تحاليلتونس

تونس: واقع القطاع الأمني في تونس 5 سنوات من الانتقال الديمقراطي

هيكل بن محفوظ (*)

 

وعلى أهمية دعم القدرات العسكرية وتطويرها٬ يبقى الإشكال في نظرنا هو حسن استغلال كل هذه الموارد وإحكام استعمالها بما ينمي قدرات الوقاية والترصد والتدخل للأجهزة الأمنية والعسكرية ويضمن في المقابل احترامها للقانون ولإرادة المواطن التونسي في الحرية والعدالة الاجتماعية والاستقرار والتنمية.

ولهذا الوضع المعقد تأثيرات ليس على أمن واستقرار تونس فقط وإنما يتهدد كذلك امن دول الجوار والأمن الإقليمي بشكل عام. وقد لاحظنا ذلك من خلال العمليات الإرهابية التي استهدفت بعض الدول الأوربية في الآونة الأخيرة وفي مقدمتها فرنسا وتزامن ذلك مع عمليات مماثلة في منطقة المغرب العربي وبالتحديد تونس وليبيا.

لكن عندما يغيب التنسيق والتعاون بين دول المنطقة٬ فان الأنظمة ذاتها تكون سببا في خلق فراغ أمني تستفيد منه حتما وتستغله الجهات الأمنية المسلحة المتواجدة بالمنطقة أو تلك التي لها قدرة على ذلك لذا٬ لا مبالغة إن سلمنا للاعتبارات السابقة ولأخرى من أن امن الحدود والدول في شمال أفريقيا لا يتوقف فقط على القدرات الوطنية للدولة وإنما يقتضي العمل على صعيد أشمل وأساسا من خلال التعاون الدولي. لكن هذا الخيار”الأوحد” يشكل مدخلا لفرض سياسات أمنية بعينها على دول المنطقة وهو يطرح بدوره تساؤلات حول طبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة منذ فترة وعن الأطراف الفاعلة وحول التحديات الأمنية الراهنة والمستقبلية وعن البدائل الإستراتيجية المتوفرة لحفظ أمن واستقرار الفضاء المغاربي وعن قدرة الدولة التونسية ودوّل الجوار على معالجتها.

1­- غياب الإطار الاستراتيجي وضعف القدرة على قيادة عملية الإصلاح:

تحتاج عملية إصلاح المنظومة الأمنية لإرادة سياسية واضحة وقدرة على قيادة عملية الإصلاح غير أنه يبدو من السياق السياسي والأمني الذي أحاط بالتغييرات الحاصلة بتونس منذ شهر جانفي 2011 وحتى بعد انتخابات أكتوبر / نوفمبر 2014 أن قدرة الحكومة ما زالت محدودة لمعالجة الملف الأمني بمختلف مكوناته السياسية والقانونية والعملياتية والاجتماعية والاقتصادية. ويعزى هذا القصور إلى أسباب عدة من أهمها:

*عدم وضع إطار سياسي وقانوني وإجرائي واضح وعملي على مستوى الحكومة وكذلك على مستوى السلطة التشريعية (لجنة وطنية أو لجان قطاعية للتخطيط والإصلاح) بشكل يضمن الالتزام بإصلاحالمؤسسة الأمنية وقيادتها من جهة٬ والسهر على ديمومة مسار الإصلاح٬ وكذلك تقييمه ومراجعته كلما اقتضت الضرورة ذلك من جهة أخرى[3].

ولعل خير دليل على ذلك هو تقطع عملية الإصلاح من خلال التخلي عن بعض البرامج والمشاريع – لأسباب سياسية أو حتى عملية – وخاصة منها كتابة الدولة لدى وزارة الداخلية المكلفة بالإصلاح وضعف الصلاحيات الممنوحة لها؛ والاهتمام بقضايا أخرى بما يبعث على الاعتقاد أن لأولويات الإصلاح غير واضحة.

*عدم تحقيق الدعم السياسي لعملية الإصلاح من خلال إشراك واسع لكل الأطراف الفاعلة (حكومة – برلمان – مؤسسة أمنية – أحزاب – نقابات أمنية – مجتمع مدني – إعلام) بما يضمن مشروعية عملية الإصلاح وتبنيها من قبل كل الأطراف ويحول دون التصدي لها. وفي المقابل التركيز على شراكات مع دول ومنظمات مانحة في إطار برامج التعاون الدولي متعدد الأطراف من بينها الاتحاد الأوروبي[4 ]وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أو الثنائي كالولايات المتحدة الأمريكية في إطار مبادرة الحوكمة الأمنية”5″[Initiative Governance Security]٬ وغيرها من برامج الدعم والتعاون الأمني ألأخرى.

*غياب إستراتيجية شاملة لإصلاح قطاع الأمن من قبل مختلف الحكومات المتعاقبة وكذلك النخبة السياسية٬ وعدم صياغة خطة عمل وتنفيذ لهذا الغرض. ويعزى هذا بالأساس إلى عدم استخلاص كل الدروس من الأزمات الأمنية التي مرت بها البلاد وإلى التعامل مع مسألة الإصلاح بشكل تنقصه الكفاءة والخبرة والمنهجية.

*عدم تحديد أولويات الإصلاح ومجالاته والأهداف الإستراتيجية من ذلك٬ والتأخر في إرساء ثقافة تغيير جديدة داخل المؤسسة الأمنية بما يقطع مع ممارسات الماضي ويقضي على المحسوبية داخل المؤسسة.

*الاقتصار على إجراءات عاجلة لصالح أعوان الأمن أو الجيش وتحت الضغط وخارج سياق الإصلاحات الضرورية وعدم الشروع في الإصلاحات الهيكلية كمراجعة المهام أو إعادة هيكلة بعض الوزارات وعلى رأسها وزارة الداخلية.

*التأخر في إدخال التعديلات الضرورية على القوانين الناظمة لقطاع الأمن بما يضمن جودة الخدمة الأمنية والتزامها بمقتضيات الشفافية والمسؤولية واحترام حقوق الإنسان والتقييد بالقانون. والاقتصار في هذا الإطار على مراجعات جزئية لبعض النصوص القانونية وتعطل بعض مشاريع القوانين التي من شأنها أن تدعم السلوك الديمقراطي داخل المؤسسة الأمنية وتضفي النجاعة على عملها٬ والاقتصار في المقابل على القوانين الزجرية كالقانون الأساسي المتعلق بمكافحة الإرهاب الذي تمت المصادقة عليها بتاريخ 7 أوت 2015.[6]

المصدر: الصباح الاسبوعي 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( *) – أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس(جامعة قرطاج)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق