تحاليلتونس

تونس: صناعة الماء ،مستقبل تونس..

11-pp-white-water-bottles-manufacturing-machine

 

مختار بوبكر: 

 

صناعة الماء نشاط عريق ببلادنا، ودليل على ذكاء وإبداع أهلنا الّذين استنبطوا على مرّ الأزمنة الأسلوب الأمثل لتلبية حاجاتهم من هذا المنتوج الضامن للحياة، وتحتفظ بلادنا بأحد أهم إنجازات البشرية في مجال صناعة الماء وتوفيره، لكن للأسف فإن قلة قليلة تعرف قصّة تشييد «الحنايا»

تلك التحفة المعمارية التي تؤثّث لحد اليوم جزءا من المشهد العام بالريف التونسي في ثلاث ولايات هي زغوان، بن عروس و منوبة.

«الحنايا» التي تمتد على طول 132 كلم تعدّ من بين أضخم قنوات نقل الماء في العالم ومعلما جديرا بالإعجاب ويعبّر عن قدرة الإنسان على تطويع الطبيعة دون الإضرار بها.

شيّدت «الحنايا» التي تنقل يوميا 25 ألف متر مكعّب من المياه من عيون زغوان إلى مدينة قرطاج بأمر من الأمبراطور الروماني هدريان [78-138 بعد الميلاد] وهو أمير مثقف وشغوف بالسفر وذلك سنة 125 بعد الميلاد أي منذ 2000 سنة بعد أن تعرّضت المدينة إلى جفاف طويل أدّى إلى نضوب عيونها.

وبعد أكثر من عشرة قرون من ذلك التاريخ أقدم الحفصيون على إعادة تأهيل «الحنايا» واستغلالها لتزويد مدينة تونس بالمياه، فيما انتشرت الفسقيات في انحاء عديدة من البلاد وخصوصا مدينة القيروان حيث شيّد الأمير أبو إبراهيم أحمد سنة 862 فسقية تغطّي مساحة تزيد عن الهكتار و تقدّر سعتها بـ53000 م³ دون أن ننسى المواجل المنتشرة في حواضر وأرياف صفاقس والجنوب عموما.

لأهلنا تراث عريق في صناعة الماء وهو تراث لم ينقطع، ففي مسقط رأسي ﺍﻟﭭطار (ﭭفصة) حفر الأهالي قبل 300 سنة عشرات الأميال من الأنفاق لجلب مياه العيون من جبل عرباطة لغراسة واحة من 500 هكتار عبارة عن تحفة طبيعية نادرة، هذا التراث الّذي لم ينقطع، يفسّر إلى حد بعيد نجاح بلادنا في تعبئة حوالي 90 بالمائة من مواردها المائية.

ورغم هذا الجهد المحمود المتواصل على قدم وساق منذ الأيام الأولى للإستقلال ورغم أنّ بلادنا الواقعة في منطقة ذات مناخ جاف وشبه صحراوي، فإنّ الفرد التونسي لا يتوفّر إلاّ على حوالي 480 م³ من المياه سنويا في حين يبلغ المعدّل العالمي حوالي6000 م³ وتبلغ عتبة الفقر المائي حسب المقاييس الأممية ما دون 1000 م³ سنويا، وهكذا فإنّ على التونسي أن يتدبّر حتى يخرج من دائرة الفقر 520 م³ إضافية.

هل يمكن أن نتخطّى عتبة الفقر المائي أو على الأقل أن نقلّص نسبة فقرنا ؟ هل هذا السؤال من قبيل الخيال أم أنّ إرادة الإنسان والتعلّق بالحياة أقوى من كل العراقيل ؟ ماذا لو قرّرنا أن نرفع هذا التحدّي و نرسم لأنفسنا هدف صناعة مليار م³ إضافي من المياه في السنوات العشر القادمة ؟ أي أنّ يرتفع نصيب الفرد من 480 م³ حاليا إلى 580 م³ في نهاية هذه العشرية، النسبة لا تفوق 20 %، إنّه هدف أكثر من متواضع، فالكميّة التي سيتمّ اِكتسابها لا تكفي لريّ أكثر من 100 م² من الأرض التي تنتج طماطم، ذلك أنّ الهكتار من الطماطم يحتاج إلى 7000 م³ من المياه.

توفير هذا المليار من الأمطار المكعّبة من المياه ليس أمرا مستحيلا، فدولة الإستقلال، الدولة الوطنية، الدولة التي بنت تونس الحديثة، لا دولة الخراب والإفلاس و»الحوّافة» كما نعتها كل من المرزوقي والغنّوشي قفزت بكميّة المياه المتاحة والمستغلة إلى حدود 95 % وتمكّنت من المرور من تعبئة 2760 مليون م³ سنة 1968 إلى ما يقارب الضعف، أي 4865 م م³، الفارق بيّن و يفوق ملياري م³ … أَوْرَدْتُ هذه الإحصائية حتّى أبيّن أنّ رسم هدف إضافة مليار م³ ليس خياليا وليس مستحيل التحقيق، فالإنسان وبالعلم نجح في تحويل المياه إلى ثلج ونجح في تحويل المياه المالحة و نجح كذلك في صناعة مياه بدون أملاح دفعة واحدة، ونجح خصوصا في تدوير المياه وإعادة إستعمالها في أكثر من مرّة.

صناعة الماء ليست بدعة وهي نشاط سيكون في قلب إهتمامات شعوب عديدة في المدى المنظور وخصوصا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وعديد المناطق الأخرى، وهي صناعة عرفتها بلادنا منذ القدم مثلما ذكرنا آنفا وفرضتها علينا الندرة وما نقل المياه من عيون زغوان إلى قرطاج منذ ألفي سنة إلاّ دليل على إبداعنا في هذا المجال.

لسائل أن يسأل قبل أن نخوض في إمكانية إنتاج المليار م³ من المياه على مدى العشر سنوات القادمة وبما يجعل الفرد التونسي يحقّق قفزة نوعيّة تخرجه من حالة الندرة و تدمجه في دائرة الفقر، أي أن يمرّ من 480 م³ وهي دون عتبة الندرة إلى 580 م³ وهي ضمن عتبة الفقر المائي.

هل نحن فعلا في حاجة إلى المليار م³ ؟ ماذا سنفعل به لو توفّر لدينا وما هي كلفته المالية والبيئية والطاقية ؟

ما ذكرناه سابقا يبيّن بما لا يدع مجالا للشكّ أننا في حاجة أكثر من ماسة إلى كلّ قطرة تثري رصيدنا المائي الهزيل، وما أتينا عليه من إحصائيات يبرز أننا و بالرغم من المقاربة الذكية والتخطيط المحكم الّذي أرسته ثلة من علماء تونس نساء ورجالا سهروا على مدى 60 عاما على أمن تونس المائي وحققوا نجاحات باهرة وكانوا آية في البذل والعطاء والإنقطاع للشأن العام أذكر في هذا الصدد أحدهم اِختطفته يد المنون في عنفوان سنوات العطاء الصديق العزيز المهندس اللامع خليفة حرزالله الّذي سهر طيلة سنوات وأشرف على بناء سد سيدي سالم، السد العملاق مفخرة السدود التونسية الّذي يتّسع لثلثي مليار م³ (أَزْيَدُ من 700 مليون م³).

أمثال خليفة يعدّون بالمئات، و أجيال المهندسين التونسيين الّذين أشرفوا على تنفيذ السياسة المائية لبلادنا يستحقون كل التقدير والشكر والعرفان بالرغم من قسوة الطبيعة وتكرّر حقبات الجفاف، لقد صنعوا المعجزات ووفّروا لبلادنا و بإمكانيات محدودة، وفي صمت كامل حاجيّاتها من المياه العذبة ونحتوا ما يمكن أن نطلق عليه النموذج التونسي.

نعم نحن في حاجة إلى مليار م³ من المياه على مدى السنوات العشر القادمة لو رمنا النهوض الحقيقي لبلادنا، فلا تقدّم ولا إزدهار ولا خلق لفرص تشغيل وافرة بعيدا عن الفلاحة التي بات النشاط فيها مجزيا ويكفي أن نذكّر بالمداخيل الّتي درّها زيت الزيتون في السنة الماضية على الإقتصاد الوطني، ويكفي أن نقف أيضا على المداخيل المتأتية من التمور والصادرات المختلفة من المنتوجات الفلاحية البيولوجية وغيرها.

بلادنا المقدمة نتيجة تغيير المناخ على إرتفاع لدرجات الحرارة بمعدل درجتين في أفق سنة 2050 و انحسار معدلات نزول الأمطار السنوية ما بين 10 % في الشمال الغربي و35 % في الجنوب، نحن في حاجة أكثر من ملحّة إلى مجهود إستثنائي لتوفير ما يكفي من المياه لضمان قوت الشعب، نحن فعلا في حاجة إلى هذه الكمية من المياه حتى نتلافى الندرة و نجنّب فلاحتنا التبعية المطلقة أة حتى النسبية للعوامل المناخية وحتى نتوسّع في المناطق المرويّة وخصوصا لضمان حد أدنى من الحبوب في اِنتظار تغيير العادات الغذائية لشعبنا.

كيف ننتج المليار ؟
إذا ما اِستثنينا عملية إرساء منظومة لمنع التبذير والّذي يكلّف غاليا، هناك أربعة مصادر تقليدية وغير تقليدية تمكننا من تحقيق هذا الهدف.

الإجراء الأوّل:
وهو تقليدي يتمثّل في مضاعفة طاقة السدود للتحكم في مياه الفيضانات وخصوصا في شمال البلاد، هذا إلى جانب بناء سدود جديدة وهي ملاّق المنبع- سرّات وعلى روافد وادي مجردة بغار الدماء و تاسه ، الزرقاء، باجة، شافرو، هذه السدود متى أنجزت على امتداد العشرية القادمة إلى جانب جهر السدود المنجزة خلال العشريات الماضية يمكن أن تكفل لنا تحقيق إنتاج إضافي يقدر بـــ470 م م³.

الإجراء الثاني:
يتمثل في إعادة تغذية المائدة المائية عبر العديد من التقنيات وهو ما يمكن أن يوفر لنا بدوره ما بين 30 و 70 م م³.

الإجراء الثالث:
هناك أيضا إجراءات غير تقليدية يمكن أن توفر لنا في غضون العشرية القادمة نصف مليار م³ من المياه و نخص بالذكر ما يمكن أن نحصل عليه من عملية معالجة المياه المستعملة التي توفّر لنا حوالي 30 مليون م³ سنويا أي 300 مليون م³ في آخر العشرية وهي ثروة نلقي بها في شواطئنا لنلوّثها بعد أن كلفتنا فاتورة طاقية باهظة وفي المحصّلة فإن نظام الصرف الصحي في بلادنا ومعالجة هذه الكمية الهامة من المياه، تكلفنا خسارة على ثلاثة مستويات: البيئة التي نلوّثها، والطاقة التي نهدرها، وفرص العمل التي نخسرها نتيجة عدم استغلال هذه المياه في الزراعات الصناعية، خصوصا في السباخ والأراضي المنخفضة والقليلة الخصوبة التي يمكن أن تستغلّ لزراعة القطن والكولزا والكتّان والمنتوجات العلفية مثل القطانية.
إنّ كسب الــ300 م م³ التي تلقى حاليا في البحر مجال كبير للإستثمار وللكسب وفرصة نادرة تتاح لإقتصادنا الوطني لتحقيق نجاحات غير منتظرة.

الإجراء الرابع:
وهو أيضا غير تقليديّ يتعلق بتحلية المياه المالحة سواء كانت مستخرجة من الأرض أو متأتية من البحر، هذا القطاع يعرف منذ سنوات طفرة كبرى في عديد الأقطار وخصوصا في الجزائر وإسبانيا و أقطار الخليج العربي والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، لن نتطرّق للجانب التقني فله أهله المختصّون، فقط نريد أن نشير إلى أنّ 17 ألف محطة تشتغل اليوم في العالم و توفّر يوميا 80 م م³ من المياه العذبة تكفي لـ300 مليون نسمة، غير بعيد عنّا، فالجزائر تعدّ من ضمن كبار منتجي المياه المحلاة بطاقة يومية تبلغ 2,7 م م³ ، هذه الطاقة الانتاجية تطلبت استثمارات بقيمة مليار ونصف المليار من الدولارات وهو يعد مبلغا زهيدا قياسا بهذه الثروة المائية والتي تمثل أكثر من 5 بالمائة من مجموع الموارد المائية للجزائر.
نعود إلى تونس لنشير إلى أنّ المشاريع المبرمجة للعشرية الحالية والقادمة كفيلة بتحقيق إنتاج يصل إلى 350 ألف م³ يوميا وباِستثمار يناهز 750 مليون دينار، ومعلوم أنّ العائق الأكبر أمام بلادنا هو توفير الطاقة اللازمة للتحلية بأسعار منخفضة خصوصا أنّ حوالي 45 في المائة من سعر كلفة تحلية الـ(م³) تخصص للطاقة.

ومن هنا يرى بعض المختصّين أنّ تونس يمكن أن تصبح قطبا عالميا في مجال تحلية المياه متى أرست صناعة لمكوّنات توفير الطاقة الشمسية بأسعار تنافسية ومتى طوّرت شراكة مع عدد من الأقطار المهتمة بهذا النشاط الواعد، هؤلاء المختصون يعتبرون أنّ تونس مؤهلة اليوم على أكثر من مستوى لاحتلال موقع ريادي في هذه الصناعة وهو ما سيترتّب عنه خوض غمار تجربة التحلية من الباب الواسع وبسعر كلفة تنافسي ولعله من المفيد أن نذكر في هذا الصدد بأنّ بلادنا تملك خبرة ثلاثة عقود في مجال الطاقات المتجدّدة وقادرة على تعبئة استثمارات ضخمة متى اتّجهت النية إلى جعل هذا القطاع ضمن الأولويات ومتى توفّرت إرادة رفع التحدّي المائي عبر الطاقة الشمسية.

إنّ الإستثمار في الطاقة الشمسية بات اليوم ضرورة ملحّة لبلادنا لا لتجاوز العجز الطاقي فحسب إنّما أيضا لتحقيق أمننا المائي والّذي يأتي في مرتبة متقدّمة ومتقدّمة جدّا على الأمن الغذائي، ففي الصائفة الماضية دُقّ ناقوس الخطر وعايشنا لأوّل مرّة في تونس «مظاهرات العطش» الّتي طافت مدن وقرى وأرياف الجمهورية وهكذا فإنّ صناعة الماء تفرض نفسها علينا ولابد من الإستعداد لها، فهي فرصتنا لإستكشاف مجالات جديدة وهي سبيلنا للتنمية الحقيقية.

صناعة الماء تتفرّع عنها أنشطة عديدة ويكفي أن نشير إلى أنّنا نحتفظ بالرقم القياسي لعدد الآبار قياسا لعدد السكّان (حوالي 140.000 بئر من مختلف الأنواع ) ورغم ذلك لا ننتج مضخّة واحدة و نستورد جلّ حاجيّاتنا من جيراننا «الطليان» مثلما هو الشأن لمعاصر الزيتون وتجهيزات صناعة الرخام.
نعم لخطة المليار م³، ونعم لوزارة للماء تنتج وتوزّع وتحلّي وتطهّر وتروي وتبني السدود وتحقّق الأمن المائي لتونس.

 

 

 

المصدر: المغرب،العدد1572 ، 14 أكتوبر 2016، ص6. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق