تحاليلدراسات

اليسار والممانعة…المسار المتقلب

سلامة كيلة(*) : 

كاد اليسار، في العقود الماضية، يتهمش ويتلاشى. بالضبط، لأن سياسته لم تكن مطابقة للواقع، حيث كان يؤسس مواقفه بناءً على هواجس، أو انطلاقاً من فهم “سياسوي”، يقوم على العلاقات، وليس على فهم الواقع الذي يبدأ من الوجود. فالعلاقة هي نتاج الوجود وليست بديله، ولا تحلّ محله، ولا تحظى بأسبقية عليه. وهنا، حلت العلاقة السياسية محل الوجود، ليُنظر إلى العالم من منظور العلاقات بين الدول، بحيث تلمس طبيعة هذه العلاقات فقط.
وضمن هذا المنظور، يجري تحديد “الطرف الرئيسي” عدواً أو صديقاً، ليجري، بعدئذٍ، تحديد المواقف من القوى الأخرى، لتكون صديقاً أو عدواً بناءً على موقفها من “الطرف الرئيسي”. على ضوء ذلك، حدد “اليسار الممانع”، أي “اليسار” الذي يدعم النظام السوري الآن مواقفه طوال السنوات الماضية. ويوضح سرد هذه المواقف، منذ بداية القرن الجديد، المتاهات التي عاشها، وكيف أنه تقلّب يمنة ويسرة، واعتبر الخاطئ صحيحاً والصحيح خاطئاً، ولم يكن الثابت، في ذلك كله، سوى معادلة أن العدو الرئيسي هو الإمبريالية الأميركية، أو أن الصديق الرئيسي هو “المقاومة”، ومن ثم “الممانعة”. لكن، كان يطغى منطلق العدو الرئيسي في العقد الأول (أي قبل الثورات)، ليصبح الصديق الرئيسي هو الذي يطغى بعدئذ. والفارق في الأولوية، هنا، كان يحدد المواقف من القوى الأخرى ومن التحالفات.
كان الصراع الرئيسي، في السنوات الأربعين السابقة، يتركز على الإمبريالية الأميركية، سواء لأنها تحتل الشعوب وتقاتلها، أو لأنها تدعم الدولة الصهيونية والنظم “العميلة”، أو لأنها في صراع مع الاتحاد السوفييتي. كانت العدو الرئيسي، العدو الذي يمثّل التناقض “الرئيسي”، في مواجهة الاشتراكية وحركة التحرر الوطني. واقعياً، انتهت حركة التحرر الوطني منذ عقود، كما انتهت الاشتراكية، لكن الإمبريالية الأميركية ظلت العدو الرئيسي. ولا شك في أنها عدو رئيسي، كونها المركز للنمط الرأسمالي، لكن منظور “اليسار الممانع” لا ينطلق من هذا الأساس، لأن هذا الأساس يفرض الوقوف ضد كل رأسمالية، لأنها باتت تكرّس الهيمنة الإمبريالية، بل ينطلق من “العلاقة السياسية”، أي من طبيعة العلاقة السياسية لهذه الإمبريالية، ليبدو أن كل مختلف معها هو عدوها، وبالتالي، هو جزء من حركة التحرر الوطني. هنا، أصبح الخلاف معها وحده كافياً لتحديد “طبيعة” المختلف، وتصنيفه في “قالب جاهز” هو استمرار لماضٍ مضى، فيكون من حركة التحرر الوطني، وبالتالي، يجب الوقوف معه ودعمه، والتحالف معه.

بشأن “حماس” : 

وإذا كانت سنوات تسعينيات القرن العشرين سنوات فوضى فكرية، على ضوء انهيار النظم الاشتراكية، وخصوصاً الاتحاد السوفييتي، وبالتالي، نهاية الحلفاء والرفاق، الذين كانوا معنا في الصراع ضد الإمبريالية، الأميركية خصوصاً. فقد أوضح القرن الجديد تخبط مواقف هذا “اليسار” وتقلبه، حيث ظل ينطلق من المنظور نفسه، بثنائية مبسطةٍ استقاها منذ مرحلة الحرب الباردة، على الرغم من اختلاف الأحوال وتغير مواقع الدول، وهو ما كان يوقعه في هذا التخبط والتقلب. وكانت أحداث “11 سبتمبر” سنة 2001 التعبير عن ذلك، فلأن الحادث كان ضد أميركا، نال أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة كل الرضى والمديح، وأُلبس بن لادن وجه جيفارا، للتعبير عن أن هذا التنظيم هو الشكل الجديد للحركة الثورية القديمة التي كانت تقاتل أميركا. انتشر شعور مليء بالفرح بحدوث نهوض ثوري جديد، أساسه “الإسلام الجهادي”. ولهذا، لقي التأييد والدعم، والاندفاع، إلى أن بدأت الشكوك تحوم حول طبيعة التنظيم، خصوصاً بعد احتلال العراق والدور الذي لعبه فرع تنظيم القاعدة هناك. وهذا يُظهر “السطحية” التي حكمت الموقف، والمنطق الآلي الذي جعل كل منْ يظهر أنه ضد أميركا ثورياً. وهي السطحية والآلية نفسها التي حكمت كل مواقف هذا “اليسار” الذي سيبدو أنه ليس يساراً بأي حال.

ثم، مع بداية القرن الجديد كانت حركة حماس تظهر “حركة مقاومة”، حيث مارست العمل المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي. كان الموقف هو “الدعم المطلق”، من دون تدقيق في ماهية حماس، وما الدور الذي تقوم به، وإلى أين سيوصل؟ بلا شك يجب دعم كل مقاومة ضد الاحتلال، لكن هذا يفرض التدقيق في بنيتها وفهم أهدافها الحقيقية، وهو ما كان يحتاج إلى منطق أعمق من المنطق الصوري الذي يحكم هذا “اليسار”. الأسوأ كان في اعتبار كل “الإسلام السياسي” تحرّرياً ومعادياً للإمبريالية. وبالتالي، الانجراف المذلَ للتحالف معه، أو بالأدق للتبعية له من هذا “اليسار”، وتعميم الأوهام حول طبيعته ومواقفه، والدور الذي يلعبه. وكان دوره هذا من المسببات التي ضخّمت “الإسلام السياسي”، وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين. نلمس ذلك في مصر، ومن معظم اليسار الذي يقف الآن مع النظام السوري. ونلمس ذلك في الأردن، أيضاً، من الأحزاب التي تدافع، الآن، باستماتة عن النظام السوري. وفي فلسطين، حيث التحق اليسار بحماس سنوات. وفي تونس، حيث تحقق التحالف مع حركة النهضة. وفي مجمل “اليسار الممانع” الذي هلّل لـ “الإسلاميين” وطبل لهم، ونفخ فيهم، بدل أن يكشف بنيتهم ومنظورهم والمصالح التي يعبّرون عنها، وبالتالي، حدود صراعهم مع “الإمبريالية”، أو مع الدولة الصهيونية.
سار معظم اليسار العربي، و”اليسار الممانع” أساساً، خلف الإسلاميين، وروّج أنهم معادون للإمبريالية ومع تحرير فلسطين، وضد النظم التابعة، وأنهم الشكل الجديد لحركة التحرر الوطني. وفي مستوى آخر، كان هذا “اليسار” متحمساً لدولة قطر التي قرّرت إعمار الجنوب اللبناني بعد حرب سنة 2006، وبات أميرها “أمير المقاومة” كما وصفه حسن نصرالله. كما كان يدافع باستماتة عن تركيا التي خاضت صراعاً مع الدولة الصهيونية، بعد حادث “أسطول الحرية” سنة 2009. وبالتالي كان يصطف في صف محور الممانعة الذي كان يتشكل من تركيا وقطر والنظام السوري، وإلى حدّ ما إيران. وكان الإسلاميون يوضعون ضمن هذا المحور. هذه هي الصورة التي كان يظهر هذا “اليسار” فيها، وكان يتضح أن سطحيته هي التي تجعله يصطف هنا، من دون فهم لطبيعة هذه الدول والقوى. ولهذا، ببساطة انقلب موقفه من هذه الدول والقوى، حيث باتت “عميلة للإمبريالية” الأميركية. كيف يمكن أن ينقلب الموقف بهذه البساطة؟ بالضبط، لأن هذا “اليسار” لم يحلل تكوين هذه الدول والقوى، ولم يفهم بنيتها، فقط انطلق من موقفها، في لحظة معينةٍ، ظهرت فيها أنها في صدام مع الإمبريالية الأميركية والكيان الصهيوني. ونتيجة عدم فهم البنية، التحق بهذه الدول والقوى، ونظّر لها، وبرر سياساتها. وهذه هي السمة العامة لهذا “اليسار”.

 الأسد وإيران:

هذا ما ظهر في الموقف من النظام السوري، وعلى الرغم من “الصراعات” التي حكمت بعض هذا “اليسار” مع النظام، ظهر بعد “نشوب صراع” الإمبريالية الأميركية معه، أنه ما بقي من “رائحة الماضي”، أي أنه الباقي من “حركة التحرر الوطني”. وأصبح مركز “الممانعة” و”المقاومة” الذي يجب الدفاع عنه بكل قوة، لأن أميركا تحيك المؤامرات ضده. لا نريد، هنا، أن نبحث في الخلاف الأميركي السوري، والأسباب التي أوجدته، وكيف انتهى بعد وصول باراك أوباما إلى الرئاسة، حيث يمكن توهم صراع حقيقي على ضوء ما يظهر إعلامياً، ما دام البحث لم يطل بنية النظام، وسياساته، وخصوصاً المسار الذي اتخذه على الصعيد الاقتصادي، بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة. وبالتالي، تحديد طبيعة الطبقة التي تسيطر على الاقتصاد، وتقرّر سياسة الدولة. فهذه ليست في قاموس “اليسار الممانع”، بالضبط لأنه ينطلق من العلاقة، وهنا، علاقة النظام بالإمبريالية الأميركية. فما دامت “سيئة”، لا بد من الوقوف معه ودعمه، والدفاع عنه بكل شراسة، فهو، بالتالي، “ضد الإمبريالية”، وأيضاً مستقلّ وتحرري.
لكن، ما هو الموقف من إيران، الحليف الأساسي للنظام، التي باتت تسيطر على القرار في دمشق؟ هنا، سنلمس انقلاباً معكوساً عما حدث مع تركيا وقطر، حيث كان موقف هذا “اليسار” من إيران ليس سلبياً فقط، بل إن بعضه اعتبر أنها باتت العدو الرئيسي أكثر من الدولة الصهيونية. حدث ذلك بعد الاحتلال الأميركي للعراق، والمساعدة الكبيرة التي قدمتها إيران، ومن ثم الدور الخطر الذي لعبته لتدمير العراق وقتل طياريه وعلمائه، والإسهام في تفكيكه طائفياً. كانت إيران عدواً رئيسياً وحليفاً لـ “الإمبريالية الأميركية”، وباتت الآن حليفاً وجزءاً من القوى “المعادية للإمبريالية”، ومن دول التحرر، إلى حدّ دفع بعضهم إلى الحديث عن “نهضة عربية جديدة بقيادة إيران والشيعة”. وهنا انقلاب في الموقف أيضاً، فبعد أن كانت عدواً رئيسياً باتت حليفاً رئيسياً، وهذا يوضّح المنطق الشكلاني الذي يحكم النظر، حيث ينقلب الموقف من طرف إلى الطرف المقابل، في وضع يجري تصويره على أنه يتضمن طرفين فقط. طبعاً من دون فهم وضع إيران وبنيتها الاقتصادية والطبقية، وسبب خلافها مع الإمبريالية الأميركية، ومتى يمكن أن تتحالف معها بالتالي. هنا، كانت العلاقة مع النظام السوري هي التي أحدثت هذا الانقلاب الذي لا يمكن توصيفه إلا أنه بهلواني، لا تحتمله الماركسية، لأنه يتأسس على المنطق الذي تجاوزته: أي المنطق الصوري.
كانت روسيا أيضاً مهملة، وخارج كل حساب في الفترة السابقة للثورات. بل كان النظر إليها أن نظامها الحالي هو الذي دمّر الاشتراكية، والتحق بالإمبريالية الأميركية. الآن تعامل كـ “دولة تحررية”، وتكون البرجوازية المسيطرة فيها، على الرغم من طابعها المافياوي، هي “بورجوازية مستقلة”، وتسعى إلى مواجهة الإمبريالية من هذا المنظور التحرري. ويصبح اعتبار أنها إمبريالية هرطقة، على الرغم من أن كل ما تقوم به هو التعبير المباشر عن طابعها الإمبريالي. حدث ذلك كله فقط حين دعمت النظام السوري، وحمته من السقوط (إلى الآن)، على الرغم من أنها فرضت قواعدها العسكرية في سورية ككل إمبريالية، وتقتل وترتكب مجازر ضد الشعب السوري، من أجل إنقاذ نظام على شفير السقوط.
حينما ينقلب الموقف من نقيض إلى نقيض، يتوضّح غياب كل منطق علمي، وتظهر السطحية بكل وضوح، فهو يدلّ على تقدير صوري للقوى والدول، وتكون العلاقات هي التي تحدد الموقف، ولأن العلاقات متغيرة تتغيّر المواقف، فينقلب الصديق عدواً، والعدو صديقاً، في تحوّل سوريالي. ربما يسمح التكتيك في تحويل بعض المواقف. لكن، أن يتحوّل كل التقييم والتقدير نتيجة تحوّل العلاقات، فهو ما يعني أن الشكلانية هي التي تحكم المنطق، وهو ما حاولت توضيحه منذ البدء. الأمر الذي يعني العجز عن فهم الماركسية، وتمثّل منهجيتها، المنهجية التي تتجاوز الشكل إلى الجوهر، ولا تقسم العالم إلى طرفين، بل تلمس تعدد التناقضات، وتعدد الصراعات، وتنطلق من التحليل الاقتصادي الطبقي بالأساس، وليس من منظور العلاقات/ الصراعات الدولية. وعبر ذلك، يمكن أن تُفهم أسباب الصراعات، ومدى علاقتها بمنظور اليسار في صراعه من أجل تجاوز الرأسمالية.
البهلوانية سمة من سمات المنطق الصوري، الذي يبدأ بالسكون ويتوقف عنده. لهذا، فإن سمة اليسار الممانع هي البهلوانية بالتأكيد.

 

المصدر: جريدة الضمير، العدد 828، 16 ديسمبر 2015.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)- كاتب وباحث فلسطيني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق