دار نقوش عربيّة” وعرّبه من الفرنسية محمد عبد الكافي، الضوء على الممارسات التي رسخت لما يسميه شارل اندري جوليان «الديمقراطية السلطوية» انطلاقا ممّا عرفته أول انتخابات بتونس المستقلة من تغول ثمّ إبعاد للفلاقة والزيتونيين وتصفية اليوسفيين وتضييق الخناق على الشيوعيين وترويض المنظمات الوطنية والصحافة، وهي عوامل كلّها ساهمت في تركيز نظام الحزب الواحد.

وقد اعتبرت الكاتبة أنّ عملها يدخل ضمن «تمش يضيء زماننا الحاضر حتى لا يعيد التاريخ نفسه مرّة أخرى بتركيز نظام سلطوي عانت منه البلاد لمدّة عقود طويلة» متسائلة «لماذا لم تنجح بلادنا في تركيز نظام ديمقراطي والحال أن بلدنا صغير وله امتيازات عدة؟ لماذا أضاعت تونس هذه الفرصة التاريخية عند بناء الدولة الحديثة»؟

ويُمثل كتاب «بورقيبة والمسألة الديمقراطية» وثيقة هامة ضمّنت فيها الكاتبة مجموعة من الشهادات والحوارات التي تتظافر كلها لإبراز الوجه الخفي لنظام بورقيبة في سنواته الأولى..

وسنحاول في إطار هذا المقال تقديم بسطة موجزة عن مقاربة البورصالي التي أبرزت الفئات التي تمّ استهدافها فزج بالبعض منها في السجن بينما مُنع الآخر من التعبير وتعرض عدد هام منها للتعذيب والاعتقال.

وقد تمكنت نورة البورصالي في كتابها من مخاتلة «الوجه المشرق» لنظام الحبيب بورقيبة لتقدم بالوثائق والشهادات «وجهه الخفي»، ذلك الذي أقصى الذي استهدف اليوسفيين الذين تضاعف قمعهم انطلاقا من نوفمبر 1955 حيث تعرضوا للاعتداءات والاختطافات والإيقافات لينتهي المسلسل الدامي باغتيال الزعيم صالح بن يوسف بتاريخ 12 أوت 1961 والقيادي بالحزب الشيوعي والنقابي حسن السعداوي الذي توفي رهن الاعتقال يوم 12 فيفري 1963 السنة نفسها التي تمّ فيها منع الحزب الشيوعي من النشاط.

أما المرأة التونسية، فتم حرمانها من حق الترشح والتصويت في انتخابات المجلس التأسيسي سنة 1956 بينما ساهمت النساء في معركة التحرير ولعبت دورا طلائعيا في الفضاء العام التونسي، وتساءلت نورة البورصالي «هل كان لزاما استثناء النساء من المجلس التأسيسي»؟ ثمّ تتالت الإقصاءات حيث أبعدت طريقة الاقتراع المعارضة كما كتبت جريدة «الزهرة» وذلك من أجل المصادقة على «دستور تصوروه حسب رؤيتهم السياسية» وكانت النتيجة هي انتصار القوائم الحمراء على القوائم الخضر (قوائم الشيوعيين) مثلما جاء في صحيفة «الصباح».

كما كان للفلاقة الذين ساهموا في ملحمة الاستقلال نصيبهم من الإقصاء واستحضرت البورصالي في هذا السياق مراجع هامة بينت كيفية إبعادهم من المشهد مستعينة بحوار للمؤرخ عميرة علية الصغير الذي أكد ان تونس لم تستقل إلا تحت ضغط الفلاقة.

نفس الشيء بالنسبة لعائلة البايات حيث اعتقل لمين باي ووضع في الاقامة الجبرية مع عائلته، وكذلك الزيتونيين الذين تجاهلهم بورقيبة وأقصاهم من وظائف اتخاذ القرار والتمثيل النيابي والديبلوماسي والحزبي، والطلبة الزيتونيين الذين تعرضوا للملاحقة بسبب آرائهم اليوسفية وللتهديد والاعتداءات.

وبالاعتماد على وثائق متنوعة، تبرر الكاتبة الأزمة التي اندلعت بين قيادة اتحاد الشغل والسلطة السياسية انطلاقا من سنة 1964 حيث تنوعت التجاوزات في حق النقابيين وخاصة النواة القريبة من الأمين العام الحبيب عاشور. ومن الشهادات التي تضمنها الكتاب تلك التي قدمها الأستاذ عبد الرحمان الهيلة الذي كتب نصا حول انتهاكات «صباط الظلام» الذي أصبح رمزا للاستبداد والفاشية بحق أبناء الوطن من اليوسفيين وإنشاء المحكمة الشعبية (19 أفريل 1956) التي اهتمت بالقضايا ذات الصبغة السياسية، وقد عرفت تونس قرابة 50 محاكمة سياسية بين 1956 و1963 وكذلك شهادة اليساري نور الدين بن خذر حول ظروف اعتقال أعضاء آفاق.

أمّا الصحافة وما تعرضت له من تضييق، فقد أفردتها نورة البورصالي بجزء خاص بيّنت فيه بالأمثلة كيف تمّ اخماد صوت المنابر والأقلام الحرّة، وضربت الكاتبة مثال صحيفة «العمل» التي كان يديرها البشير بن يحمد ومحمد المصمودي والتي عُطلت لمدة سنتين عام 1958، وكذلك صحيفة «منبر التقدم» لسليمان بن سليمان والتي منعت من الصدور سنة 1961 بسبب مقال عنوانه «قصر قرطاج» ومقال آخر عنوانه «قصر المرمر» الذي انتقد تدشين قصرين رئاسيين في ظرف شهرين الى أن صدر حكم في 29 جانفي 1963 يؤكد منع إصدار الصحافة الشيوعية.

كما تعرضت البورصالي في جزء خامس وأخير إلى مؤامرة ديسمبر 1962 أو محاولة الانقلاب الفاشل ضدّ بورقيبة والاتجاه نحو مأسسة الحزب الواحد انطلاقا من جانفي 1963 مثلما جاء في الكتاب، وهي صفحة فارقة في تاريخ تونس الحديث أولتها الكاتبة ما يجب من عناية من خلال تقديم بسطة على أحكام الإعدام التي شملت الموقوفين ومعاناتهم في السجن وشهادات الناجين ومنهم تميم حمادي التونسي وقدور بن يشرط.

«نأمل أن تُسدّ هذه الثغرات كي لا تضيع الذاكرة الجماعية»، هكذا ختمت نورة البورصالي كتابها التوثيقي رافضة زيف التاريخ الرسمي الذي يُجمل ويُنمق صورة الحكام ويتناسى انحرافاتهم.. وقد أبرزت الكاتبة حجم الانتهاكات التي طالت فئات عريضة من الشعب التونسي بين فلاقة ويوسفيين وزيتونيين ونساء وشيوعيين وصحافيين حلموا بتونس حرّة مستقلة ومنيعة.

المصدر: “جمهورية”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق