تونسدراسات

تونس : مبادرة الرئيس، تفاعلا مع أزمة قائمة أم استباقا لأزمة أعمق؟

مصطفى الجويلي:

          في حواره على القناة الوطنية الأولى ليوم الخميس 02 جوان 2016  تقدم  رئيس الدولة بمبادرة لتشكيل “حكومة وحدة وطنية” تضم إلى جانب أحزاب الائتلاف الحاكم  وجوبا الاتحاد العام التونسي للشغل و اتحاد الصناعة و التجارة و”أحزاب المعارضة إن رغبت في ذلك”. ولئن انحصر النقاش في المنابر الإعلامية حول المواقف و ردود الأفعال المتباينة – بين القبول والتردد و الرفض- فإن السؤال الرئيسي يتعلق في نظرنا بمبررات وخلفية هذه المبادرة و توقيتها.

يذهب البعض إلى الجزم بأن مبادرة السبسي جاءت لتعبر عن أزمة  الحكومة و فشلها وإن دعوته لتشكيل “حكومة وحدة وطنية” ليست إلا محاولة لتعميم الفشل بحيث لا يتحمل الائتلاف الحاكم لوحده المسؤولية السياسية كاملة، هذه الفرضية، وان كانت تحتوي بعضا من الحقيقة، تبقى في نظرنا ضعيفة. ذلك أن السبسي لم يعترف صراحة بفشل الحكومة بل بالعكس اعتبر أن ” هذه الحكومة قامت بما يجب أن تقوم به حسب الإمكانيات المتوفرة لديها” و تحدث فقط على “صعوبات” تقف وراءها كثرة الاحتجاجات و التهديدات الإرهابية و الوضع الغير مستقر في ليبيا. من ناحية أخرى فان الاحتقان الاجتماعي و إن تواصل فانه لم يرتقي إلى المستوى الذي يعمق أزمة الحكومة و يجبر رئيس الدولة على تقديم مبادرة لإنقاذها.

إذا لم تكن المبادرة تفاعلا مباشرا مع ما حدث إلى حد ألآن، أي تجاوزا للفشل ومحاولة لتعميمه، فهل يمكن أن تكون استعدادا لما سيحدث، أي استباقا لأزمة خانقة قد تحدث في المستقبل القريب؟  

نصف الإجابة نجده في التصريح الذي أدلى به محافظ البنك المركزي على هامش الملتقى الذي نظمه المعهد العربي لرؤساء المؤسسات يوم الجمعة 03 جوان 2016 (مباشرة بعد حوار السبسي). بعد أن أشار إلى صعوبة الوضع الاقتصادي، اعتبر محافظ البنك المركزي أن تحرير الاقتصاد أصبح يمثل أكثر من أي وقت مضى الحل المناسب لتعبئة الموارد الخارجية الضرورية  لتمويل الإصلاحات و تغطية عجز الميزانية. هذا العجز، الذي في نظره يعود أساسا إلى تضخم كتلة الأجور، لن تتمكن الدولة من تغطيته سنة 2017 دون الحصول على قروض خارجية إضافية. هذا الخطاب ليس في الحقيقة إلا تبريرا لمزيد من التداين وما يصاحبه من  تطبيق للخيارات المملات من طرف المؤسسات المالية العالمية التي يبدو أن ضغوطاتها أصبحت أكثر جدية.    

تصبح الإجابة أكثر وضوحا بالرجوع إلى “رسالة النوايا (lettre d’intention)” الموجهة من طرف الشاذلي العياري محافظ البنك المركزي و سليم شاكر وزير المالية إلى كريستين لاغارد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي بتاريخ 2 ماي 2016. (هذه الرسالة التي وقع تسريبها كان من المفروض أن تنشر للعموم احتراما لأبسط مبادئ الشفافية و الديمقراطية). ليست هذه المراسلة الأولى بين الحكومة و صندوق النقد الدولي كما أنها لم تخرج عن الإطار العام لاملاءات صندوق النقد، إلا أن أهميتها تكمن في كونها تحمل في طياتها، و لأول مرة، التزامات واضحة و دقيقة و بآجال محددة. أي أن ما احتوته هذه الوثيقة هو برنامج مفصل للسنوات القليلة القادمة تبدو الحكومة بتركيبتها الحالية غير قادرة على تنفيذه. لذلك فإن تنفيذ هذا البرنامج يتطلب حكومة جديدة رسمت مبادرة قائد السبسي ملامحها الكبرى.

I-   رسالة النوايا: برنامج الحكومة المرتقبة

في هذه الرسالة تقدمت الحكومة بطلب لصندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 2,8 مليار دولار (تمت الموافقة على هذا القرض و تحصلت الحكومة في 24 ماي 2016 على 319 مليون دولار كدفعة أولى) مقابل الشروع في تطبيق “برنامج إصلاح اقتصادي و مالي” يمتد على أربع سنوات (2016-2020). وبمقتضى “بروتوكول الاتفاق الفني” تتولى مصالح صندوق النقد المراقبة المباشرة لسير و تنفيذ البرنامج و تقترح إجراءات تعديلية عند الضرورة. تكون المراقبة في شكل دورات سداسية (مرة كل ستة أشهر) حددت الأولى في 31 ديسمبر 2016 و الثانية في 30 جوان 2017.   

أما تفاصيل البرنامج الذي تلتزم الحكومة بتطبيقه فقد وردت في “مذكرة السياسات الاقتصادية و المالية” المتكونة من 34 صفحة والملحقة بالرسالة المذكورة. العنوان الأول (contexte économique) خصصته المذكرة لتوصيف الوضع الاقتصادي العام الذي يتسم بوجود بعض الصعوبات (مجرد صعوبات ؟؟؟ لا حديث عن أزمة حقيقية) المتمثلة أساسا في إنخرام التوازنات الاقتصادية الداخلية (ميزانية الدولة) و الخارجية (ميزان الدفوعات) و التي تعود حسب نفس الوثيقة (و كما عودنا الخطاب الرسمي) إلى كثرة الاحتجاجات الاجتماعية و التهديدات الإرهابية. في نفس العنوان أيضا أشارت المذكرة إلى “العوائق الهيكلية” التي تحد من «إمكانيات النمو في تونس”. وتتمثل هذه العوائق أساسا في ضعف إمكانيات تمويل الشركات و القيود القانونية ( التراخيص الإجبارية، القيود المفروضة على الاستثمار، غياب المنافسة….) وضعف مردودية الإدارة. كما لم يفت الوثيقة أن تذكرنا بما تسببه المؤسسات العمومية من خسائر لميزانية الدولة وهو ما يجعلها عائقا إضافيا أمام النمو. 

العنوان الثاني (objectifs et stratégie sous le programme )وهو الأهم، يحدد المحاور الرئيسية للبرنامج المزمع تنفيذه مع التأكيد منذ البداية على  أن “الطبيعة الشاملة و المتكاملة للإصلاحات المقترحة تتطلب تشاورا و توافقا وتنسيقا بين مختلف المتدخلين في الاقتصاد التونسيو هو ما ترجمه قائد السبسي سياسيا  بـ “حكومة وحدة وطنية يشارك فيها اتحاد الشغل و اتحاد الصناعة و التجارة”.  مع العلم انه ، حسب ما ورد في المذكرة، قد تم  إحداث وحدة خاصة داخل مؤسسة الرئاسة لمتابعة الإصلاحات. و تتمتع هذه الوحدة بكامل الصلاحيات (أية صلاحيات؟، من حددها ؟ ما هي صلاحيات الحكومة إذن في هذا الجانب ؟….) للتنسيق و العمل على تطبيق الإصلاحات المقترحة في الآجال المحددة. وإحداث مثل هذه الوحدة يمثل سطوا على صلاحيات الحكومة من طرف مؤسسة الرئاسة والبنك المركزي “المستقل” لتتحول الحكومة بوزرائها إلى أدوات تقنية للتنفيذ. أما المحاور الكبرى لهذا البرنامج والتي سنتناولها بالتفصيل فهي كالتالي: 

1-     دعم الاستقرار الاقتصادي:

يخص هذا المحور الإجراءات المستعجلة (المدى القصير) التي تهدف إلى”دعم الاستقرار الاقتصادي” و تتعلق هذه الإجراءات بسياسة الميزانية و السياسة المالية و سياسة سعر الصرف.

  • سياسة الميزانية: في هذا الباب يهدف البرنامج إلى الضغط على عجز ميزانية الدولة (دون اعتبار الهبات) إلى مستوى 2،4 % من الناتج المحلي الخام في حدود 2019 (مقابل 3،9 % حاليا) و المحافظة على نسبة التداين في حدود 51 % من الناتج المحلي الخام (53 % حاليا) وذلك أساسا عبر التخفيض في كتلة الأجور لتكون نسبتها في حدود 12،7 % من الناتج المحلي الخام سنة 2019 (مقابل 14 % حاليا). هذا إلى جانب إجراءات أخرى وقع عرضها في المحور الثاني و سنتناولها بالتفصيل.

في نفس الباب أشارت المذكرة إلى أن ميزانية 2016 سجلت “انحرافا طفيفا” مقارنة بالأهداف المرسومة نظرا للكلفة المرتبطة بمقاومة الإرهاب و الزيادة في الأجور و عجز الصناديق الاجتماعية (الربط بين هذه العناصر الثلاث ليس بريئا !!! ). كما تعهدت باتخاذ كل الإجراءات الإضافية (ما هي ؟) اللازمة لتعديل هذا الانحراف. أخيرا و لتغطية عجز الميزانية أكدت الوثيقة على أهمية التمويل الخارجي و في هذا الإطار ستنتفع ميزانية الدولة بقرض من البنك الدولي (550 مليون دولار) و قرض من البنك الإفريقي للتنمية (500 مليون دولار) إلى جانب هبة (96 مليون دولار) و قرض (492 مليون دولار) من الاتحاد الأوروبي. هذا بالإضافة إلى أن الحكومة تنوي الخروج على السوق المالية العالمية للحصول على قرض بقيمة 500 مليون دولار بضمانة أمريكية وهو ما يتعارض مع الهدف المرسوم المتمثل في التحكم في المديونية و يجعل من التخفيض في نسبة التداين مهمة مستحيلة.  

  • السياسة المالية: في هذا الباب أكدت الوثيقة أن البنك المركزي قد بدأ في تطبيق سياسة نقدية ملائمة تهدف أساسا إلى مقاومة التضخم (اختصار مهمة البنك المركزي في محاربة التضخم ؟؟؟) الذي يرتبط حسب نفس الوثيقة بتدهور قيمة الدينار وخاصة بالزيادة في الأجور (تحميل الأجراء كل المشاكل !!!). و لتحقيق هذا الهدف (الحد من التضخم) أكدت المذكرة على جملة من الأولويات أهمها:

أ‌-المصادقة على قانون يخص “النظام الأساسي للبنك المركزي”  (وهو ما تم فعلا في 11 افريل 2016) و يهدف هذا القانون إلى التأسيس لاستقلاليته و التأكيد على أولوية “استقرار الأسعار” كمهمة رئيسية له.

ب‌-تعزيز إطار السياسة النقدية اعتمادا على الدعم التقني لبنك فرنسا و صندوق النقد الدولي وقد تم في هذا السياق، في افريل 2016 ، إعداد  كتيب يحمل عنوان ” دليل إجراءات عمليات السياسة النقدية manuel de procédures des opérations de politique monétaire ” . هذا الدليل الذي سيدخل حيز التطبيق في جوان 2017 “يعقلن” النصوص القانونية المنظمة للسوق المالية ويحدد آليات و أشكال تدخل البنك المركزي. هذا  يعني أن مهمة تحديد السياسة المالية قد أوكلت لمؤسسات أجنبية و أن “استقلالية البنك المركزي” ليست في واقع الأمر إلا تحويلا لهذه المؤسسة (الهامة و الخطيرة) إلى مجرد فرع لصندوق النقد الدولي.

  • سياسة سعر الصرف : تهدف الإصلاحات المقترحة في المذكرة إلى الوصول تدريجيا إلى “سياسة صرف مرنة” أي سياسة تجعل سعر الصرف (قيمة الدينار بالعملة الأجنبية) متغيرا، ارتفاعا و انخفاضا، حسب مقتضيات السوق. يكفي فقط أن نذكر هنا أن كل النظريات الاقتصادية، بمرجعياتها المختلفة، تتفق أن عدم استقرار سعر الصرف لا يشجع الاستثمار المنتج بل يدفع نحو المزيد من المضاربة التي بدورها تعمق حالة عدم الاستقرار و تعيق أكثر الاستثمار المنتج. إلا أن القراءة المتأنية للوثيقة تبين أن المقصود بمرونة سعر الصرف ليس في الحقيقة إلا سعيا  إلى تعميق مسار تدهور قيمة الدينار مقارنة بالعملات الأجنبية (الدولار و اليورو أساسا). وهى مسألة هامة و خطيرة يجب أن نتوقف عندها بأكثر تفصيلا.

في الباب السابق (السياسة المالية) أكدت الوثيقة على تدهور قيمة الدينار معتبرة إياه احد الأسباب الرئيسية للتضخم.  إلا أن نفس الوثيقة تعود في هذا الباب (سياسة سعر الصرف)  لتؤكد، في تناقض صارخ مع ما سبق، أن سياسة الصرف في تونس تتسم “بالمغالاة surévaluation ” أي أن سعر الدينار(رغم التدهور المتواصل) مازال مرتفعا مقارنة بقيمته “الحقيقية”. لذلك تؤكد المذكرة على ضرورة التخفيض من قيمة الدينار لدعم المنافسة و تشجيع التصدير و ذلك بالحد من تدخل البنك المركزي في سوق الصرف و إضفاء مرونة أكثر على قوانين الصرف. يأتي هذا الإجراء استجابة لاملاءات صندوق النقد الذي جعل من التخفيض في قيمة العملة مبدأ و عنصرا ثابتا في كل الوصفات والبرامج المصاحبة لقروضه تحت غطاء تشجيع التصدير رغم أن كل التجارب تؤكد فشل مثل هذا الإجراء في تحقيق الهدف المعلن.

حتى و إن سلمنا بالمفعول الايجابي للتخفيض في قيمة الدينارعلى الصادرات فإن لهذا  الإجراء  انعكاسات سلبية، بل كارثية، تتمثل أساسا في: 

أ-يؤدي التخفيض في قيمة الدينار إلى ارتفاع أسعار المواد المستوردة (بالدينار) وهى في جزء هام منها مواد أولية و آليات تستعملها المؤسسات المحلية (الصغرى و المتوسطة خاصة). وهى ما يعني بالنسبة لهذه المؤسسات ارتفاعا في كلفة الإنتاج و إضعافا لقدرتها التنافسية (أمام الهجمة الشرسة للشركات الأجنبية الكبرى) قد يؤدي بها إلى الإفلاس و التوقف عن النشاط. و للتذكير فان هذا الإجراء (في إطار اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي) ساهم إلى حد كبير، بين 1996 و 2010 ، في تدمير ما لا يقل عن 55 % من المؤسسات الصناعية الوطنية و فقدان ما يزيد عن 300 ألف موطن شغل. المواصلة في نفس التمشي لن  تؤدي إذن إلا  إلى مزيد تدمير النسيج الاقتصادي الوطني و تعميق وضع البطالة و التهميش.

ب‌-جزء هام من المواد المستوردة مواد استهلاكية أساسية (غذائية و صناعية) يؤدي التخفيض في قيمة الدينار إلى ارتفاع أسعارها عند التوريد. النتيجة المباشرة هي ارتفاع الأسعار عند الاستهلاك و تسارع وتيرة التضخم و تدهور المقدرة الشرائية للشرائح الفقيرة و المتوسطة خاصة مع النزعة الواضحة نحو تجميد الأجور و الضغط على مستوياتها.

ت‌-يؤدي انخفاض قيمة الدينار إلى ارتفاع حجم الديون الخارجية بالدينار التونسي و بالتالي ارتفاع كلفة تسديد الديون و نسبتها في الميزانية العامة للدولة. لهذا تجد الدولة نفسها أمام ضرورة الضغط على نفقاتها للحفاظ على نسبة عجز مقبولة. ومن البديهي أن يشمل هذا الضغط أساسا النفقات الاقتصادية و الاجتماعية وهو ما يضعف قدرة الدولة على التدخل و دفع عجلة النمو الاقتصادي و يحرم شرائح اجتماعية واسعة من حقها في الخدمات الضرورية و أللائقة.  

ث‌-يؤدي تراجع قيمة الدينار إلى تزايد الطلب على العملات الأجنبية خاصة أمام الحرية الكاملة التي تتمتع بها الشركات الأجنبية لتوطين كل أرباحها. هذا الطلب المتزايد على العملات الأجنبية يرفع من قيمتها أي في المقابل يدفع إلى مزيد تدهور قيمة الدينار ليعيد إنتاج نفس الانعكاسات المذكورة أعلاه. هذا بالإضافة إلى تعميق عجز ميزان الدفوعات الخارجية.

رغم أن هذه الانعكاسات السلبية معلومة لدى الجميع بما في ذلك خبراء المؤسسات العالمية فإن صندوق النقد الدولي و فرعه المحلي في تونس (البنك المركزي) مازال متمسكا بضرورة التخفيض في قيمة الدينار وهو بذلك لا يخدم في حقيقة الأمر إلا مصالح الشركات المتعددة الجنسيات المتكالبة على مراكمة الأرباح و نهب ثروات الشعوب و الأمم المضطهدة. وهو ما يمكن أن نتبينه من خلال النقاط التالية:

أ‌-الشركات المتعددة الجنسيات تمسك حساباتها بالعملة الأجنبية (وليس بالدينار التونسي) فهي إذن تقدر تكاليفها و مداخيلها و أرباحها بنفس هذه العملة (الدولار و اليورو أساسا). لذلك فإن كل تخفيض لقيمة الدينار يقابله انخفاض في الكلفة المرتبطة بنشاطها في تونس مقدرة بالعملة الأجنبية و يجعلها أكثر تنافسية من المؤسسات الوطنية. على سبيل المثال يبلغ الأجر الأدنى في تونس حوالي 320 دينار أي، باعتبار سعر الصرف الحالي، ما يقارب 150 دولار أو 133 أورو. لنفترض انخفاضا في قيمة الدينار بنسبة 10 % مقارنة بالعملتين. في هذه الحالة حتى و إن حافظ الأجر الأدنى على نفس المستوى (320 دينار) فانه يتراجع إلى مستوى 134 دولار  و 119 أورو. و ينسحب هذا التحليل على باقي عناصر الكلفة مثل الطاقة و النقل و الاتصالات و التكوين و الأعباء الاجتماعية… أي انه كلما تراجعت قيمة الدينار كلما انخفضت الكلفة بالنسبة للشركات الأجنبية و يمكنها ذلك من فارق تنافسي مصطنع مقارنة بالشركات الوطنية التي كما هو معلوم تعتمد في حساباتها على الدينار التونسي.

ب‌-النقطة الثانية متعلقة بمسار التفويت في المؤسسات العمومية الذي سنتناوله في العنصر الموالي. ما يعنينا هنا أن تقدير القيمة المالية لهذه المؤسسات (سعر البيع أو التفويت) يقع تحديده أو تقييمه بالدينار التونسي. بالتالي، حسب نفس التحليل السابق، كلما كانت قيمة الدينار منخفضة كلما كانت قيمة هذه الشركات بالعملة الأجنبية منخفضة. أي أن تدهور قيمة الدينار ينتج عنه تدهور في قيمة الشركات المزمع التفويت فيها بالعملة الأجنبية و هو ما يجعل الشركات الأجنبية مؤهلة للاستيلاء عليها بكلفة متواضعة.   

2-  إصلاح المؤسسات العمومية:

في هذا المحور تلتزم الحكومة بتنفيذ برنامج إصلاح يشمل الوظيفة العمومية و الشركات العمومية والسياسة الجبائية و صناديق التقاعد و آليات الحماية الاجتماعية (الدعم و التحويلات الاجتماعية). وتهدف هذه الإصلاحات حسب المذكرة إلى تحسين مردودية المرفق العمومي و التحكم في نفقات الدولة.

في ما يخص إعادة هيكلة الوظيفة العمومية تلتزم الحكومة بالشروع بداية من شهر سبتمبر 2016 في تنفيذ خطة إصلاح تهدف أساسا إلى: إعادة النظر في مهام و وظائف الدولة،  التخفيض في عدد المشتغلين في الوظيفة العمومية، إعادة النظر في هيكلة الأجور و المنح و الضغط على كتلة الأجور لتتراجع إلى 12 %  من الناتج المحلي الخام سنة 2020 و إعادة النظر في آليات تقييم الكفاءة و المسار المهني للموظفين. و ستعتمد هذه الخطة على الإجراءات التالية:

  • تجميد الانتدابات في كل الوزارات على مدى السنوات الثلاث القادمة ما عدى وزارتي الدفاع و الداخلية. و يشمل هذا الإجراء حتى الشغورات الناجمة عن التقاعد.
  • الدخول بداية من 2017 (مع قانون المالية 2017) في برنامج للضغط على كتلة الأجور و حصر تطورها بنسبة التضخم وذلك عبر “عقلنة” و توحيد منظومة المنح (الخصوصية ومنح الإنتاج) و إلغاء الترقيات.
  • الشروع بداية من 2018 في برنامج للتشجيع على المغادرة الطوعية للموظفين.

من الواضح إذن أن المذكرة تختصر إعادة هيكلة الوظيفة العمومية في أمرين: التخفيض في عدد المشتغلين و الضغط على الأجور في الوظيفة العمومية. إذا أخذنا بعين الاعتبار استثناء وزارتي الداخلية و الدفاع فإن التخفيض في عدد المشتغلين سيمس بشكل رئيسي وزارات الخدمات مثل التعليم و الصحة و النقل و الثقافة … أو الخدمات التي تقدمها “الوزارات التقنية”( تأطير الفلاحين، التكوين المهني ، الإحاطة بالمنتجين الصغار…)  وهى مجالات تشكو في وضعها الحالي من شغورات و نقص كبير في الإطارات. بالإضافة إلى تراجع دور الدولة التشغيلي فان مثل هذا الإجراء لن يزيد إلا في تدهور هذه الخدمات و تردي جودتها و بشكل غير مباشر خوصصتها و فتحها أمام الرأسمال الخاص بما في ذلك الأجنبي كمجالات لتحقيق الأرباح. 

أما الإجراء الثاني المتمثل في تجميد الأجور في الوظيفة العمومية فيرتكز أساسا على مقاربة صندوق النقد الدولي (وهى مقاربة صحيحة) التي تفيد أن  أجور القطاع العام  تشكل مرجعية لأجور القطاع الخاص. هذا يعني انه كل ما ارتفعت الأجور في القطاع العام إلا و ارتفعت بالضرورة الأجور في القطاع الخاص. أي، قياسا، إذا أردنا الضغط على الأجور في القطاع الخاص و المحافظة على مستوياتها المتدنية لا بد من تجميد الأجور في القطاع العام. وهذا لا يخدم طبعا إلا مصلحة الشركات الرأسمالية الأجنبية التي تستثمر في القطر و الرأسمال المحلي الطفيلي الذي يستثمر في إطار المناولة لحساب هذه الشركات وأساسا ضمان الربح السهل في المجالات التي ستنسحب منها الدولة.

في علاقة بالمنشآت العمومية، تلتزم الحكومة بمواصلة برنامج إعادة الهيكلة الذي انطلق في أكتوبر 2015. وسيقع بداية من جانفي 2017 إحداث “وكالة للتصرف في مساهمات الدولة” مهمتها متابعة برامج إعادة هيكلة المؤسسات العمومية (بما في ذلك البنوك العمومية). و يشمل هذا البرنامج في بدايته المؤسسات الخمس الكبرى وهى: الشركة التونسية للكهرباء و الغاز، الشركة التونسية لصناعات التكرير، ديوان الحبوب،  الخطوط التونسية  و الوكالة الوطنية للتبغ. ويهدف برنامج الهيكلة إلى إعادة النظر في وظيفة “الدولة – المساهمة ” و هو ما يعني تحويل الدولة من مالك إلى مجرد مساهم في المنشآت العمومية إلى جانب مساهمين آخرين. كما يهدف البرنامج إلى تحديد القطاعات الغير إستراتيجية (من يحددها ؟) التي سيقع إقرار انسحاب الدولة منها. إذن، ما يسمى ببرنامج “إعادة هيكلة المؤسسات العمومية” ليس في حقيقة الأمر إلا الخطوة التي تسبق خوصصتها و التفويت فيها لصالح شركات الرأسمال الاستعماري العالمي.

من جانب أخر تلتزم الوثيقة بمواصلة برنامج إصلاح منظومة دعم الطاقة وذلك أولا عبر اعتماد مبدأ التعديل الآلي لأسعار المحروقات  بداية من ماي 2016  على أن يكون هذا التعديل مرة كل ثلاثة أشهر بداية من جويلية 2016 ليصبح شهريا بداية من جانفي 2017. وليس هذا التعديل إلا تحريرا تدريجيا لأسعار المحروقات ينتهي بإخضاع المقدرة الشرائية للمواطنين و الكلفة الإنتاجية للمؤسسات لتقلبات الأسواق العالمية للمحروقات المحكومة بمنطق المضاربة. ويكتمل هذا البرنامج بمراجعة دعم استهلاك الكهرباء بداية من 2017 في اتجاه إلغائه تدريجيا وهو ما سينعكس سلبيا على المقدرة الشرائية لعموم المواطنين.

في باب إصلاح المنظومة الجبائية ركزت المذكرة على الجانب التقني  المتمثل في إرساء إدارة جبائية عصرية و شفافة. كما اعتبرت الوثيقة أن إصلاح المنظومة الجبائية يهدف إلى تنمية موارد الدولة و العدالة و الشفافية إلا أن الإجراءات المقترحة تتناقض تماما مع الأهداف المعلنة و خاصة مع مبدأ العدالة الجبائية. ذلك أن الإصلاح الجبائي، حسب ما ورد في المذكرة يقوم على الترفيع في الأداء على القيمة المضافة و توسيع قاعدته يقابله تخفيض تدريجي في المعاليم الديوانية  وتخفيض في الأداء على الشركات (مشروع مجلة الاستثمار) مع توحيده بين مختلف المؤسسات (الموجهة للسوق الخارجيةoffshore  والموجهة للداخل onshore ) و يأتي هذا “الإصلاح” في تناغم تام مع إملاءات صندوق النقد الذي يرى في تقرير له لسنة 2012 “أن الضغط الجبائي على المؤسسات مرتفع نسبيا في تونس و أنه من الممكن أيضا الترفيع من مردود الأداء على الاستهلاك. بالتالي فإن تخفيضا في الأداء على أرباح الشركات تقابله زيادة في نسبة الأداء على القيمة المضافة مع توسيع قاعدته يمكن أن تكون حافزا للنمو.”

خدمة لمصالح الرأسمال العالمي تلتزم الحكومة أذن بالتخفيض في المعاليم الديوانية و الأداء على أرباح الشركات وهو ما سينعكس سلبا على موارد ميزانية الدولة. لتعويض النقص الحاصل وعملا بتوصيات صندوق النقد تلتزم الحكومة في المقابل بالترفيع في الأداءات الغير مباشرة و خاصة الأداء على القيمة المضافة. هذا النوع من الأداء وان كان لا يمس مباشرة الدخل أو الأجر فهو ينعكس في شكل ارتفاع في أسعار السلع و الخدمات وهو ما يعني تدهور المقدرة الشرائية للشرائح المتوسطة و الضعيفة خاصة. هذا طبعا بالإضافة إلى أن التخفيض في المعاليم الديوانية سيدفع نحو إغراق السوق بالبضائع الأجنبية و مزيد تدمير النسيج الإنتاجي الوطني وما بصحبه من توسيع لدائرة البطالة و التهميش.

في نفس المحور تشير المذكرة إلى أن تطبيق هذه الإصلاحات لا بد أن يقترن بوضع “نظام حماية اجتماعية أكثر توجيها” وذلك حسب الأولويات التالية:

  • منظومة “للتوجيه و الترشيد” تعتمد على بنك معطيات حول “العائلات المعوزة” يقع استكماله في مارس 2017 على أقصى تقدير لضبط و تحديد قائمات المنتفعين بالمساعدة الاجتماعية(assistance sociale ) وتهدف إلى ترشيد “آليات الحماية الاجتماعية (filets de sécurité sociale)”.ومن بين هذه الآليات منظومة دعم المواد الأساسية وهو ما يحيلنا إلى ما حاولت حكومة التكنوقراط تمريره أثناء الحوار الاقتصادي تحت غطاء “ترشيد الدعم و توجيهه إلى مستحقيه” أي إلغاء الدعم وتعويضه بتحويلات مالية للمستحقين أي “العائلات المعوزة”. طبعا تتكفل الإحصائيات الرسمية و خبراء السلطة بتضييق دائرة “المستحقين” و تحديد التحويلات المالية في أدنى المستويات الممكنة.  لكن، حتى و إن اعتبرنا أن “العائلات المعوزة” لن تتضرر من هذا الإجراء فإن شريحة واسعة من الموظفين و الأجراء و ضعاف الدخل ستشهد تدهورا واضحا لمقدرتها الشرائية خاصة مع التوجه المذكور سابقا لتجميد الأجور. أخيرا، يبدأ العمل بهذا الأجراء بداية من شهر جوان 2017 وينسحب “التوجيه و الترشيد” أيضا على المضمونين الاجتماعيين و المنتفعين ببطاقات العلاج.
  • منظومة تقاعد أكثر مردودية و متوازنة ماليا تعتمد في مرحلة أولى على تأخير السن القانونية للتقاعد (وهو ما تم إقراره فعلا وعارضه اتحاد الشغل بشدة). كما سيقع، مع بداية 2017 ، الشروع في إصلاح شامل لمنظومة التقاعد يقوم على مراجعة معايير احتساب جرايات التقاعد و نسب المساهمات الاجتماعية.    

3-     إصلاح القطاع المالي:

بعد التذكير بالتقدم الحاصل و المتمثل أساسا في إعادة رسملة البنوك العمومية و المصادقة على قانون النظام الأساسي للبنك المركزي وعرض قانون البنوك عل مجلس النواب تؤكد المذكرة على التزام الحكومة بالإسراع في إصلاح القطاع المالي و البنكي  الذي يرتكز في جزئه الأهم على إعادة هيكلة البنوك العمومية الثلاثة (بنك الإسكان، البنك الوطني الفلاحي، الشركة التونسية للبنك). في هذا الإطار تلتزم الحكومة بالشروع في تنفيذ برنامج إعادة الهيكلة في جوان 2016 . على المدى المتوسط تسمح الدولة بدخول “شركاء تقنيين و استراتيجيين” في البنوك العمومية الثلاثة وذلك ببيع جزء هام من حصصها في هذه البنوك تحت غطاء “دعم الخبرة البنكية داخل هذه المؤسسات و تحسين حوكمتها”. أما بالنسبة لحصص الدولة في بنوك أخرى فسيتم التفويت فيها كليا.

من الواضح إذن أن إعادة هيكلة البنوك العمومية لا تعني في نهاية المطاف سوى خوصصتها أي فقدان الدولة لأحد أهم أدواتها للتدخل في العملية الاقتصادية. وإذا ما اعتبرنا قانون “النظام الأساسي للبنك المركزي” فان هذه “الإصلاحات” ستؤدي إلى تجريد الدولة من أدواتها الماليّة وتضييق خياراتها للتمويل الذاتيّ، ويؤكّد التوجه الاقتصاديّ والمالي القائم على الفصل التام بين السياسة النقديّة والسياسات المالية والاقتصاديّة للدولة بما يتطابق مع إملاءات صندوق النقد الدولي.

4-      الإصلاحات الهيكلية:

في إطار هذا المحور تهدف الإصلاحات المبرمجة إلى إرساء”مناخ أعمال سليم” لدفع القطاع الخاص “كمحرك للنمو و التشغيل” و ذلك عبر المصادقة و الوضع حيز التطبيق في موفى سبتمبر 2016  للنصوص التطبيقية المتعلقة بالقوانين التالية:

  • قانون المنافسة الذي تمت المصادقة عليه في سبتمبر 2015 ويهدف إلى توسيع المنافسة و الحد من تدخل الدولة
  • قانون الشراكة بين القطاع العام و الخاص الذي تمت المصادقة عليه في نوفمبر 2015
  • مجلة الاستثمارات الذي من المنتظر أن تقع المصادقة عليه قبل سبتمبر2016. تهدف المجلة إلى وضع إطار قانوني يوفر “أكثر حماية للمستثمرين” و يدعم حرية الاستثمار عبر الإلغاء التدريجي (على مدى خمس سنوات) للتراخيص القانونية المفروضة على بعض الأنشطة. كما تهدف إلى توسيع دائرة الامتيازات المالية و التخفيض في نسب الأداء على أرباح الشركات تحت غطاء تشجيع الاستثمار (سنعود على تفاصيل مجلة الاستثمار في مقال قادم).

في نفس المحور تلتزم الحكومة بـ “الحد من الحواجز التي تعيق حسن سير سوق الشغل” استنادا إلى مخرجات “الحوار الوطني حول التشغيل” المنعقد في مارس 2016. وإن لم تقدم المذكرة تفاصيل ضافية في هذا الباب فإن “حسن سير سوق الشغل” لا يعني سوى تحريره و إخضاع التشغيل و التأجير إلى منطق “العرض و الطلب” أي ما يعبر عنه في تقارير و وثائق المؤسسات المالية العالمية بمصطلح “مرونة التشغيل”. في جوهرها تعني “مرونة التشغيل” التخلي عن كل القوانين و التشريعات التي تحمي حقوق العمال و تحدد ساعات العمل الأسبوعية و الأجر الأدنى وتضمن حقوقهم في حالات الطرد أو التسريح……أي أن “مرونة التشغيل” تهدف إلى  تمكين المؤسسة من حرية تحديد عدد المشتغلين وعدد ساعات العمل بحسب تغير الطلب بما يسمح للمؤسسة بالتحكم في كلفة التشغيل والتقليص في عدد المشتغلين في صورة “الهيكلة الاقتصادية أو الفنية للمؤسسة” والى توزيع ساعات العمل على امتداد السنة والى تحديد الأجر من خلال “مقاربة تعتمد على الكفاءة” (مقولة ربط الأجور بالإنتاجية) وإلى “ملائمة الأجور مع الوضع الاقتصادي للمؤسسة”. هذا إلى جانب توسيع دائرة تخفيف الأعباء الاجتماعية ليشمل الأعباء الغير مباشرة مثل الأداء على التكوين المهني والسكن الاجتماعي والتأمين الجماعي وحوادث الشغل والأمراض المهنية ووسائل ومعدات المخاطر المهنية. كما تهدف “مرونة التشغيل” إلى تغيير الإطار القانوني المتعلق بالانتداب وذلك باعتماد عقود العمل القصيرة المدة و تعميم آلية المناولة في التشغيل و أخيرا إضعاف قاعدة التّفاوض الجماعي وتقليص مجاله في حدود المؤسّسة الواحدة (ضرب مبدأ التفاوض القطاعي). مثل هذه الإجراءات لن يؤدي إلا إلى مزيد تفقير الأجراء  و تدهور ظروف عملهم  و تفشي البطالة (ذلك حاجيات المؤسسات سيقع سدها عن طريق التمديد في ساعات العمل بدل الانتدابات الجديدة) و تفشي أشكال العمل الهش (المناولة، العقود الوقتية….).

II-         حكومة “الوحدة الوطنية ” أو استباق الأزمة:

مما لا شك فيه أن الأزمة و الفشل هي السمات الرئيسية للحكومة الحالية. فهذه الحكومة، نتيجة لتبنيها نفس الخيارات القديمة،  فشلت  في إيجاد حلول حقيقيّة وجذرية لمعضلة البطالة، والتنمية الجهوية، وتراجع الاستثمار واستشراء الفساد وتدهور الخدمات الأساسيّة و غلاء الأسعار و العديد من المشاكل المتعلقة بالحياة اليومية للتونسيين وهو ما يفسر تواصل حالة الاحتقان و تواتر الاحتجاجات الاجتماعية.

هذه الحكومة فاشلة أيضا من وجهة نظر المؤسسات المالية العالمية (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي) ذلك أنها لم تتمكن إلى حد الآن من تمرير كل إملاءات هذه المؤسسات  بالوتيرة المطلوبة. ومع تزايد ضغط هذه المؤسسات – خاصة بعد تحويل البنك المركزي إلى مجرد فرع لصندوق النقد- وفرضها لجملة من الإجراءات لن تعمق إلا واقع الأزمة، تبدو الحكومة بتركيبتها الحالية عاجزة تماما عن تطبيق هذه الإصلاحات و التعامل مع أزمة ستكون أكثر اتساعا و حدًة.

في هذا الإطار تأتي مبادرة السبسي لتشكيل “حكومة وحدة وطنية” تضم إلى جانب أحزاب الائتلاف الحاكم  وجوبا الاتحاد العام التونسي للشغل و اتحاد الصناعة و التجارة و”أحزاب المعارضة إن رغبت في ذلك”. و عبارة “إن رغبت في ذلك” تفيد أن أحزاب المعارضة ليست معنية بشكل رئيسي و أن ما قصده قائد السبسي بحكومة “وحدة وطنية” ليس إلا حكومة “الائتلاف الحاكم زائد اثنين” ، أي الائتلاف الحاكم بأغلبيته البرلمانية القادرة على تمرير كل القوانين و الإجراءات و المنظمتين (منظمة الأعراف و اتحاد الشغل) كضمان للتهدئة أو الهدنة الاجتماعية التي طالبت بها كل الحكومات المتعاقبة بعد الثورة دون النجاح في تحقيقها. و لهذا اعتبر قائد السبسي أن شرط نجاح المبادرة يكمن في انضمام المنظمتين إليها.

من خلال ما ورد في رسالة النوايا و المذكرة المصاحبة لها يمكن أن نتبين حجم الانعكاسات السلبية للخيارات المزمع تنفيذها على شرائح اجتماعية واسعة. فإلى جانب توسيع دائرة البطالة و التهميش قد تدفع هذه الخيارات أغلبية الموظفين و الأجراء إلى دائرة الفقر المدقع نتيجة لتدهور مقدرتهم الشرائية (تدهور الدينار، غلاء الأسعار، تجميد الأجور، تزايد الضغط الجبائي..) و حرمانهم من الخدمات الاجتماعية الأساسية. بل أن حتى المكاسب الاجتماعية (الحق في الشغل اللائق، الضمان الاجتماعي، التقاعد… ) التي كلفت الشغالين نضالات مريرة أصبحت مهددة بشكل جدي و مباشر. كل هذا سيدفع ضرورة إلى مزيد من الاحتقان وإلى توسيع دائرة الاحتجاجات الاجتماعية. ولكن الأهم و الأخطر، من وجهة نظر التحالف الحاكم، أن مثل هذا الوضع قد يفرز تحالفا بين الموظفين و الأجراء وجيش المعطلين عن العمل يكون اتحاد الشغل موضوعيا مهيأ لتأطيره (على غرار ما حصل في جانفي 1978 ). لهذه الأسباب تبدو مشاركة الاتحاد في “حكومة الوحدة الوطنية” مهمة بل مصيرية بالنسبة للتحالف اليميني الحاكم. ذلك أن هذه المشاركة (أي التزام قيادة الاتحاد بالهدنة الاجتماعية) حتى و إن كانت غير كافية لمنع الاحتجاجات فإنها تشرع لقمعها بحجة ” عدم شرعيتها و مخالفتها للقانون”. كما أن مشاركة الاتحاد و دعمه لحكومة”الوحدة الوطنية” قد ينتج صراعا داخله يضعفه و يحد من قدرته على التعبئة و التأطير و هو ما تسعى إليه أحزاب التحالف الحاكم و خاصة حركة النهضة.      

أما بالنسبة لاتحاد للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية فبرغم انه يحظى بتمثيلية برلمانية وكان منذ الحوار الوطني ممثلا و لو بشكل غير مباشر في الحكومة فإن تواجده بشكل علني في “حكومة الوحدة الوطنية” المرتقبة يكتسي أهمية بالغة. أولا، لأن مشاركة منظمة الأعراف في الحكومة يعطيها شيئا من “الشرعية” و يبعد عنها شبهة المحاصصة الحزبية. أما ثانيا، وهو الأهم، فإن اتحاد الصناعة و التجارة، رغم هيمنة الكمبرادور الطفيلي على هياكله القيادية و أهم مفاصله، يضم في صفوفه شرائح مختلفة تتعارض مصالحها ولن تتأثر بنفس الشكل ولا بنفس الدرجة بسياسات الحكومة المرتقبة.

فإذا كانت الخيارات المزمع تطبيقها تخدم مصالح سماسرة التوريد و التصدير و المناولين لحساب الشركات العالمية فان نفس هذه الخيارات تهدد مباشرة  طيفا واسعا من المؤسسات الصغرى و المتوسطة المرتبطة أساسا بالسوق الداخلية. وكما بينا سابقا فان العديد من الإجراءات  الواردة في المذكرة (التخفيض في قيمة الدينار، التخفيض في المعاليم الديوانية، تحرير الاستثمار…) تعيق نشاط هذه المؤسسات و تجعلها أمام المنافسة الغير متكافئة للشركات العالمية الكبرى خاصة مع النزعة نحو التحرير الكلي للمبادلات التجارية. وهو ما يعني أن هذه المؤسسات الصغرى و المتوسطة  الناشطة في قطاعات هامة (النسيج و الملابس، الجلود و الأحذية، البلاستيك، الخزف و البلور…) ستجد نفسها أمام شبح الإفلاس و التوقف عن النشاط. هذا بالإضافة إلى أن شرائح أخرى من منظوري منظمة الأعراف (حرفيين، صغار التجار، مهن حرة صغرى…..) لن تكون خارج دائرة التدهور الحاد للمقدرة الشرائية. من هذا المنطلق تبدو مشاركة منظمة الأعراف في الحكومة المرتقبة ضرورية (بالنسبة للتحالف الحاكم) تفاديا لاحتجاج جزء من منظوريها و دعما للهدنة الاجتماعية المنشودة.      

أما بالنسبة للأحزاب السياسية (أحزاب المعارضة) فعبارة “إن رغبت في ذلك” الواردة على لسان رئيس الدولة تفيد إنها غير معنية بشكل رئيسي بالمبادرة الموجهة أساسا للمنظمتين كضمان حقيقي للهدنة الاجتماعية. ففي تقدير التحالف الحاكم فان جزءا أولا من هذه الأحزاب (التي عبر بعضها عن مباركته للمبادرة) ضعيف من حيث وزنه السياسي وغير قادر على حمل الإضافة المرجوة بل أن تشريكها في الحكومة سيزيد مسالة توزيع الحقائب الوزارية تعقيدا.  لذلك نرى أن تشريك هذه الأحزاب يبقى واردا فقط في حالة عدم مشاركة المنظمتين وأن تشريكها في المشاورات يدخل في باب المناورة لا غير.

أما الجزء الثاني، المتمثل أساسا في أحزاب الجبهة الشعبية، فيمكن الجزم أن رئيس الدولة كان متيقنا مسبقا من رفض الجبهة الشعبية لمبادرته. لذلك و في علاقة بالجبهة الشعبية فان مبادرة السبسي كانت تهدف أساسا إلى سحب البساط من تحت مبادرتها و عزلها و إبرازها في موضع “الرافض لكل شيء” و المعارض للوحدة الوطنية “المقدسة”  .وهنا لا يجب أن ننسى تلك الاتهامات المباشرةالتي وجهها رئيس الدولة ورئيس الحكومة للجبهة الشعبية بأنها تقف وراء تأجيج عدد من التحركاتوالاحتجاجات آخرها في قرقنة.

إلى حد الآن لا تبدو الحكومة الموعودة واضحة المعالم فباستثناء الجبهة الشعبية التي كان رفضها واضحا مازالت مواقف بقية الأطراف غامضة. اتحاد الشغل أعلن على لسان أمينه العام بأنه يدعم  مبادرة تكوين حكومة وحدة وطنية دون أن يشارك فيها و هو موقف غامض (ويزيده غموضا مشاركة الاتحاد في المشاورات) ما لم نتبين بوضوح ما المقصود بدعم حكومة الوحدة الوطنية. مثل هذا الموقف قد يكون محاولة من قيادة الاتحاد لتفادي مساعي البعض لعزلها و حشرها في الزاوية كما يمكن أن يحيل إلى أن مسالة المشاركة في الحكومة من عدمها ما زالت لم تحسم بشكل نهائي. لكن من الأرجح أن قيادة الاتحاد، تحت ضغط قواعده، لن تغامر بالمشاركة في الحكومة أو حتى دعمها بشكل واضح  خاصة وأنها سبق في العديد من المناسبات وأن  وضعت شروطا للهدنةالاجتماعية وفي مقدمتها تقاسم التضحيات بين الجميع وهي مسألة تتعارض تماما مع خيارات و برامج الحكومة.

أما بالنسبة لمنظمة الأعراف فقد صرحت رئيستها أنها تدعم مبادرة حكومة الوحدة الوطنية وتعتبرها تستجيب لمتطلبات الوضع الحالي أما بالنسبة للمشاركة من عدمها فالمسألة موكولة للمكتب التنفيذي. مما لا شك فيه أن برامج و خيارات الحكومة المرتقبة تتوافق تماما مع تصورات قيادة منظمة الأعراف إلا أن المشاركة المعلنة في هذه الحكومة ليست بديهية والأرجح أن المنظمة ستكتفي بالضغط لتعين أسماء في وزارات معينة. ذلك أن قيادة منظمة الأعراف لن تغامر بتحمل مسؤولية أزمة مرتقبة وإسقاط صورة “المنظمة المحايدة” و”الغير معنية بالحكم” و “الراعية للمصلحة الوطنية” التي سوقت لها منذ الحوار الوطني. وتبدو مشاركة منظمة الأعراف مستبعدة أكثر في صورة عدم مشاركة اتحاد الشغل حتى لا تجد قيادة المنظمة نفسها في وضع سيء تواجه فيه في نفس الوقت  اتحاد الشغل و شرائح من منظوريها المتضررين من أزمة قد تخلق تحالفا موضوعيا بين الطرفين.

من المستبعد أذا أن تكون “حكومة الوحدة الوطنية” على الشكل الذي أرادته مبادرة قائد السبسي و على الأغلب أنها ستحافظ على تركيبتها الحالية مع إمكانية (ضعيفة) لتوسيعها لتضم أحزابا أخرى و اكتفاء المنظمتين بالدعم دون المشاركة الفعلية. لكن المؤكد إن هذه الحكومة، بالخيارات التي تنوي تطبيقها، لن تزيد إلا في تعميق واقع الأزمة و الفشل و قد تجد نفسها في مواجهة احتجاجات اجتماعية واسعة سيكون القمع المباشر خيارها الوحيد في التعامل معها. هذا القمع الذي شرع له رئيس الدولة في الحوار التلفزي المذكور. في تقييمه لعمل الحكومة اعتبر قائد السبسي أن نقطة ضعفها الرئيسية تكمن في عدم تطبيق القانون بصرامة و غياب الحزم في التعاطي خاصة مع المعتصمين في الحوض ألمنجمي و المحتجين في قرقنة. كما اختصر الديمقراطية في حرية التعبير في البرلمان أي التسليم بمنطق الأغلبية الحاكمة، أما الاحتجاجات فهي تعرقل البناء الديمقراطي وبالتالي وجب قمعها باسم الديمقراطية و دفاعا عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق