تحاليلتونس

تونس : تجربتي المتواضعة في العمل المحلي

مقداد اسعاد: 

 

جدلية المحلي والعالمي قديمة. هي جدلية تجريبية empirique  بمعنى أنها محاولات عملية لاكتشاف الأنسب من المستويات التي تقبل أن يسقط عليها مشروع ما، وذلك ضمن تقسيم إقليمي يتوسع من الوحدات الإدارية الصغيرة إلى الدولة إلى القارة مثلا إلى الكرة الأرضية كلها. يمكن أن نعطي مثالا لهذه السلسلة المتداخلة من تجربتي الخاصة كالأتي: ولاية الكاف – الجمهورية التونسية – المغرب العربي – أفريقيا – الأرض.

وضع برنامج الأمم المتحدة للتنمية أهداف الألفية الثمانية، أمضت عليها 192 دولة عضوة و23 منظمة سنة 2000. التزموا بمحاربة الفقر والمرض والجوع والأمية والتمييز ضد المرأة. كما وضعوا مؤشرات لقياس تحقيقها. وضع البرنامج الأممي هذه الأهداف العامة، لكن تحقيقها لا يكون إلا انطلاقا من المستويات المحلية. النشطاء في هذه المستويات مدعوون إلى جعل أنشطتهم وتحركاتهم وبرامجهم تسير في وجهة الأهداف الكونية فتستفيد منها وتفيدها. وذلك حسب مقولة الباحث في علوم الفلاحة والنبات الفرنسي  “روني ديبوس” من القرن الماضي، أصبحت شهيرة وهي “العمل المحلي في إطار التوجه العالمي”. (Agir local, penser global) .

بعد 21 سنة من المنفى، غبت فيها على تونس، قررت العودة في صائفة 2010. كان حزبي، حركة النهضة يضغط على النظام البائد أن يقبل لنا بحق العودة اللامشروط، وقد شجعنا على ذلك خروج المساجين، أكثرهم أكمل مدة سجنه بالتمام والكمال ومنهم من زاد عليها فترة إضافية. هذا لكن النظام كان في نهايته. أو هكذا فهمته. كنت متأكدا من دنو أجله لكن لم أكن أعلم كيف. عارض عودتي بعض أصدقائي وأفراد عائلتي، لكن شيئا كان يجذبني بشدة إلى العودة. قلت يكفيني من النظام أن أغيظ أولئك المناشدين المتملقين من التجمعيين أن يروا معارضا يمشي رافع الرأس في أسواق وشوارع الكاف.

دخلت تونس، وكانت أحداث وحكايات قد يمكنني الوقت من كتابتها يوما. ضرب النظام علي حصارا ومتابعة. علمت بعد الثورة أن بعضا ممن سلموا علي باتوا في سين وجيم في الايقاف. منعني النظام من مغادرة تونس وتفنن في الضغط علي، كأن يأتينى الأمن في منتصف الليل وأنا في بيتي بقلعة سنان الحدودية، يخبرني أنه علي أن أكون في وزارة الداخلية صباحا. أفعل بدم بارد وأزيدهم حنقا. لم أضيع وقتي ورحت أفكر كيف السبيل إلى تحقيق أهداف الألفية في منطقتي الحدودية. سألني المحقق في مكتب الداخلية يوما وهو يتصفح ملفي المليء بالأوراق بعضها وشايات وبعضها حقيقي:

  • كيف وجدت القلعة بعد 21 سنة؟
  • قلت تعيسة بائسة.

أسود وجهه. كان ولا شك ينتظر منّي أن أقول “جميلة نامية زاهية بفضل السيد الرئيس وليلاه”. قلت رأيت فيها بشرا محطمين يائسين بائسين، نخر التبغ صدورهم وأسنانهم. طالت بيني وبين الداخلية عملية لي الذراع لأشهر، انتهت أن حولوا ملفي إلى رئاسة الجمهورية. قال مسئولون في الحركة أن النظام يعد لمحاكتي ولا بد أكتب احتجاجا استباقيا يعتمد بعد ذلك في المحاكمة إن وقعت. لم أكن وسائل ضغط كثيرة على النظام إلا الإعلام لكني رفضت التواصل مع الجزيرة في عدة مواعيد حددها لي الشيخ راشد معها. كما أني رفضت للنظام أي تنازل من أي نوع، لم تكن لي جنسية فرنسية اضغط بها.

لذلك لم يستجب النظام لفك الحصار عنّي حتى أعود الى التزاماتي المهنية والعائلية في الجزائر وفرنسا. قررت مواصلة التحدي بوسائلي، علم النظام أن زملاء فرنسيين لي في المجلس العلمي لجامعة ليون قرروا بعد استشارتي أن يعتصموا أمام القنصلية التونسية يطالبون بتحريري. جن جنون المسئولين وبعثوا ليلا في طلبي.. أبلغوني ذلك في يوم مشهود، طلب مني المحقق اختصاصات المساندين لي وهل هم من النشطاء الحقوقيين. أجبت أنهم أكاديميون ولا يهتمون بالسياسة وأعطتهم أسماءهم. تحت الضغط رفعوا الحصار عني.

كنت مرة في الساحة العامة في قلعة سنان، التف حولي الناس. سألني أحدهم: كيف وجدت القلعة بعد غياب طويل. قلت: خرجت بسيارتي عبر الطرقات المؤدية إلى مائدة يوغرطة وغيرها من الجهات فرأيت “الفلوس” على ضفتي الطريق تنتظر من يجمعها. قال أحدهم متعجبا: كيف؟ قلت فلوس؟  أجابه آخر من اليائسين: انه يمزح، ومن أين تأتي الفلوس لقلعة سنان؟؟ قلت رأيت الخير الكثير ما يتحول إلى الفلوس لكن إذا اقترن بالعمل، أشجار وأحجار ونباتات نوعية ومياه وغيرها. هذا لكن شباب القلعة وتونس عامة يحب الفلوس بدون عمل.

رحت أفكر كيف يمكن أن نجد الفلوس لهؤلاء الناس وكيف نجعلهم يحبون العمل؟؟ عدت إلى دراساتي النظرية عن الإقليم وعن الفحص الإقليمي     .Diagnostic territorialكيف أدرس للطلبة أن الثروة ليست فقط معطي بل تثمن وتكتسب وأنها مادية ومعنوية أيضا، ولا أستطيع أن أهتدي في خصوصية منطقة أعرفها ولدت وترعرعت فيها لمكامن قوتها. لا بد أن لها ثروات غير مستغلة، وأن أفضل وأقصر طريق للنهوض بها هو اعتمادها على نفسها وطاقاتها الخاصة وأبنائها. كيف السبيل إلى ذلك؟ أليس من أجل هذا تحديت ظلم الدكتاتورية ورجعت إلى بلدي أواسيه وأصلح منه ما استطعت؟

قضيت وقتا في فهم الأوضاع، خاصة بعد ما رفع عني النظام المنع من الخروج من تونس والعودة إليها. وانتهيت إلى تأكيد ما كنت أدرسه وأكتب عنه من مثل أن الحدود مع دولة بترولية كبيرة مثل الجزائر هي القوة الأولى للمنطقة. أخذت أضع خطة مشروع تنموي محلي متناغم مع التوجه الوطني وضمن أهداف الألفية المذكورة أعلاه. أثمر الجهد دراسة إقليمية جاءت مخرجاتها عن المنطقة، اعتبرت الحدود الفرصة الأكبر للمنطقة لتنميتها خلافا لتلك الصورة السلبية المخيفة عنها من بعد وخطر. تؤكد الدراسة أن الحدود ليست نهاية من ورائها العدم بل ساكنة أخرى تستهلك وتنتج بشكل مختلف مما يوفر احتياجات وكذلك منتوجات. الحدود تحدث حركية مفيدة للطرفين. أما ما يجعلها مخيفة وخطيرة فهو غياب الحوكمة والفهم والخطة المدروسة التي تشرك الساكنة المحلية اقتراحا ومراقبة وتنفيذا، تجعل الحدود كالنهر ينساب وعلى ضفتيه الخير، خلافا لما هي عليه اليوم من فوضى وتهريب ومخاطر وغياب المراقبة على المواد المهربة حتى الغذائية منها.

واقع الحدود غير ما يجب أن تكون عليه. في الليل تغيب عنها الدولة وتصبح خارج القانون، رشاوي وتجاوز لقوانين الطرقات والسير، واستغلال للأطفال وما ينتج من تهرب مدرسي وتفكك عائلي. هي أمراض نعيشها كالقدر المحتوم. هو وضع اللاتنمية تماما، أو التهديم الاجتماعي والاقتصادي وحتى السياسي والإداري. لا بد من فعل شيء واع مدروس. الرداءة ليست قدرنا، والعجز ليس من مميزات الإنسان. الإنسان عاقل يحسن وضعه ويتجاوز ضعفه. ذاك ما يميزه عن الحيوان الذي يبقى كما هو سنة بعد ذلك كما قال الفيلسوف روسو. أبناء الحدود يحب أن يغيروا وضعهم بأنفسهم، ولن يفكر لهم غير أبنائهم.

علمت نقاط قوة المنطقة، ومنها انطلقت. حددت علاقتي بوضوح منطلقا بالوالي الذي جمعني به احترام متبادل: ” أنا لا انحبك ولا نكرهك. يجمعنا هدف خدمة المنطقة كل من موقعه ومسئوليته”. جلت ولاية الكاف وعرفتها من نبر وسدها إلى القصور وبساتينها إلى الكاف وثراءه السياحي إلي الدهماني، إلى محطة المحاميد الرئة الواعدة لاقتصاد المنطقة، حتى توقفت عند الحدود بمدينتيها الرمزيتين ساقية سيدي يوسف وقلعة سنان بسفح مائدة يوغرطة الشهيرة. أسست جمعية يوغرطة للاندماج المغاربي وتفرغت لها. تركت المجلس العلمي في جامعة ليون وقد كنت منتخبا مع 47 أستاذ كلهم حاملين للجنسية الفرنسية إلا أنا فقد اكتفيت بالجنسية الجزائرية ثانية.

عملت على استغلال خصوصيات المنطقتين، جمعت التوقيعات من الساكنة للمطالبة بإحداث مناطق نشاط ملائمة لموقع الولاية. وضللت أتنقل بين الجهة والوزارات المختلفة حتى أقرت الحكومة الأولي بعد الثورة منطقة صناعية بالساقية ومنطقة مغاربية تجارية حرة في سفح مائدة يوغرطة. أخذت الإقرارين وتحركت بهما في كل اتجاه. حضرت على نار خافتة حتى وصلت إلى الرئيس الجزائري وثورتنا التونسية في أوج إشعاعها. كنا محترمين مبجلين. سعيت لذاك اللقاء سعيه ضمن رويا وشروع. قال الشيخ راشد الغنوشي وهو يقدمني للرئيس بوتفليقة “ما نيش عارف، هذا امتعنا وإلا متاعكم”. بعد لقاء مطول وغداء معه قدمت ملفا خاصا بالساقية ومائدة يوغرطة إلى أحد مستشاريه، صديق لي من عدة عقود. قال: أمكنك من أن تقدمه وتشرحه له بنفسك. استجمعت قواي وقدراتي لإقناعه، فمسكته من حيث لا يمكنه الرفض. كانت حجتي قوية.

قلت: سيد الرايس (بالجزائرية). الجزائر كبيرة. قال نعم، وهو لا يدري ما كنت أحبكه له. أضفت وأكبر منها ثورتها، تجاوزت حدودها الجغرافية. قال نعم، وقد بدأ ينشرح. قلت وراء الحدود سيد الرايس هناك أبناء وأحفاد الشهداء وليس فقط داخل البلاد. قال نعم. قلت: سيد الرايس في ساقية سيدي يوسف وتحت ثراها شهداء ينادونك: يا إخوتنا في الجهاد لقد تعاهدنا أن يتكفل الحي منا بأبناء من يموت من أجل الوطن. يا إخوتنا لا تخافوا علينا فنحن عند الله نتنعم. نوصيكم بأحفادنا كرامة وعزة وشغلا وتنمية.

أما على سفح مائدة يوغرطة سيدي الرايس، فيوجد اليوم أكبر تجمع سكاني جزائري في تونس، ليس لهم حق العمل في الوضيف العمومي وهم في حاجة إليكم. تأثر الرجل قال ما المطلوب؟ قلت هو في الملف، دراسة وتخطيط قامت به جمعيتنا. منطقة صناعية في الساقية ومنطقة تجارية في سفح مائدة يوغرطة أقرتهما الحكومة التونسية المؤقتة، وخصصت لهما الأرض ونحن في حاجة لربح الوقت لمبلغ بسيط من المال لتهيئة الأرض وتوصيل المرافق. قال كم؟ قلت: ثلاثين مليون دينار تونسي. قال ننظر فيها. هو مبلغ زهيد وفائدته كبيرة. قال لي صديقي مستشاره “روح مهني” كنت في قمة نشوتي وشعرت أن الأشغال بدأت فعلا.

توفر كل ما كان المشروعان يحتاجانه: خزان من  اليد عاملة لا ينضب من البطالين بشهائد وبدونها، موقع حدودي متميز، ثروات طبيعية، إرادة منا تكسر الجبال، أرض تنتظر أن تستقبل الجرافات لتسويتها ومال وعد به رئيس كريم لدولة كبيرة وجارة معطاءة، خدمة لأنبائها وأنا أحدهم. كنت قويا كمن يطالب بحق وليس من يستجدي.

هذا ولسائل أن يسأل ها قد توفرت كل الشروط للمشروعين فلماذا لم تبدأ الأشغال؟ ولماذا بقي شباب الحدود بطالا؟ الحقيقة لقد أوتي المشروع من حيث لم أكن أتوقع، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ما بقي لي منه اليوم غير تصميم مني ومن الذين عملوا معي أن يتحقق المشروعان بعز فاهم وبجهل جاهل، والله المستعان….

يتبع….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق