تحاليلتونس

تونس: من أجل دولة عادلة وقوية لمواجهة أكبر عملية تحيل

 

   أشرت للتحيل السياسي الذي يمارسه الرئيس السبسي وحزبه في فترة مبكرة، وعندما أطلقت في جانفي سنة 2015 على سيرته ومساره وسم  “#‏أكبر_عملية_تحيل_في_تاريخ_تونس”، وتبناه فيما بعد حتى موالون للسبسي ممن ضاقوا ذرعا به، لم أكن أتنبأ بالغيب. ببساطة كانت المقدمات واضحة. لكن بقدر ما كنت وغيري متهيئا لمشاهدة وضع كاريكاتوري مغرق في التحيل بقدر ما يجب أن أعبر عن دهشتي عن الحضيض الذي وصلنا إليه. 

آخر الأمثلة على ذلك سأنقله مباشرة من إحدى الصحف التونسية المعروفة (جريدة “الصباح” 15 جوان 2016) كما هو بدون زيادة أو نقصان: “إصرار (حافظ قائد السبسي “مدير” حزب “نداء تونس” ونجل الرئيس التونسي) على تغيير رئيس الحكومة الحالي (الحبيب الصيد) هو نتيجة مسك الأخير لجملة من الملفات في علاقة بتهرب جبائي لعدد من رجال الأعمال الذين هم في علاقة بعدد من شخصيات النداء على غرار رئيس الكتلة النيابية سفيان طوبال إضافة إلى حافظ قائد السبسي نفسه وشقيقه خليل قائد السبسي الذي خرج إلى العلن وهو لاعب جديد قد يغير المعادلة السياسية داخل الحزب لتأثيره الواضح على عدد من الشخصيات السياسية ورجال الأعمال وإعلاميين”. بعد مرور أيام عدة لم ينف لا نجل الرئيس ولا رئيس كتلة حزبه ولا أي مسؤول حزبي هذا الخبر.

مهما توقعنا لم يكن ممكنا أن نتوقع هذا الحضيض من خليط من التحيل والمحسوبية الفجة وابتزاز الدولة. هل مع هؤلاء تتشكل حكومة لـ”إنقاذ البلاد”؟! هؤلاء هم المشكل وليسوا الحل. ما يقومون به هو إغراق البلاد وليس إنقاذها. ومهما كان الوضع صعبا في الفترة السابقة لم يصل أبدا إلى هذا الدرك. ما نقترحه في المقابل هو تظافر جهود كل الشرفاء وإحداث توازن سياسي بكل الطرق الدستورية المتاحة لبناء مشروع دولة مواطنية عادلة وقوية تقطع مع شخص وممارسات المنظومة التي قامت عليها الثورة.

أقام السبسي وحزبه كل حملته على أساس “استرجاع هيبة الدولة”. لكن كل يوم يتم تمريغ أنف الدولة والدستور في التراب. قبل أيام عرضت نشرات الأخبار الخبر التالي: استقبل الرئيس السبسي رئيس الحكومة الحبيب الصيد واستعرض معه “تقدّم المشاورات مع مختلف الأحزاب والمنظمات الوطنيّة حول أولويات حكومة الوحدة الوطنية ومنهجية عملها”. رئيس جمهورية لا يملك أساسا صلاحية قيادة مشاورات إسقاط رئيس الحكومة حسب الدستور يتجاهل البرلمان ويستعرض مع رئيس حكومة الجهود والمشاورات لإقالته ويحيطه علما بأولويات الحكومة الجديدة. إذا لم تكن هذه فوضى وضربا مباشرا لهيبة الدولة فما هي الفوضى؟!

المنسق العام لأحد أحزاب التحالف الحاكم “الاتحاد الوطني الحر” يؤكد في ندوة صحفية وتصريحات إعلامية أن كمال الهذيلي “المكلف العام بنزاعات الدولة”، الذي يشرف عليه وزير ينتمي إلى هذا الحزب، يحضر اجتماعات المكتب السياسي لهذا الحزب. يتهم أيضا رئيس الحزب سليم الرياحي ووزراؤه مع إثباتات “مسجلة” بتكوين “وفاق” لابتزاز رجال أعمال. للتذكير فالمكلف العام بنزاعات الدولة لديه صفة قضائية وليس له حق الانتماء الحزبي، وحسب القانون عدد 13 لسنة 1988: “للمكلف العام بنزاعات الدولة أهلية إبرام الصلح مع الخصوم في المادة المدنية والإدارية”. عن أي دولة وأي هيبة يمكن أن نتحدث بعد الآن؟ الحقيقة أن هيبة الدولة الحقيقية غير ممكنة إلا بمنطق معادلة تجمع العدالة بالقوة.

الوضع الاقتصادي الحالي يتجه إلى أزمة واضحة بحلول نهاية العام وبداية العام القادم. و”الإصلاحات الهيكلية” التي التزم بتنفيذها تحالف السبسي حسب وثيقة 2 ماي الماضي مع صندوق النقد الدولي تتضمن إجراءات تركز فقط على الطبقة الوسطى العاملة في القطاع العام: “تخفيض كتلة الأجور” وإمكانية “تسريح طوعي للموظفين”. من غير الواضح ماذا ستكون استتباعات هذا الوضع لكن في ظل جمود التحالف الحاكم وإصراره على حلول من داخل المنظومة (شخوصا وسياسات) وفي ظل ضعف المعارضة فإن أفق الوضع يمكن أن يتجه إلى احتجاجات اجتماعية غير مؤطرة ومن ثمة فوضى.

إزاء هذا الوضع هناك رأيان يتجاذبان الطيف السياسي وأيضا الرأي العام. والرأيان مشطان في اتجاهين متناقضين. الأول يدعو إلى دولة “قوية” بمعنى “تضرب بيد من حديد” وتعيد فرض “هيبة الدولة”، وهذا خطاب “يميني” يتم فيه التركيز على أن المشكل هو حصرا وتحديدا الإدارة والبيروقراطية واتحاد الشغل والنقابات عموما، ويتم فيه اعتبار أي إصلاحات ذات بعد نيوليبرالي المتمثلة في الحزمة المعتادة من الإجراءات التي تشير إليها المؤسسات المالية الدولية هو من قبيل القدر المحتوم. الرأي الثاني المشط يركز على “دولة عادلة” لكن يقع في الإجراءات التي يطالب بها في غض الطرف عن الطلبات النقابية المشطة والتسيب الإداري البيروقراطي ولوبياته.

معادلة “دولة عادلة وقوية” مزدوجة: العدالة تسمح بالقوة والقوة وسيلة أساسية لتفعيل العدالة. المقاربة التي يمكن أن توفر أرضية مشتركة على قاعدة استعداد المواطنين للتضحية (هدنة اجتماعية مثلا) إذا تم توفير سياسة واضحة تستهدف العدالة الجبائية ومواجهعة التهرب الجبائي واستهداف الفساد الكبير.

وعلى سبيل المثال، فإن مسالة انخفاض قيمة الدينار لا يمكن التعامل معها ببساطة من زاوية إيديلوجية نيوليبرالية تركز على “تخفيف” قيمته وتخلي البنك المركزي على دوره في حماية العملة الوطنية خاصة في سياق ظرف اختلال الميزان التجاري وهيمنة التوريد. لا يمكن مواجهة هذا الوضع بضرب متزايد للقدرة الشرائية وفي المقابل الترفيع في قيمة الواردات من السلع الثمينة وآخرها رفع وزارة التجارة المفاجئ لحصة استيراد “السيارات الشعبية” في هذا الظرف بالذات عوض الحد منها بشكل فوري وغيرها من السلع الثمينة التي تستنزف احتياطي العملة الصعبة وتخدم أساسا مصالح لوبيات محددة وليس الصالح العام.

هنا الفكرة هي عدم التسامح مع البوليس الذي يأخذ رشوة بعشرين أو أربعين دينارا، لكن أيضا عدم التسامح على الأساس ذاته مع من يسرق المليارات. من الجيد أن يزور والي قفصة مثلا فجئيا الموظفين ويوقضهم من النوم لكن ماذا فعل إزاء تعطل إنتاج شركة فسفاط قفصة وتقلص تصديره، أحد أسباب انخفاض قيمة الدينار، جراء تضارب المصالح وقلة الثقة في الانتدابات العمومية.

يمكن للناس بشكل ظرفي أن تقبل ربما تجميد الأجور وربما حتى توقيف بعض الزيادات على أساس الاتفاقيات النقابية، لكن ذلك لن يتم إلا بإجراءات عادلة تسمح مثلا بوضع ضريبة على الثورة خاصة العالية جدا. التضحية يجب أن تكون عادلة. العدل في التضحيات هي الأرضية الوحيدة التي يمكن أن تخرجنا من الأزمة نحو أفق جديد يتجاوز حضيض التفاوت الطبقي وتفقير الناس والتحيل والمحسوبية والتوريث السياسي. كل الأوبئة التي يمكن أن تقوض وجود المسار الديمقراطي ذاته وتجعل منه مسارا بدون روح ومن ثمة تسترجع شبح عودة الاستبداد.

 

المصدر : “عربى21”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق