تقاريرتونس

تونس :ذكرى تأسيس “النادي الإفريقي”، جمهور رياضي عنيف بذاكرة وطنية ! …

telechargement

 

لطفي الحيدوري:

 

 

احتفل جمهور أحبّاء النادي الإفريقي بذكرى تأسيس ناديهم العريق.

ففي يوم 4 أكتوبر 1920 منح الوزير الأكبر محمد الطيب الجلولي الترخيص القانوني لتأسيس جمعية “النادي الإفريقي”.

وكانت السلطات رفضت منح رخصة تأسيس النادي سنة1919بسبب تسميته آنذاك وهي النادي الإسلامي الإفريقي، كما اشترطت بندا لم تقبله هيئة الجمعية وهو الجنسية الفرنسية لرئيس النادي، وبعد محاولات متكررة وافقت السلطات الفرنسية على الجنسية التونسية لرئيس الجمعية وحرية اختيار شعار الفريق وألوانه.

في المقابل فرضت السلطات تسمية رئيس فرنسي قبل الموافقة على تأسيس الترجي وتمّ في نوفمبر1918 تسمية “مونتاسيي” على رأس الفريق.

ولا يخفى اليوم أنّ ظروف تأسيس النادي الإفريقي ومسار تسييره قبل الاستقلال تتحكم في سلوك جمهوره وشعاراتهم وردود أفعالهم، خاصة بين المجموعات الناشطة في مناصرة النادي.

ذاكرة مرجعية:

اكتشفت النخب الوطنية مبكرا في الرياضة عاملا من عوامل ترسيخ القيم الوطنية في مواجهة الاستعمار الفرنسي.

ساهمت أسماء كبيرة تنتمي عائلات سياسية وفكرية (شنيق، قبادو، ابن عاشور) في تأسيس الجمعيات الرياضية وإدارتها حتى مشايخ الزيتونة فقد أسس الشيخ محمد الصالح النيفر جمعية الزيتونة الرياضية. وينقل أنّ الفاضل كان يستقبل بالهتاف في الملعب.

وارتبط اسم عائلة ابن عاشور بالنادي الإفريقي منذ تأسيسه وشغل الفاضل ابن عاشور منصب الرئيس الشرفي للنادي سنتي 1946 و1947 كما تولى شقيقه عبد الملك منصب الكاتب العام للنادي.

وكان انعقاد الجلسة العامة للنادي الإفريقي في مقر الجمعية الخلدونية سنة 1946 دليلا مهمّا على الدور المنتظر من جمعية رياضية في تأطيرها للشباب التونسي.

هذا المسار التاريخي للجمعية تستحضره اليوم المجموعات الرياضية الناشطة التي تعتقد أنّها حاملة لرسالة ربط الحاضر بالماضي. ويلخص شريط فيديو على صفحة مجموعة “دودجرز 07” ذروة الانتشاء بما يعتبرونه ارتباط عشق الجمعية بحبّ الوطن والتضحية في سبيله، وهو ما قد يخلق حماسا يؤدّي في كثير من الأحيان إلى مشاهد العنف.

مسارات العنف:

منطلق هذا المقال تعليق لأحد أحبّاء النادي الإفريقي على صفحة وزارة الداخلية بموقع التواصل الاجتماعي “فايس بوك”.

لم يتردّد هذا الشابّ الذي لم يتخفّ وراء اسم مستعار فكتب: “في الستاد نحاربوكم.. وضدّ الإرهاب نحاربوا معاكم”. وبتصفح التدوينات الخاصة بهذا الشاب تبيّن أنّه ينتمي لمجموعة “دودجرز 07”.

يحتاج هذا التعليق، الذي يبدو عنيفا باعتماده معجما حربيا، إلى التعمّق في دراسة نفسية هذه الفئة من الجماهير وسلوكاتها. فما معنى إعلان الحرب على الأمنيّين وفي المقابل التطوّع للقتال في صفّهم ضدّ الإرهاب؟ ولماذا اقتصرت ساحة الحرب على الملاعب دون الشوارع والساحات وغيرها من الفضاءات العامة؟

لقد أبدى هذا الشاب شجاعة كبيرة حيث تحدّى المساءلة الأمنية على صفحة وزارة الداخلية ذاتها، ولكنّه أيضا أبدى وطنية عالية وتضامنا كبيرا مع من يعتبرهم “أعداءه” في فضاء الملاعب.

توجد، إذن، حدود للعنف ولا يوجد عداء للدولة، وهم لا يتطوّعون لممارسة “العنف” إلاّ إذا كان فعلا تحريريا، تحرير الوطن، ولا تتردّد المجموعات الرياضية باعتماد مصطلح “الجهاد” للتعبير عن ذلك. كما يتولّد العنف أيضا لتحرير الذات في الملاعب، عندما ترى الجماهير نزوعا لاغتصاب حقها في انتصار النادي أو مصادرة الانتشاء بمناصرة الفريق.

يلخّص هذا الموقف شريط فيديو على صفحة مجموعة “دودجرز 07” بموقع “فايس بوك” عنوانه: “النادي الإفريقي الهوية جمعية إسلامية .. جدودنا فلاقة النادي الإفريقي بين الماضي والحاضر”.

يبدأ الفيديو بمقطع يدوم 15 دقيقة من فيلم الفلاقة وعند المشهد الذي يسقط فيه أحد الشهداء وحمله من قبل رفاقه ينتقل إلى مشهد أحد الشبان المصابين على المدارج محمولا من زملائه. وعند الوصول إلى مشهد أعوان الأمن يلاحقون جزءا من الجمهور على المدارج تحت هتافات أنصار النادي في أرجاء الملعب يأتي مشهد جديد لمواطنين عزل يتظاهرون أمام مقر رسمي للسلطات الاستعمارية الفرنسية ويتعرضون لوابل من الرصاص ثم مواجهة مسلحة بين المقاومة وجنود المستعمر ثم عودة لدخلة نهائي الكأس للموسم الرياضي المنقضي بشعار الهوية جمعية (حذفت من لافتة “الدخلة” عبارة إسلامية).

وعلى نفس الصفحة نقرأ: “اتخذنا من الالتراس عقلية لتحرير أنفسنا وسنتخذ من الجهاد عقيدة لتحرير أمّتنا”

وفي تدوينة بتاريخ 22 مارس 2016 نقرأ على صفحة “دودجرز07” تعليقا على دخلة نظمتها جماهير النادي الإفريقي في بجاية بالجزائر تكريما للرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين: “نحن مع فلسطين “ظالمة” أو مظلومة.

مقولة مركزية تختصر صراعا وجوديا. تلزمنا كما تلزم كل إنسان حرّ في هذا الكون. دخلة للهواري في بجاية بالذات تختزل الصراع العرقي والتاريخي والوجودي مع أعداء الإنسانية جمعاء. لم تكن دخلة لجماهير الإفريقي العظيم فقط بل كانت ولأول مرة دخلة لجماهير الفريقين المنافسين.بل كانت تعبّر عن كل توّاق للتحرر وكل مناصر لفلسطين.

وتنتقل نفس التدوينة من التعبير عن إرادة التحرر الشامل إلى التعبير عن أزمة أو مأساة وطنية وذاتية بإثارة هواجس الاستقلال الوطني.

تقول التدوينة: “تزامن ذلك مع عيد الاستقلال (في تونس) والذي بقي حبرا على ورق، هذا إن وجد الورق أصلا.الاستقلال الحقيقي هو استقلال الشعب لا استقلال مجموعة صغيرة بفعل مالها ونفوذها.هل يستحق أشباه اللاعبين والمسؤولين ومن يقودهم كل أتعابنا؟”.

هذا الخطاب يستبعد ضرورة من تحليلنا ومن تعاملنا مع هذه المجموعات النشيطة أن تكون عناصرها داخل الملاعب وخارجها مجرّد فئة همجية وفوضوية غرضها العنف والتخريب، إنّها تتبنّى خطابا ثقافيا جديرا بالدراسة قبل استعجال “القمع”، وتحتجّ على ما تعتبره أسلوبا تشويهيا لها يحطّ من أهدافها السّامية: تحرر الوطن والذات.

ولذلك تستنكر مجموعة رياضية على صفحتها بالموقع الاجتماعي بالعبارات القويّة الآتية: “في بلد سقي ترابه منذ حين بدمائنا ليكون منارة للحرية،يحدث أن يجعلوك عبدا محكوما. فكرك وبدنك ملكا لهم .أين ما شاؤوا وحيث ما شاؤوا… يعتقلونك. لا لشيء، لمجرد الاشتباه. يتّم اعتقالك والتعدّي عليك لفظيّا وبدنيّا وأخذ عيّنة بول بالقوة بعد تعنيفك، دون أي دليل يثبت استهلاكك لمادة “الزطلة”.”

وورد بالصفحة الرسمية لـ”الوينارز”، فجر 30 أوت 2016 التدوينة الآتية: “نعيش في بلاد القمع فيها -عكس ما يمكن للبعض ظنه- لن يختفي.نحن متضامنون مع إخوتنا الدودجارز وعموم الأحباء الموقوفين أثناء وبعد الدربي، الذين يتعرضون للممارسات القمعية المعهودة،في مراكز الاحتفاظ، أين يطغى العنف والبطش المجاني.من يزرع الشوك يجني الجراح”.

الوحدة الوطنية رياضية:

تعبّر المجموعات الرياضية النشيطة، التي توجه نحوها عادة أصابع الاتهام بالضلوع في العنف ويعتقل عناصرها، عن خطاب عنيف ولكنّه حامل لرسائل تفاوضية، وهو ما تؤكده عبارة “نحاربكم.. ونحارب معكم”. فما هي حدود تفكيك هذه الرسائل وفهمها من قبل المباشرين “لمواجهة” المجموعات؟ الجواب على هذا السؤال تحمله نهاية كل موسم رياضي تحوّل إلى تتويج لمسار العنف الرياضي لا تتويجا للتنافس، وصارت به المنافسات مرآة للتفكك الاجتماعي والتوظيف.

 

المصدر: “مغرب نيوز “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق