تحاليلتونس

تونس: نهاية عهد… لعلها أسوأ من نهاية عهد بورقيبة

Afficher l'image d'origine

المفكر التونسى البروفيسور ابو يعرب المرزوقى:

 

   لا أظن أنه يوجد من يجهل خلافي العميق والمبدئي مع الجبهة الشعبية على الأقل في تونس وذلك بسبب موقفها من حضارة شعبها وموقفها من الثورة السورية والمصرية وتعصب الكثير من زعمائها.
لكني مع ذلك وبكل نزاهة بنبغي أن اعترف بأن موقفهم الأخير من الأزمة الحالية أعتقد أنه عين الصواب والدليل أني دعوت إلى نفس الموقف والبرنامج.
فلا يمكن للثورة أن تبقى ثورة ببرنامج الحكم الحالي الذي هو برنامج مناف تماما لأهدافها في الحرية والكرامة ورفع الظلم والحيف على المناطق المحرومة والعاطلين عن العمل.
لا يمكن أن يبقى البرنامج مبنيا على ما قد يؤول بتونس إلى الكوميسيون المالي إن لم يكن قد آل بعد إليه من حكومة مهدي جمعة.
أما موقفي من مهزلة نظام بدأ بما انتهى به نظام بورقيبة فمعلوم واليسار ساهم في عودته. فمشكل النظام هو مشكل الخلافة واليسار كان يتصور أنه الوريث بمن دخل منه في النداء
لذلك فهذا الحزب يعاني من مرضين : الأول هو أنه في الحقيقة مسرح معركة بين من كان تابعا ويريد أن يصبح متبوعا (اليسار والاتحاد).
والثاني هو جيش مكسيكي كله زعماء لا يجمع بينهم جامع إلا شاهية وأغلب معاركهم هي على الكراسي وعلى الخلافة في الحزب والدولة.
وعهد السبسي جعل النظام بعد الثورة يبدأ بما انتهى به نظام بورقيبة: رئيس في سن الخرف محوط  بأفسد فريق من المستشارين لا يمكنه أن يسيطر على وضع تحكمة مافيات التهريب والإرهاب.
فهل يعقل أن يفكر مسؤول له قدر من الخبرة والحكمة أن يغير الحكومة في بداية العطل الصيفية- وهي حكومة تعكل وفاقدة للسلطان على فريقها-فيجلعها إضافة إلى ذلك حكومة تصريف أعمال بالأمر الواقع؟
وهل يعقل أن يتصور من له قدر من الحكمة أن الوحدة الوطنية بعد الثورة هي من جنس الوحدة الوطنية التي يفرضها حزب واحد ماسك بالأمور بما له حينها من شرعية تاريخية لم تعد موجودة؟
هل تقلد بورقيبية ممكن مع تجاهل اختلاف السياقات المختلفة تماما؟ ثم هل من يريد أن يورط معه مرة أخرى من استعملهم لتخريب الدولة مدة حكم الترويكا بهدف إسقاط حكمها لثلاث سنوات؟
وإلى متى الحكم بالتسول والتداين ورهن البلد من دون أن يكون للحكم القدرة الفعلية على الضرب على يد المافيات التي شجعها تشجيع انقلاب الحوار الوطني المزعوم لما سمي بجبهة الإنقاذ وكان في الحقيقة جبهة التخريب؟
والسؤال المحير بالنسبة إلى هو إلى متى ستظل النهضة راهنة مستقبلها مع من سيغرق ويغرقها معه؟ ألم تتخلص بعد من الخوف والقبول بكل ما تفرضه المافيات؟ نصحت بأن تشرع في تغيير سياستها لئلا تغرق مع النداء الغارق من البداية.
طبعا هم أهل مكة وهم أدرى بشعابها. لكن النتائج الوخيمة كما حصل سابقا لن تقتصر عليهم. فالوضع ذاهب إلى الأسوأ والموجة الثانية من الثورة على الأبواب أو لعل ما يعتمل سيكون ربما أدهى فتعاد لعبة 7 نوفمبر ثانية لكنها لن تكون بيضاء كالأولى.
ولا فائدة من تكرار التحذير. فلا يمكن للمراقب أن يصبح أكثر ملكية من الملك. فالكثير من الاطمئنان لظاهر الأحداث والشعور بالقوة خداع أفخاخ يحذرها من كان لبيبا.
ولأختم كلامي بأني وان اعتبرت البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الأكثر مناسبة للإسلام هو ما تتكلم عليه الجبهة رغم علمي بأنها غير صادقة لأن خطابها مزدوج وهم يساومون النظام.
13-وأعلم أنهم مستعدون للقبول بشروطه لو حققوا ما يعتبرونه أهم أهدافهم: استبعاد النهضة من الحكم وتحقيق ما ظنوه ثمرة الثورة التي ينسبونها لأنفسهم.
ويخطئ من يتصور أن سعيهم لاستبعاد النهضة ناتج عن سبب أيديولوجي فلا أحد يصدق أنهم سذج بحيث يصدقون خطابهم المتكلم على حلول شيوعية واشتراكية.
مشكلهم أن الثورة لم تحقق ما تصوروه ثمرتها: لم تمكنهم من عكس العلاقة بالتجمع: كانوا قبلها تابعين ومستخدمين منه.
وهم ظنوا أن الثورة -التي يعتبرون أنفسهم هم فرسانها-ينبغي أن تكون نتيجتها قلب العلاقة فيصبحوا هم السادة والتجمع من أدواتهم للحكم.
والتجمع لو بقي وحده لكان في وضع يجعل ذلك ممكنا -وهذه الحسبة هي علة كل نكبات الشابي-فوجدوا أن العائق الوحيد هو النهضة التي قد يميل التجمعيون إليها أفضل من ميلهم لليسار والاتحاد.
والتجمعيون لا يميلون للنهضة حبا في قيم الإسلام ولا حتى في مصلحة الوطن بل لأنهم يعلمون أن اليسار يكذب على نفسه إذ يظن أنه قادر على استتباعهم دون أن يهدد مصالحهم.
أما الحلف مع النهضة فيمكنهم من المحافظة على مصالحهم-هكذا يتصورون وإلى حد الآن تصورهم صحيح- وعلى الجمع بين جماهيريتين إسلامية وتجمعية تمكن من السيطرة على تغول الاتحاد واليسار.
وأنا نفسي كنت من البداية قد ناديت بالمصالحة لهذا السبب: فلا يمكن حماية تونس من الفوضى وحكمها سلميا إذا ظلت الحرب الأهلية بين الإسلاميين والتجمعيين. واليسار مقدور عليه بوحدتهما.
وبهذا المعنى اعتبرت دعوة الرئيس الأخيرة مناورة ضد النهضة وفخا ينصب لها لأنه لو كان حقا يريد مصلحة البلاد لكان الحكم بالحزبين كافيا إذا كان صادقا في حلف دون خداع.
أما دافعه إلى هذه المهزلة فهو الخوف من النهضة ومن انفراط عقد حزبه وربما قرب الأجل وهو لم يحقق شيء يذكر مما تصور نفسه قادرا عليه فكان الفشل الذريع : فأي رئيس يمكن أن يذكر التاريخ أنه أعاد تمثال بورقيبة.
وأما اليسار فـما يزال أداة في يد غيره: فهو يستعمل في الإعلام وفي الإدارة وربما في الأمن من أجل التهريج.
وبالحلف الصادق بين الحزبين الأكبرين يمكن حكم تونس ديمقراطيا وإخراجها تونس من المأزق فيزول دور الأداة ويفرض على اليسار الخضوع لقواعد اللعبة الديمقراطية.
فيكفي أن يفقد الدور في الإعلام والإدارة والتمويل الـأجنبي في ما يسمى بالمجتمع المدني الذي هو اختراق مخابراتي أجنبي واضح حتى لا يبقى له إلا تشويش الشارع.
وتشويش الشارع علاجه تطبيق القانون في كل بلد ديمقراطي حقيقي. والمهم أن يردع الاتحاد إذا استعمل الشارع أو الفوضى لإيقاف العمل لأنه بذلك يصبح حزبا سياسيا وليس نقابة عمالية. ويكفي تطبيق القانون…

 

المصدر: جريدة الجسر 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق