تحاليلتونس

تونس: النخب العربية حين تجمعها عصا الديكتاتورية وتفرقها يد الثورة

%d8%a3%d9%87%d9%85-%d9%86%d8%aa%d8%a7%d8%a6%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%a9-1

د. مختار صادق (*):

 

مالذي دهى النخب في تونس و في كل أقطار الوطن العربي؟ فبعد عشرات السنين من التيه في صحراء التنظير و اقتباس الإديولوجيات من الشرق و الغرب ها قد أهدت الشعوب العربية هذه النخب التي تخلفت عن المشهد الثوري بصيص أمل لتخليص الأمة من ارتهانتها الحضارية. و عوض قنص هذه الفرصة التاريخية الفريدة و رد الجميل للشعوب المخلِّصة لم تجد هذه النخب غضاضة في الركوب على الثورة لتحقيق أجنداتها الحزبية و الإيديولوجية الضيقة غير عابئة بمطالب الشباب الثائر.

إن صورة النخب المتخاصمة فيما بينها اليوم في تونس هي على النقيض منها قبل الثورة عندما ارتقت تلك النخب إلى المستوى الحضاري الذي انتظرته منها البلاد آنذاك فالتقت مع بعضها البعض على محاربة الظلم و الفساد  و تعالت عما يفرقها و ما قد يعيقها عن آداء دورها الريادي في تحفيز الهمم و تحريض الجماهير للوقوف صفا واحدا في وجه جلاديها.  فعندما كان نظام المخلوع بن علي في أوج عمليته التجميلية أمام عدسات الغرب حينها جاءت الصور من معسكر النخبة تملأ الأنفس تفاؤلا و استبشارا بمستقبل تونس رغم كل الضيم المسلط على المجتمع بكل مكوناته.

ففي سنة ألفين و خمسة عند انعقاد “القمّة العالميّة لمجتمع المعلومات” بتونس  و عندما كان نظام المخلوع يحاول جاهدا رسم صورة مفبركة عن معجزة تونس الإقتصادية كانت عصا بن علي الامنية تلهب ظهر المجتمع المدني بكل مؤسساته و أحزابه (منع الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان ونقابة الصحافيين التونسيين من عقد مؤتمريْهما، الإطاحة بالقيادة الشرعيّة لجمعيّة القضاة التونسيين، الدخول في أزمة مفتوحة مع المحامين…الخ).  في تلك الأجواء تداعت رموز المعارضة بمختلف مشاربها الفكرية و السياسية للمطالبة بحريّة التعبير و التنظم و إطلاق سراح المساجين السياسيين قبل الدخول في إضراب جوع استمر لأكثر من شهر ليسرق بذلك أضواء قمة المعلومات. ثم تبع ذلك التحرك النوعي تشكيل هيئة سياسية أطلق عليها اسم هيئة ١٨ أكتوبر للحقوق والحريات عملت على بلورة رؤية موحدة بين الإسلاميين و العلمانيين حول العديد من القضايا الخلافيه كالعلاقة بين الدين و الدولة و مسألة حقوق الإنسان و المساواة بين الجنسين. عندها لم تفلح سياسة “فرق تسد” التي طالما برع نظام بن علي في حبك خيوطها للإستفراد بخصومه السياسيين الواحد تلوى الأخرفقد أيقنت النخب أن لا خلاص لها سوي في التوحد و نبذ الخلافات خاصة و أن مقولة “اُكلت يوم اُكل الثور الأبيض” لم تزل ماثلة للعيان عقب التفات نظام بن علي إلى قمع العلمانيين بعد الإنتهاء من ضرب الإسلاميين.

ثم جاءت الثورة لتجتث بن علي و من معه و تطرح تحديا مفصليا علي النخبة في تونس فإما مراعاة مصلحة البلاد العليا و مواصلة نهج الوفاق و إما جر البلاد إلى صراعات فكرية و سياسية هي في غنى عنها. و الظاهر أن النخبة اختارت الطريق الثاني حيث لم تعمر الهدنة بين الإسلاميين و العلمانيين طويلا إذ أصبح الإستقطاب الحاد بين الطرفين سمة المشهد السياسي في تونس على صفحات الواقع و صفحات الفايسبوك.  فما الذي دفع حلفاء السنين العجاف ليتنازعوا و تذهب ريحهم بعد أن أهدتهم الثورة ما لم يخطر ببالهم حتى في أجمل الأحلام؟

الإجابة عن هذا السؤال قد يمكن حصرها في ثلاث أسباب رئيسية أولها تاريخي مرتبط بإرثنا الحضاري المفعم بالإنفراد بالرأي و شيطنة الرأي المخالف منذ أيام الفتنة الكبرى إلى يومنا هذا.  و الأمثلة في هذا الباب أكثر من أن تحصى من مثل مذابح الأمويين في القرن الأول الهجري ثم تحويل الخلافة إلى ملك عضوض و تعدّي الخوارج الذين استباحوا حرمات المجتمع كله بحجة تخليصه من الجور السياسي وصولا الى دول الإستقلال “الحديثة” التي مازالت تطالعنا فظائعها على الفضائيات صباح مساء. ففي حين نجحت أمم اخرى في خلق آليات للتداول السلمي على السلطة و حفظ دماء و أعراض و أموال الأقليات و المعارضين للحكم مازلنا نحن بحاجة إلى ثورة فكرية و أخلاقية عارمة تؤصل في العقول و على الأرض لفن التعايش و احترام الآخر مهما كان مخالفا.  و قد يكون من المفيد التذكير هنا بكيفية تجاوز الشعب الأمريكي مخلفات الإنتخابات الرئاسية لسنة ألفين عندما فاز “آل غور” مرشح الديمقراطيين وقتها بأغلبية الأصوات في حين فاز “جورج بوش الإبن” مرشح الجمهوريين بأغلبية الدوائر الإنتخابية. و قد حسمت المحكمة العليا نتيجة الخلاف لصالح “بوش الإبن” الذي كان في صف المعارضة بفارق صوت واحد (خمسة حكام مقابل أربعة) لتنتقل السلطة بكل امتيازاتها الخيالية من يد الديمقراطيين إلى غرمائهم الجمهوريين بدون أن تسفك قطرة دم واحدة. و للمرء أن يتصور ما كان سيحدث لو أن سيناريو كهذا حصل في وطننا العربي حيث حكّامنا قد عضّوا على كراسيهم بنواجذ قُدت من حديد و نار.

و ثاني أسباب انفراط عقد النخبة في تونس يعود إلى التباغض الأيديولوجي بين العلمانيين و الإسلاميين الذي وصل إلى حد استعمال العنف في بداية الثمانينات (“مجزرة” منوبة) . و لقد تحالفت بعض فصائل اليسار مع بن علي و من قبله بورقيبة “لتجفيف ينابيع التدين” في تونس و تصفية الاسلاميين ماديا و سياسيا. و كان لافتا أن كان الناطق الرسمي باسم الحكومة لآخر رمق في حياة بن علي السياسية من الوجوه اليسارية البارزة في تونس. و في المقابل و لئن لم تكن تونس المثال الأنسب فإن الأمثلة عديدة عن تحالف المنتسبين للتيار الإسلامي من فقهاء البلاط  و غيرهم مع النظم الحاكمة في الوطن العربي إذ وفروا غطاء شرعيا للفساد و الإستبداد بتعلة درء الفتنة و إطاعة أولي الأمر. و توجس العلمانيون خيفة من الإمتداد الشعبي للإسلاميين و إمكانية دمج الدين بالسياسة لتجييش عواطف الناس الدينية و  تحويلها إلى رصيد انتخابي للوصول للحكم و الإنقلاب على المسار الديمقراطي بعد ذلك ثم فرض قوانين الشريعة على المجتمع باستعمال سلطة الدولة. و لم تفلح تطمينات الإسلاميين في هذا الغرض قبل أو بعد الثورة للتقليل من مخاوف العلمانيين على خلفية تجربة الإسلاميين في الجزائر في تسعينات القرن الماضي الحاضرة بقوة في المخيال السياسي التونسي. و كان من نتاج ذلك رغبة العلمانيين في تأجيل الإنتخابات و عدم الإحتكام لصناديق الإقتراع في المدى المنظور. و في المقابل فإن تجربة الإسلاميين القاسية مع أنظمة الحكم و النخب العلمانية المتحالفة معها في تونس و كل الوطن العربي بمشرقه و مغربه جعلتهم يتعاطون بشئ من الريبة مع سلوكيات العلمانيين بعد الثورة.  و قد ينطبق على الإلتقاء الظرفي بين إسلاميي تونس و علمانييها قبل الثورة المثل القائل “الصحبة صحبة و النية ما ثماش” أي أن الإلتقاء تنقصه النية الصادقة. أضف إلي ذلك العمل الدؤوب لأصحاب المصالح و السوابق من الحقبة الفائتة للوقيعة بين الطرفين و الإستفادة من انقسامات النخب للإفلات من العقاب و مواصلة الإنتفاع بمؤسسات الدولة و خيرات البلاد بغير وجه حق.

أما ثالث الأسباب فمرتبط بأجندات إقليمية و أجنبية لا مصلحة لها في نجاح التجربة الثورية في تونس مهد الربيع العربي. فبناء نموذج ديمقراطي حي و ناجح في ارض البوعزيزي له انعكاسات مباشرة على بلدان المغرب العربي قاطبة مما يجعل ثمن إفساد النموذج في مهده أبخس بكثير من ثمن الإيفاء باستحقاقات ديمقراطية حقيقية. و بالنسبة للغرب و فرنسا بالتحديد  صاحبة الارث الإستعماري في المنطقة فإن التعامل مع حكومات غير معنية بالسير على نبض شعوبها أيسر بكثير من التعامل مع حكومات منتخبة يهمها مراعاة مصالح قاعدتها الشعبية بالدرجة الأولى. و على هذه الخلفية فإن الإختلافات بين النخب التونسية  لها ما يغذيها و ينفخ في نارها. و كل الدلائل تشير لإعادة نفض الغبار من جديد عن  سياسة التخويف من بعبع الإسلاميين التي طالما رفعها بن علي لشل المعارضة و استدرار عطف الغرب المهووس “بالحرب على الإرهاب”.

إن المتأمل في مسار الثورة التونسية يلاحظ عودة متصاعدة لجيوب الردة سواء كان ذلك بالتواطؤ من بعض النخب أو بالسكوت السلبي لبعضها الآخر. و قد تتالت الحلول الترقيعية للحكومة المؤقتة حتى غدا فستان الثورة المرصع بدماء الشهداء كقميص ليلى الناعطية التي مازالت ترقعه و تلبسه حتى صار القميص الرقاع و ذهب القميص الأول كما أخبر الجاحظ.

و تونس مفجّرة الثورات العربية ليست إلا نموذجا لتخلف النخب العربية عن دورها الريادي في قيادة الجماهير و استكشاف سبل عودة الأمة إلى مجرى التاريخ. فالوضع في مصر قلب الأمة النابض و رغم خصوصيات الحالة المصرية لا يختلف كثيرا عن نظيره في تونس من حيث الإستقطاب غير المحمود بين الإسلاميين و العلمانيين. و أما في اليمن فقد فشلت النخب في حسم المعركة لصالح الجماهير الثائرة رغم كل الفرص التي اتيحت لها إلى أن عاد صالح من رحلة علاجه الأخيرة يحدوه الأمل ليحتفل بالذكرى الرابعة بعد الثلاثين لاستيلائه على السلطة و كأن ثورة لم تحدث أو شبابا لم ينتفض. و كذا حالة الوفاق الهش التي تجمع المعارضة “القوس قزحية” في سوريا و ليبيا فهي لا تنبئ بمستقبل أحسن حالا.

و بعد التصحّر السّياسي القاحل الذي أرغم الجميع على أكل ثمرة الحزب الواحد و الزعيم الأوحد لمدّة تربو على النصف قرن و بعد خطيئة تخلفها عن صناعة الثورة فإنه من الإجرام علي هذه النخب أن لاترتقي لمستوى اللحظة التاريخية  و تترفع عن إختلافاتها الحزبية و الإيديولوجية لرد الجميل للجماهير الثائرة التي أحيت الأمل في النهوض من جديد بعد أن كاد يعصف اليأس بالنفوس.  و أمام هذه النخب المتخلفة عن دورها الحضاري ليس بوسع الشباب الثائر سوى مواصلة المسيرة لتحقيق أهداف ثورته كاملة غير منقوصة و ذلك بمواصلة فرز المخلصين للثورة من المتصيدين و المتصدين لها و الإنخراط المكثف في العمل السياسي و الجمعياتي و المطالبة بلعب دور أكبر في أخذ القرار و حكم البلاد.  فكل الوقائع تشير إلى أن الإطاحة بالديكتاتورية قد تكون مجرد مناوشات في انتظار معارك أشد شراسة بداية بمعركة التنمية الفعلية وصولا إلي أم المعارك للقضاء على الإستبداد بالرأي و نفي الآخر في طريق إعادة بناء صرح الأمة الحضاري الذي صدعته الخلافات العقائدية و الفئوية على مرّ القرون.

 

 

المصدر:” الحوار نت “

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)-باحث تونسي مقيم بالولايات المتحدة الأمريكية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق