تحاليل

رمضان تحت عدسة علم النفس الاجتماعي

 

 

الأستاذ الدكتور محمود النوادي:

 

الزمان والمكان في ثقافة الإسلام:

يمثل صيام شهر رمضان معلما رئيسيا من تراث الثقافة الإسلامية؛ فهو ركن من أركان الإسلام الخمسة. ونظرا لأهمية عاملي الزمان والمكان في طبيعة خلق الكون وفي حياة الناس، فإن الإسلام ربط بعض شعائره بهذين العاملين. فمن جهة، صوم رمضان يسمح للمسلمين بالتجمع والتضامن العالمي الكبير عبر الزمان (شهر رمضان) مع بعضهم. ومن جهة ثانية، فريضة الحج تمثل سلوكا جماعيا عالميا في البقاع المقدسة (مكة المكرمة والمدينة المنورة) يقوم به المسلمون سنويا في شهر ذي الحجة من مشارق الأرض ومغاربها. وهو التجمع البشري الأكبر في مكان واحد يشهده العالم في القيام بالشعائر الدينية. نودّ في سطور هذا المقال أن نبرز حكمة الصوم من خلال منظور علم النفس الاجتماعي على وجه الخصوص.

الحكمة من الصيام:

من المناسب إلقاء الضوء على حكمة تراث فريضة الصوم ذات الملامح التضامنية من خلال منظور علم النفس الاجتماعي. فهذا الفرع من العلوم الاجتماعية يهتم

بدراسة النفسي والاجتماعي في حياة وسلوك الأفراد والجماعات بحيث يعتبر الكائنات الإنسانية كائنات نفسية اجتماعية في الصميم. وبالتوازي، فالرؤية الإسلامية للفرد والمجتمع رؤية تجعل العلاقة بينهما علاقة عضوية جدا، أي أنها علاقة ذات ترابط قوي بين الفردي والجماعي، فصلاة الفرد مع الجماعة على سبيل المثال تزيد عند الله في أجر المصلي، والمسلمون كأفراد مطالبون بالتضامن الجماعي المتين في السراء والضراء حتى يكونوا كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا. إن منافع صيام شهر رمضان كفريضة على المسلمين البالغين والقادرين على أداء ركن الصيام تجمع بين المنافع الفردية والجماعية، كما سيتجلى ذلك في سطور هذا المقال. إن صيام المسلمين لشهر رمضان الكريم يُبرز بقوة المنافع المتوازنة التي تجنيها المجتمعات الإسلامية وأفرادها من شهر الصيام. ويكفي هنا ذكر عشرة أمثلة لبيان ذلك. فلنبدأ بالفوائد التي يكسبها الفرد المسلم من صيامه كامل أيام هذا الشهر المبارك.

حكمة الصوم للفرد:

1- وكما هو معروف، صيام رمضان هو الإقلاع الكامل من الفجر إلى غروب الشمس عن الأكل والشرب والجنس، وهي ما يسميها علم النفس الحديث بالدوافع الأولية للسلوك Primary Drives؛ أي أنها دوافع قوية ومؤثرة جدا على توجيه سلوك الإنسان بحيث يصعب مقاومتها. ورغم ذلك فبالعقيدة يستطيع المسلم أن يتحدى في النهار إغراءات تلك الدوافع الرئيسية كامل شهر رمضان الذي يُعتبر بحق بالنسبة للمسلمين فرصة سنوية (عامل الزمان) يتعلمون فيها كيف يدربون أنفسهم على التحكم في كل تلك الحاجات الماسة لمدة أربعة أسابيع كاملة متتالية. فهذا التدرب السنوي لمدة شهر كامل يمثل تمرينا نفسيا للفرد؛ إذ هو يعلّم المسلم الصائم الصبر والتحكم والانضباط الأفضل. وهي كلها خصال حميدة تساعد على بناء إنسان قوي الشخصية والخلق.

2- يشير الطب الحديث بأدلة قاطعة إلى أن للصوم منافعَ صحية كثيرة على الإنسان العادي السليم. فالعديد من الأطباء يُوصون بعض مرضاهم بالصيام كوسيلة للعلاج والشفاء من بعض الأمراض. لكن الإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك في جعل الصيام فريضة من أجل تحسين شأن صحة المواطنين المسلمين، فيجعل منه شعيرة دينية واجبة سنويا لشهر كامل لكل المسلمين الكهول الذين لا يشكون من أمراض تعيقهم عن الصيام. والقرآن يؤكد بقوة أن الصيام يجلب الخير للصائم (وأن تصوموا خير لكم)، إذ الصوم يسمح للجسم بتنقية نفسه من بقايا الأكل والشرب أثناء راحة المعدة في النهار. والأطباء هم القادرون أكثر من غيرهم على توضيح الحكمة البيولوجية الفيزويولوجية من تراث الصوم لفائدة أجسام الناس وصحتهم من وراء دعوة الإسلام للمسلمين للصيام مدة أربعة أسابيع متتالية (عامل الزمان) دون انقطاع.

3- أما من الناحية النفسية الاجتماعية، فيمكن اعتبار صيام شهر رمضان طريقة لتغيير رتابة النمط اليومي للحياة الذي تعوّد عليه الناس لمدة أحد عشر شهرا. ومن ثم، فصوم رمضان يمثل تغييرا ثوريا في أسلوب حياة الفرد والمجتمع. فالأمسيات والليالي تصبح هي زمن التفاعل الاجتماعي المكثف والقيام بالشعائر الدينية والاحتفالات العائلية والمجتمعية، بينما يميل نمط حياة الصائمين في النهار إلى كثير من الهدوء والسكينة، خاصة في آخر أيام الصيام.

4- يعيش المسلم الصائم يوميا (عامل الزمان) كامل شهر رمضان شعورا بالفرحة والسعادة في الساعات القليلة الأخيرة والثلاثين دقيقة قبل الإفطار على الخصوص؛ إذ تشير الملاحظة إلى أن الصائم يزداد فرحة ونشوة كلما اقترب أكثر فأكثر من لحظة الإفطار. فالصائم تغمره الفرحة مع قرب غروب الشمس؛ لأنه يستعيد بعد ذلك حريته الكاملة في تلبية حاجاته الرئيسية من أكل وشرب وغيرهما، وهو يحسّ بالسعادة أيضا بسبب تجربة الصيام الروحية المتمثلة في تدربه على التحكم في ضبط النفس والتحكم فيها والاستجابة للنداء الإلهي الذي أبلغه القرآن إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين لكي يقوموا بأداء فريضة صوم شهر رمضان. ويُنتظر من علم النفس أن يجد منافع جمة لبناء شخصية الصائم كنتيجة لتجربة القيام بشعيرة صيام شهر رمضان، ومن ذلك شعور الصائم بالفرحة يوميا لمدة شهر.

5- لقد وصف علماء النفس والاجتماع في الغرب الأجيال الجديدة من المجتمعات الغربية المتقدمة بأنها أجيال ذات قيم تركز على تحقيق طلباتها الذاتية الآنية the me-now generations، وهي بالتالي أجيال ضعيفة في قدرتها على كسب خصال الصبر وتأخير تلبية الطلبات. ومن ثم، فثقافة  صوم شهر رمضان تمثل بحق نموذجا مثاليا ثوريا سنويا يُعلّم يوميا لمدة أربعة أسابيع متتالية الأجيالَ المسلمة الشابة والمتقدمة في السن ممارسة قيمة تأخير تلبية الحاجات الضرورية لحياة وبقاء بني الإنسان. ومما لا شك فيه من وجهة نظر نفسية أن التدرب بالصيام على معالجة شهوات النفس بالتحكم فيها وتأخير الاستجابة لها على أكثر من مستوى لمدة شهر كامل يساهم إيجابيا في تمتين قوة شخصية الفرد.

الحكمة الإجتماعية للصيام:

أما عن المنافع التي يجنيها المجتمع ومجموعاته الصغيرة والكبيرة من صيام شهر رمضان، فإننا نقتصر أيضا على ذكر خمس منها:

1- وكما وقعت الإشارة من قبل، فالصوم له منافع عديدة ومتنوعة على صحة الناس الصائمين، ولكنه يخلق أيضا بين أفراد وجماعات المجتمع الصائم حالة من الوعي والتضامن، خاصة مع الفقراء والمعوزين الذين طالما يكونون ضحايا للجوع المزمن، وذلك بسبب التجربة المباشرة مع الجوع والعطش التي يتعرض لها الصائمون أثناء النهار لمدة أربعة أسابيع (عامل الزمان) وفي الحرّ الصيفي الشديد  في العالم العربي كما هو الحال هذا العام وفي السنوات القادمة. وهكذا يتبين المثال البليغ للدور الاجتماعي القوي الذي يلعبه شهر رمضان في تعزيز عُرى التضامن مع الفقراء والمعوزين في المجتمع المسلم.

2- يزداد في رمضان تبادل الزيارات والدعوات للإفطار معا بين العائلات والأصدقاء؛ فيأكل ويشرب الضيوف ومضيفوهم نفس الطعام والشراب، كما أنهم طالما يقيمون الصلاة جماعيا (عامل المكان) ويسهرون معا حتى وقت متأخر من الليل، فشهر رمضان ينشّط التواصل الاجتماعي بين الأسر والأصدقاء على الخصوص، ومن ثم يساعد على تمتين الروابط الاجتماعية بين الصائمين.

3- وكما هو الشأن في كثير من المجتمعات المعاصرة، فإن العائلات المسلمة لا تفلح دائما في جمع شمل كل أفرادها لتناول الطعام على مائدة واحدة. وبقدوم شهر رمضان يصبح لقاء كل أعضاء الأسرة حول مائدة أكل وشراب واحدة حقيقة يومية (عامل المكان). فهذا اللقاء العائلي الكامل المتكرر يوميا طوال شهر الصيام (عاملا الزمان والمكان) لا بد أن يقوي وحدة الأسرة ويدعم روح التضامن والتقارب والانسجام بين أفرادها. أوليس لذلك تأثير كبير في إعادة رتق العلاقات العائلية التي أصابها الكثير من الفتق؟

4- في البلدان الإسلامية داخل الوطن العربي وخارجه، يساعد شهر رمضان على رفع مستوى تعزيز التضامن الاجتماعي بين الصائمين، إذ لشهر الصيام قيمه وأعرافه وأخلاقياته التي يشترك معظم الصائمين فيها ويلتزمون بها. فبحوث علم الاجتماع تؤكد أنه كلما ازداد اشتراك الناس في مجموعة من القيم والتقاليد الثقافية، أصبح تقاربهم وتضامنهم الاجتماعي أكثر قوة وصلابة. ونضرب مثالا على ذلك بمشاهد القرى والمدن الصغيرة والكبيرة والعواصم في البلاد الإسلامية قبل الإفطار تجسم بوضوح أحد معالم التضامن الاجتماعي القوي في هذا الشهر. فقبل موعد الإفطار بقليل لا يكاد المرء يشاهد أي حركة للناس خارج منازلهم وخارج المطاعم والمقاهي (عاملا الزمان والمكان). ومع حلول وقت الإفطار تصبح الأماكن المكتظة وقليلة السكان على حد سواء شبه خالية بالكامل من الناس، وهو مشهد توّحد جماعي عارم في صلب المجتمع المسلم الصائم رغم ما يمكن أن يوجد من اختلافات بين طبقاته وفئاته الاجتماعية المتعددة.

5- تشير الإحصائيات السكانية في العالم إلى أن عدد المسلمين اليوم يتجاوز بكثير ألف مليون، وأن أغلبية من بلغ منهم سن الثامنة عشرة أو أكثر يصومون جماعيا شهر رمضان في قارات وبلدان مختلفة (عاملا الزمان والمكان). فهذه الكتلة الضخمة من الشعوب المسلمة ذات اللغات والأصول العرقية والألوان المتنوعة تتوحد في شهر رمضان (عامل الزمان) بالرغم من تلك الفروق وبالرغم من اختلافات الزمان والمكان وفصول السنة في الكرة الأرضية. تحدث عملية التقارب والتضامن والتوحد الكبرى هذه بين تلك الشعوب القريبة والبعيدة عن بعضها لمدة أربعة أسابيع في كل سنة، وهو ما يجعل فريضة صوم شهر رمضان هندسة اجتماعية ثورية في لمّ شمل المسلمين وتعزيز التقارب والتضامن بينهم بحيث لا نكاد نجد لها مثيلا في الثقافات والحضارات الأخرى في الماضي القريب والبعيد وفي الحاضر الذي تعيشه شعوب المعمورة في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب على هذه الكرة الأرضية المترامية الأطراف..

 

المصدر: الفجر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق