تونسدراسات

تونس: سلطة مجلس نواب الشعب في تنظيم المحاكم العسكرية،( الجزء الثاني )

11-02-2014-18-56-31i

العربي الشابي (*):

الحقيقة الثالثة: 

إن سلطة مجلس نواب الشعب إزاء تنظيم السلطة القضائية مقيدة، وهي ذاتها مقيدة بضوابط وحدود حال تنظيمها للمحاكم العسكرية- ولاية قضائية جزائية – بعدم تجاوز هذه الحدود. ومن ثم فليس للمشرع أن يتجاوز نطاق الاختصاص الخاص للمحاكم العسكرية في ضوء الغرض الذي أنشئت من أجله في الدستور، وهوقصرها على الجرائم العسكرية ولوأنه لا وجود لتعريف متفق عليه فقهيا للجريمة العسكرية وهوذات الشأن بالنسبة لفقه قضاء محكمة التعقيب على حد اطلاعنا.
الحقيقة الرابعة:
إن سلطة مجلس نواب الشعب إزاء تنظيم المحاكم العسكرية كما سطرها دستور 2014 وتحديد اختصاصها هي سلطة متدرجة بين الإطلاق والتقييد. إذ أنه خارج نطاق تلك القيود التي فرضها الدستور، فإن المشرع يسترد سلطته المطلقة حال تنظيمه للمحاكم العسكرية رجوعا إلى الأصل المقرر بشأنها وهوإطلاقها. لتصبح سلطة متدرجة بين هذا الأصل وذلك الاستثناء.
ذلك أن السلطة المطلقة للمشرع بصدد تنظيم هذه المحاكم العسكرية لازمة لحسن أداء الوظيفة التشريعية بهدف الحفاظ على الصالح العام العسكري للدفاع والأمن الوطني، ولزوم السلطة المقيدة له، لحماية حقوق المواطنين وحرياتهم الدستورية عسكريين ومدنيين.
وبديهي القول ان المبادئ الدستورية المقررة في دستور2014 تشكل قيودا لا يمكن تجاهلها على سلطة نواب الشعب إزاء تنظيمهم للمحاكم العسكرية أوتحديد اختصاصها أوتركيبتها أيا كان نوعها أودرجتها. وهي تشمل المبادئ الوثيقة الصلة بالتنظيم القضائي ونظام وضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة وحقوق المتقاضين وحرياتهم الدستورية.
ومن المبادئ الدستورية التي تتعلق بالحقوق والحريات العامة.هي تلك التي وردت في الباب الثاني من دستور 2014.
فقد نص على أن المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة. كما نص على أن المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز.
والمساواة المقررة في هذا الفصل هي المساواة «القانونية» وليس «المساواة الحسابية» بمعنى أن من حق كل مواطن أن يحصل على ذات المعاملة إذا استوفى الشروط المقررة. وبالتالي فإن المساواة في المعاملة مشروطة بالمساواة في توافر الشروط، ولذلك فإنه من حق المشرع أن يقيد التمتع بحق معين، بتوافر قدر أدنى من الشروط.
وقد حرص الدستور على تقرير الحق في الحرية الشخصية وكفالة الحماية له، والإشارة إلى الضوابط العامة التي يتعين أن يلتزم بها القانون في تنظيم هذا الحق وحمايته، فالاحتفاظ بطبيعته إجراء ماس بالحرية الشخصية، وبصفة خاصة حرية التنقل وهوكذلك ماس بحرمة الجسد باعتبار أن من آثاره جواز تفتيش الشخص المقبوض عليه.
لذا نصت المادة 29 من الدستور على أن «لا يمكن إيقاف شخص أوالاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أوبقرار قضائي,ويعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه ,وله أن ينيب محاميا,وتحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ بقانون».
وقد أحال الدستور إلى المشرع تحديد مدة الإيقاف والاحتفاظ، ومقتضى ذلك أن يعتبر غير دستوري النص الذي يطلق مدة الإيقاف والاحتفاظ، فلا يحصره في مدة معينة. كما تخضع مدة الإيقاف والاحتفاظ لجميع الشروط والقيود التي نصت عليها أحكام الفصل 29 من الدستور.
وقد نصت المادة 30 من الدستور على أن”لكل سجي” الحق في معاملة إنسانية. والأحكام المقررة في هذه الفصول مجرد تطبيق للمواثيق الدولية المقررة للحريات العامة.
كما نصت أحكام الدستور على أن”المحتفظ به يعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة له،وله أن ينيب محاميا”.
وقد تضمن الدستور نصوصا عديدة في شأن المحاكمة والتنظيم القضائي بصفة عامة، هدف بها إلى تحديد معالم هذه المحاكمة وأصولها وبيان المبادئ الأساسية التي تحكمها، وإبراز الضمانات التي يوفرها لأطراف الدعوى، حيث تتميز مرحلة المحاكمة بطابعها القضائي البحت، فالاختصاص بها للقضاء دون سواه ولإجراءاتها جميعا طابعها القضائي. ونعرض بإيجاز لتلك النصوص الدستورية المقيدة لسلطة المشرع في تنظيم المحاكم العسكرية ذات الصلة بالتنظيم القضائي وقواعد المحاكمة.
بداية إذا كان الدستور قد قرر مبدأ الشرعية في التجريم والعقاب بمقتضى أحكام الفصلين27 و28، فإنه أكد على اختصاص القضاء بالمحاكمة، وفي ذات الوقت تأكيده لمبدا قضائية العقوبة إذ نص في الفصل 28 منه على أن «العقوبة شخصية، ولا تكون إلا بمقتضى نص قانوني سابق الوضع، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ نص القانون».
ومفاد هذا النص أيضا أنه قد أفسح مجال التجريم والعقاب لأي صنف من أصناف نصوص قانون، وقد تضمن أيضا مبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية «نصوص التجريم والعقاب» وعلة هذا المبدإ مستمدة من مبدإ الشرعية. كما أكد هذا النص أيضا مبدأ شخصية العقوبة، فلا تزر وازرة وزر أخرى، فالعقوبة شخصية محضة والجرائم لا يؤخذ بجريرتها غير جناتها ولا تنفذ إلا في شخص من أوقعها القضاء عليه ولكن بتوفر شروط المحاكمة العادلة والمنصفة.
وقد حرص الدستور على أن يوفر للقضاء بصفة عامة عدلي وإداري ومالي ومحاكم عسكرية ومحكمة دستورية استقلاله وحصانته، للنظر في القضايا والدعاوى والفصل فيها في حياد وموضوعية فنص الفصل 102 أن القضاء سلطة مستقلة وأن القاضي مستقل لا سلطان عليه لغير القانون مهمته إقامة العدل وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات فلا يجوز لأي سلطة التدخل في القضاء أوفي شؤون العدالة».
وقد قرر الدستور استقلال القاضي إزاء السلطة التنفيذية بتقرير ضمانة عدم قابليته للعزل وعدم الإعفاء وعدم إمكانية الإيقاف عن العمل أوتسليط أية عقوبة عليه إلا بموجب قرار معلل من المجلس الأعلى للقضاء هذا الضمان الجوهري نصت عليه المادة 107 على أن «القاضي لا ينقل دون رضاه , ولا يعزل، كما لا يمكن إيقافه عن العمل أوإعفاؤه, أوتسليط عقوبة تأديبية عليه ،إلا في الحالات وطبق الضمانات التي يضبطها القانون وبموجب قرار معلل من المجلس الأعلى للقضاء». كما يرتبط باستقلال القاضي حياده أي تحرره من كل مؤثر خارجي عدا حكم القانون، بما من شأنه ترابط الاستقلال والحياد كضمانين متلازمين.
وبديهي انطباق هذه الضمانات على قضاة المحاكم العسكرية بدخول أحكام الفصلين 106 و110 من الدستور حيز النَفاذ.
كما قرر الدستور قرينة البراءة، وكفالة حق الدفاع في النطاق الذي تقتضيه واهتم بأن يوفر للمتهم من يتولى الدفاع عنه أمام القضاء، والتزام الدولة بأن تساعد غير القادرين على استعمال هذا الحق. فنص الدستور على أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة تكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة». ونص أن «له أن ينيب محاميا».
وبديهي أن القانون التونسي يكفل بموجب دستور 2014 لغير القادرين ماليا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم».
وقد هدف الدستور بهذا النص إلى ضمان حقوق الأفراد مدنيين وعسكريين من اتهامات متسرعة أوكيدية تصدر عن جهات غير قضائية أوتصدر عن أفراد، وقدَر الدستور بذلك أن القضاء هوالذي تتوافر لديه خبرة تقدير وقائع الدعوى والعلم بالقانون وكيفية تطبيقه، مستثنيا من هذا الأصل «الأحوال التي نص عليها القانون». وأهمها الحالات التي يجوز فيها للمتضرر من الجريمة «الإدعاء المباشر أوالقيام على المسؤولية الخاصة».
وقد كفل الدستور حق التقاضي للناس كافة، وحق المواطن مدنيا أوعسكريا في اللجوء للقاضي الطبيعي وتقريب جهات التقاضي وسرعة الفصل في القضايا، إضافة إلى حظر التنصيص في القوانين على تحصين أي عمل أوقرار من رقابة القضاء». فنص في الفقرة الثانية من الفصل 108 منه على أن «حق التقاضي وحق الدفاع مضمونان» ومكفولان للناس كافة، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وتكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المتقاضين وسرعة الفصل في القضايا.
ولا يتعارض مع الحق في القاضي الطبيعي إنشاء محاكم متخصصة للنظر في نزاعات ذات طبيعة خاصة وفئة معينة من الأفراد بشرط أن تتوافر فيها وفي أعضائها الضمانات الدستورية والقانونية الأخرى. كما نَص في الفقرة الثالثة من نفس الفصل منه على أن «جلسات المحاكم علنية إلا إذا اقتضى القانون سريتها. ولا يكون التصريح بالحكم إلا في جلسة علنية».
وعلة حرص الدستور على النص على علانية المحاكمة أمام محاكم الحق العام أوالمحاكم العسكرية هي اهتمامه بإشراك الشعب في المسائل التي تهم الرأي العام في المجتمع، وتمكينه من الإطلاع عليها ولما تحمله المحاكمات السرية من مظاهر الاستبداد السياسي، بما من شأنه جعل الرأي العام رقيبا على إجراءات المحاكمة. كما أن علة علانية الحكم تتمثل في تدعيم الثقة في القضاء والاطمئنان إليه، ويعتبر نشرها في وسائل الإعلام أحد النتائج المترتبة على هذا النص شريطة عدم إساءة استخدامه.
وقد نَص الدستور على أن”تصدر الأحكام باسم الشعب وتنفذ باسم رئيس الجمهورية، ويحجر الامتناع عن تنفيذها أوتعطيل تنفيذها دون موجب قانوني “.
كما حدد الدستور قواعد اختصاص الجهات القضائية(بما فيها المحاكم العسكرية ) سواء قرر صراحة في صلبه أوأحال في شأنها إلى المشرع العادي الذي كلفه أيضا بسلطة تحديد مفهوم الجريمة العسكرية.
وذلك حتى لا تجور أي جهة قضائية على اختصاص جهة قضائية أخرى أوسلطة على اختصاص سلطة أخرى، بما من شأنه المساس من حقوق المواطنين وحرياتهم خاصة إذا كانوا عسكريين الأمر الذي يكفل النظام العام العسكري للدفاع الوطني.

المصدر: “الشروق”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) – قاض وباحث أكاديمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق