تونسدراسات

تونس: يوسف الشاهد والمواطن أو الرهانات الكبرى للحكومة الحالية

 

youssef_chahed-new

علي عبد اللطيف اللافي:

 

خلال الأسبوع القادم تكون حكومة الشاهد قد بلغت الخمسين يوما والتي حددها رئيس الحكومة الحالي للتقييم الأولي، وهي الحكومة التي منحها البرلمان التونسي ثقته في الأيام الأخيرة من شهر أوت الماضي، و هي الحكومة التي باشرت مهامها انطلاقا من تقييم مُختلف حوله في الأوساط السياسية بين الفرقاء حول فشل حكومة الحبيب الصيد من عدمه، حيث انطلقت – افتراضا- في تنفيذ أهداف ضبطتها وثيقة ما سمي باتفاق قرطاج بين تسعة أحزاب وثلاث منظمات وطنية،  و المعلوم لدى كل المتابعين أن الشاهد يسعى عمليا للاستجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة لبلد وسط تطورات إقليمية متقلبة ووسط وضع دولي مفتوح على خيارات عدة، ولكن الأكيد أن المحللين والمتابعين متفقون أن حكومة الشاهد و رغم الجدية الظاهرة والارتباك المخفي وسط تعتيم إعلامي مُحير على خطواتها الأولى، أنها أمام حتمية واحدة تفترض النجاح و ولاش شيء غيره  لتي لابدّ لها أن تصيب الأهداف نتاج عدم الاستقرار السياسي وتأزم الوضع الاقتصادي ونتاج   الأوضاع الاجتماعية الهشة.

فما هي الرهانات الخمس و التي لو التزم بها الشاهد يجد المواطن التونسي رقما أساسيا في الدفع بتونس نحو النمو و الإنقاذ وتحقيق أهداف الثورة واستكمال مهامها؟

+ رئيس الحكومة و محاولة اكتساب الحنكة السياسية:

حاول يوسف الشاهد عشية إعلان تركيبة الحكومة أي يوم 20 أوت الماضي، الذهاب في تمش يقطع مع الخضوع لبراثن توجيهات الأحزاب وقياداتها وحتى بعض شقوق حزبه والتي يعرف أنها متعددة بل ومتناحرة، غير أنه سرعان ما سقط في ثلاث مطبات رئيسية:

–  الأول أنه بقي في جلباب الرئيس الباجي قايد السبسي ومحيطه الاستشاري بحيث أنه يعود إليهم في كل القضايا الكبرى وحتى في بعض تفاصيل…

الثاني أنه بات بعد أيام فقط من مباشرته لمهامه، في مهمة صعبة لحسم الخلافات بين الخطوط المتصارعة في حزب النداء بل وتم وضعه في موقف محرج عبر مقترح ترأسه للهيئة السياسية بغض النظر عن الأهداف من المقترح المقديم يوم 18 سبتمبر الماضي، ومن الجهة التي تقف وراءه كمقترح، وعلاقة ذلك بترتيبات مستقبلية للمحطة الانتخابية القادمة في 2019 بنسختيها التشريعية والرئاسية….

الثالث، أنه  بقي رهينة مواقف مختلف الأحزاب المكونة للحكومة بدون أن يجد صيغة للتنسيق والتشاور معها رغم عدم استشارتها في تعيينات الولاة والتعيينات المجراة بنسق سريع وفردي وإغراق الإدارة بالتجمعيين، إضافة إلى أنه التقى بالأمين العام لحركة مشروع تونس في أكثر من مناسبة كما أنه يضع الاتحاد الوطني الحر نصب عينيه رغم أن الحزبين مساندين فقط وليس عضوين في التحالف الحكومي أو التحالف الخماسي ( النداء – النهضة – آفاق تونس – المسار – الجمهوري)

+  البحث عن الاستقرار السياسي :

بإجرائه لحركة الولاة بتلك الطريقة وما يجري في الكواليس حول حركة جزئية أخرى في نفس السلك أو حول حركة المعتمدين والمعتمدين الأولين والكتاب العامين للولايات، يبدو يوسف أن الشاهد لم يستفد من الدروس المستخلصة من تجارب سابقيه ممن تقلدوا هذا المنصب وكانوا اقرب ما يكون من الإداريين، ذلك أنه أوجد عمليا عدد من الغاضبين والمتحفظين على التعيينات التي جرت وفقا لمنطق الرغبة والعمل على إعادة المنظومة القديمة متناسيا أن هناك ثورة قامت منذ ست سنوات على حزب “التجمع المنحل”، وعلى سياسيات الرئيس المخلوع أي المحاباة وتقريب الموالين….

وهنا لابد للشاهد أن ينتبه جيدا أن أول التحديات السياسية التي ستواجهه خلال الأيام والأسابيع القادمة تقتضي التقيد بميثاق تعامل سياسي يضمن على الأقل الاستقرار السياسي المنشود باعتباره أحد مؤشرات جلب الاستثمار لإخراج تونس من عنق الزجاجة.

وإذا ما توفر الدعم السياسي بالدرجة المطلوبة، سيكون الطريق أمام حكومته سهلا وميسرا، ذلك أن صياغة أولويات عمل حكومته والتي رسمت خطوط عملها العريضة كما هو معلوم للجميع قبل تشكلها، لأنه لابد وأن تشعر الطبقة السياسية ومن ورائها كل الشعب، أنه رجل ديمقراطي وليس مُرسخ لمنطق رسكلة المنظومة القديمة أو منتج لها من جديد، ذلك أن كسب معارك كبرى على غرار:

–  الحرب على الإرهاب ( والتي لم تنته على الأقل اعتمادا على تصريحات وزيره للداخلية)

– البدء الفعلي في معركة الحرب على الفساد بعد أن تم إعلانها في أكثر من مناسبة

– الرفع من نسبة النمو وخلق مواطن شغل ومراجعة التوازنات المالية وتحسين الوضع البيئي وخلق محيط نظيف…

كل ذلك يتطلب عمليا الاستقرار السياسي المدعوم من مختلف الفرقاء سوى داخل التحالف الحاكم وبين الأوساط المعارضة أيضا، إضافة إلى الابتعاد عن منطقي:

–  المس من النظام السياسي الذي سطره دستور2014

– عدم إجراء التعيينات وفقا للولاء الحزبي والسياسي

  + النمو  و التشغيل:

إن تحقيق الشروط السياسية أعلاه وتناسي منطق  ترويض الأحزاب واحتوائها أو ووضعها أمام الأمر الواقع، أو جرها لمتابعة الوقائع السياسية اليومية، كل ذلك لا يمكنه من واجب مُصارحة الشعب بجملة الإصلاحات والآليات الكفيلة بتنفيذ الأولويات الخمس المعلن عنها والتي سيتقاسمها فريقه الوزاري في سياق غير السياقات الماضية بما يفترض تمتين التضامن الوزاري والانضباط له لان ذلك لن يحصل في صورة حصره الأحزاب الأخرى ضمن الائتلاف كأرقام سياسية ولكنها خارجة من المكاسب ومن المشورة والتواصل اليومي معها مركزيا وجهويا ومحليا لأنها عندئذ لن تسند الحكومة في المستويات الثلاث وستكتفي عندئذ بالمساندة اللفظية وسيكون عقلها السياسي والاستراتيجي مركزا على المحطة الانتخابية القادمة.

إن الهدف الأساسي والرهان الصحيح الذي يجب أن يضعه رئيس الحكومة يوميا أمام عينيه هو تجاوز هفوات الماضي وتحقيق إنجازات فعلية خاصة في الاستجابة لانتظارات الشعب التونسي، لأن أول التحديات هي الرفع من نسبة النمو وخلق مواطن شغل بما يُلقي المسؤولية على وزارات القطاعات الحيوية بالأساس في بيان العلاقة بينهما ومختلف الإجراءات المتبعة للانتقال التدريجي في ظل الوضع الاقتصادي المترهل حتى لا تكون الأولويات المقدمة مجرد وعود لا غير، وعلى وزير الحوكمة “عبيد البريكي” أن يكف على منطق المس من الإداريين والموظفين، كما على وزير التشغيل “عماد الحمامي” أن يكف على إطلاق تصريحات مجانية من مثل “أن على التونسيين أن ينسوا الوظيفة العمومية” ،وهو تصريح مجاني يعقد الأوضاع ولا يتقدم بها، كما أن عدد من الوزراء مطلوب أن يلازموا ملفاتهم عوض الاستعراض والتهريج الإعلامي، على غرار وزير التربية ناجي جلول أو الوزير “مهدي بن غربية”، وعلى بعض كتاب الدولة عدم الدخول في معارك مجانية أو غير معلنة مع وزرائهم المباشرين…

+ متابعة الموازنات المالية و التطورات المتسارعة:

يعلم الشاهد بل جميع النخب السياسية، أن بداية سنة 2017 هي موعد دخول تونس في مرحلة تسديد ديونها بل أن تونس تعيش وضعا اقتصاديا كارثيا وان ضُخم الموضوع ويُضخم لأهداف معلومة رغم المخاوف مقبولة ومعلومة التفاصيل،   والمعلوم أنه أي الشاهد قطع عهدا أمام الجميع بمراجعة التوازنات المالية بعد سيل من الديون الخارجية متراكمة منذ سنوات ما قبل الثورة وتراكمت بعدها أيضا.

ولكنه حتى يتفرغ لذلك وهو أمر مطلوب وليس بالهين، فانه لا يجب أن لا يقبل من الأساس، العودة إلى تكريس منطق الدولة – الحزب، والحزب – الدولة فرئيس الحكومة لا وقت له حتى يتفرغ لمشاكل حزب مثل النداء لا تتوفر فيه أصلا مقومات الحزب السياسي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فان رئيس الحكومة يجب أن يقف على ملفاته وقد يجد نفسه أمام إشكالات كُبرى من مثل توفير الأجور خاصة أمام صعوبة المرحلة ودقتها بحيث أنه مطلوب منه الاستماع إلى مستشاريه الاقتصاديين والسياسيين وإجراء اتصالات يومية مع الأطراف الاجتماعية حتى لا نسقط في سيناريو القطيعة…

كما لابد له أن يتابع بشكل يومي، ووضع الجهات ومشاكلها نصب عينيه إضافة إلى متابعة يومية للموازنات المالية والتطورات الإقليمية وترتباتها على تونس سياسيا واقتصاديا…

+ الملفات الاجتماعية وإشكالاتها المتعددة   :

المتأمل في الاحتقان الاجتماعي يلاحظ أن مجمل الإضرابات القطاعية وقع تصديرها إلى الأشهر القادمة بل أن ملفات كبرى لا تزال عالقة رغم أن البعض وجدت طريقا إلى التأجيل أو الحل على غرار ملف تطاوين  و ملف بتروفاك وملف فسفاط قفصة وغيرهم كثير،  ولا يجب أن يعتمد الشاهد على منطق أن تعيين المحسوبين على اتحاد الشغل في الحكومة(عبيد البريكي ومحمد الطرابلسي) كافيا للحد من الاحتجاج والاحتقان ما لم تتوفر عقلية الاستماع لنبض الشارع وإيجاد قوة الاقتراح و توفر الإرادة في التفكير الجدي بشأن سبل معالجة هذه الملفات بروية وبصدق بناء على أننا نبني دولة للشعب لا أننا نصنع شعبا للدولة وهي العقلية التي سادت طوال ست عقود….. .

+ التسريع بالانتخابات البلدية هو الحل الأمثل :

يؤكد جميع الخبراء والمتابعين أن من بين الإجراءات المستعجلة في الملف الاقتصادي اعتماد مخطط التنمية وحتمية تنظيم الانتخابات البلدية في اقرب الأجال والكف عن منطق خدمة إستراتيجية تغيير المشهد السياسي لصالح نداء تونس أو الحزب البديل أو الجبهة السياسية التي سترثه، لان كل التونسيين يعولون علي الانتخابات المحلية لتحقيق انجازات فعلية في الجهات والتي ستنقل القرار من المركز إلى الاقاليم والجهات بما يمكّن من القيام باستثمارات داخلية تضمن على الأقل توفير مواطن شغل وتحسين مؤشر التنمية في الجهات الداخلية.
كما تُعلق آمالا كبيرة على إرساء بلديات قارة في متابعة مشاريع البنية التحتية سواء للمواطن في الجهات أو للصالح العام بعد أن باتت البلديات مصدر ضرر للاقتصاد الوطني من خلال الصورة المقدمة لحجم التلوث في كامل أرجاء تونس شمالا وجنوبا وشرقا وغربا….

+ ثقة المواطنين رأس مال لا يقدر بثمن:

يعرف يوسف الشاهد أكثر من غيره أن الفساد قد تفشى بعد عودة اللوبيات منذ سنة 2014 نتاج عوامل عدة ونتاج بناء تراكمي امتد لعقود، بل أن الفساد ضرب كل المجالات التي لم تستثن مفاصل الدولة وهو ما يتوضح من خلال تصريحات رئيس هيئة مكافحة الفساد بغض النظر عن دقتها والهدف من إطلاقها منذ أشهر…

ولا شك أن مستشاري الشاهد قد نصحوه أن النجاح في هذا الملف مشروط بالصرامة وتطبيق القانون وتكثيف المراقبة واستكمال الأطر والمسالك التشريعية في ذلك، مع مصارحة كل الشعب بكل عمليات الردع ضد الفاسدين لما لهذا الإجراء من أهمية في كسب للتعاطف والالتفاف الشعبي وخلق الثقة في الدولة وفي الحكومة ايضا…

ورغم الخطوات المحتشمة التي تم قطعه خلال الخمسين يوما من عمر الحكومة  فان ما يجب أن يعلمه الشاهد ومساعديه أن النجاح مرتبط بالفعل لا بالقول وأن الخطوات التي تذر الرماد على العيون لن تجدي نفعا، وان الناس لن تقتنع إلا إذا رأت رؤوس الفساد وكلها لا بعضها، تقبع في الزنازين وترى أن المبلغين  لا يدفعون الثمن مثلما ما حدث في عدد من الحالات حيث كان مصيرهم مجلس التأديب أو الطرد أو القتل وهو ما حدث في أكثر من مرة خلال السنوات الماضية….

وعند حصول ذلك وإذا ما حصل فعلا وبالملموس فسيتحول الشعب كله لرصيد في كل الملفات وسيكون المواطن رقما مهما في كل الرهانات، أي رقما مهما في الدفع لتنقية المناخ السياسي وإشعاع تونس الخارجي وفي حلحلة الملفات الاقتصادية وفي هدوء الوضع الاجتماعي….

+ الخلاصة:

ليس هناك أي خلاف على طبيعة الرهانات ولكن الإشكال يكمن في التفاصيل والآليات والأولويات وفي التمشي،  و لكن على الشاهد إن أراد أن ينجح بسهولة أن يعي أنه رئيس حكومة تونس وفقا لدستور 2014 لا دستور 1959 كما يعتقد البعض، و وهو يعرف أنه رسميا هو المسؤول الأول في البلاد إضافة إلى أنه يقود تحالفا خماسيا و وهو ليس رئيس حكومة الحزب الواحد الذي كرهه التونسيون وثاروا عليه وعلى رئيسه، كما لابد أن يتذكر دوما أن التونسيين قاموا بثورة يرجون تحقيق أهدافها واستكمال مهامها وان هدف التونسيين هو الكرامة والافتخار بتونس وأنها فعلا لكل التونسيين لان شعارهم الأساسي هو إسعاد الناس كل الناس والأرض كل الأرض…

أما إذا اعتبر الشاهد أو دفع لان يعمل وفقا لمنطق انه مكلف ومرتبط بقصر قرطاج  قلبا وقالبا، وإذا ما تناسى آلام التونسيين فعليا و لم يصارحهم وغيب أصواتهم واعتبر المشهد السياسي ديكوريا، فان التونسيين قد يجدون أنفسهم أمام سيناريوهات و مطبات ديسمبر 1983 و1978 و 2008 و 2011 ….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق