تحاليلتونس

تونس: الحبيب الصيد، الَسقطة والإسقاط والسقوط…

نصرالدين بن حديد:

   لا يمكن٬ بل يستحيل على الباجي قائد السبسي أن يفهم ويستبطن أّن الدستور الحالي للبلاد٬ لم يجعل منه «صورة بورقيبة» على الأرض أو «صرامة بن علي» في بلاد .في المقابل٬ وحين نكتفي بتحليل الصور التي جمعت الحبيب الصيد بالباجي قائد السبسي٬ نتيقن بما لا يدع للشّك٬ أن السيّد «رئيس الحكومة» لم يفهم هو الأخر ولم يستبطن أّن الدستوري الحالي٬ رفعه من رتبة «الوزير الأوّل» الخانع والمطيع٬ بل الذليل زمن بن علي٬ إلى «شريك فعلي وفاعل» في الحكم٬ بل هو «أرفع قيمة» (على مستوى النفوذ) من «ساكن قرطاج»…

الأزمة السياسيّة القائمة والماثلة أمامنا٬ في جزء منها٬ تأتي وتتجّسد في ذلك «التناقض» (المرضي) بين «الواقع» (بحكم الدستور والقوانين)٬ مقابل «الإرث القائم» (في العقول والنفوس)٬ بين رئيس يستبطن «جبروت الماضي» مقابل «رئيس حكومة» لم يغادر «انحناءات» (هذا) «الماضي»…

هذه القراءة المغلوطة أو هو «التباين» (المرضي) بين «واقع الدستور» مقابل «الأمر الواقع»٬ جعل مسألة «حكومة الوحدة الوطنيّة»٬ وما تلاها أو تستلزم من «إقالة/استقالة» (سي) الحبيب الصيد٬ تتخذ أبعادها «الدنكشوطيّة»٬ بين رئيس دولة يعلن «تشكيل الحكومة» (أو هو المشروع) خارج صلاحيته الدستوريّة٬ مقابل «رئيس حكومة» اكتفى (إلى حّد الساعة) بما هو «أضعف الأيمان» أّي المراوحة بين الصمت والاستنجاد (الطوباوي) بأغنية لطفي بوشناق «خذوا الكراسي»٬ كأّن الرجل تحوّل (سيكولوجيا) ذلك «الشاب المناضل» القادم من أعماق الريف يرتدي قميش «شي غيفارا» رافًعا القبضة ومناديا بإزالة (هذه) «الدولة العميلة»!!!

العارفون بالخطوط العريضة للدستور التونسي الحالي٬ يدركون أّن الطبقة السياسيّة وكذلك البلاد٬ ليس في استقالة» (سي) الحبيب الصيد. فقط٬ هو الجهل٬ بل التجاهل٬ إن لم نقل أو هو الجزم٬ أّن الدستور (على حاجة إلى مثل هذا الهرج وهذا المرج٬ سواء بشأن «حكومة الوحدة الوطنيّة» (هذه)٬ أو ما هو «إقالة/ مستوى الوعي السياسي والادراك المباشر) لا يزال (مجرّد) «حبرا على ورق»…

الأزمة تتجاوز ما هو «تنابز» بالألقاب٬ وكذلك هجومات صريحة أو هو التلميح الذي لا يحتاج إلى توضيح:

طبقة سياسيّة٬ متبوعة بذيولها الإعلاميّة٬ تتعامل مع «المعادلة»٬ وفق «منظار إقطاعي» أو هي «صراع مافيات»…

تحوّلت المسألة أو هي المعادلة٬ من أبعادها الدستوريّة ومستواها القانوني٬ إلى «عناد شخصي»٬ أو هو إصرار على «إخراج» الطرف المقابل من اللعبة٬ مقابل (سي) الحبيب الصيد الذي يريد أن يبقى (أشبه بما هو «شرشبيل السنافر) إلى «أخر يوم في حياته» (القانونيّة)…

تحوّلت البلاد من «دولة القانون والمؤّسسات» وما هو (لغة) تلك «الديمقراطيّة الناشئة» إلى «تصفية حسابات مفتوحة»٬ بل صريحة ومعلنة. صحيفة تخرج على الملإ بمقال مديح فيه مبالغة فوق مبالغة المبالغين٬ في مدح (سي) «سليم شاكر»٬ بل صار «الفرصة التي لاُتعاد»٬ في حين اكتفى «أخرون» (من المتسابقين نحو قصر القصبة) بالإشارة إلى صحفي الذي أشار هو الأخر أّن (سي) «فلان» ضمن «المعنيين» بما هو «السباق» نحو القصبة.

مشهد سريالي٬ عبثي٬ بل هي كوميديا سوداء: بلد في عزّ الأزمة٬ حين انسّد الأفق السياسي٬ وصار الاقتصاد إلى تدهور٬ بدليل «هبوط الدينار»٬ في حين تتلّهى «النخبة السياسيّة» الحاكمة بما «تيّسر» من «افتتاح المقاهي» (الفخمة بالتأكيد) أو هو «الركض بين المنابر الإعلاميّة»…

يبدو يقيًنا:

ليس فقط عجز «الطبقة السياسيّة» (الحاكمة بالأساس) عن «إيجاد الحلول»٬ فقط هي تسعى وتعمل٬ بل لا تتوقف عن البحث عن «مصالحها»٬ سواء النهضة٬ التي تحاول استغلال الفرص القائمة أمامها أكثر من صناعة الفرص٬ أو النداء (برئاسة الباجي) الذي لا ينفّك عن «التحرّك» (دون تنسيق) في الاتجاهات جميعها…

الحبيب الصيد يبدو (ظاهًرا) رأس الأزمة٬ لكنّها (أي الأزمة) تتجاوزه٬ لتكون أشبه بجبل الجليد المتخّفي تحت مياه السياسة «الحارقة» في تونس.

الباجي بالغ في اعتبار الصيد٬ مجرّد «موظف سام» مهّمته «الطاعة والتنفيذ» وكذلك «الانحناء» وإظهار الولاء في العلن٬ إن لم نَُقْل المبايعة والامتثال.

الحبيب الصيد٬ الذي اكتشف أن من «يلعبون في الساحة» ليسوا أفضل منه٬ أوّلا٬ وكذلك (وهذا الأهّم) ينظرون إليه (جماعة النداء) في الصورة التي صنعها الباجي له.

حينها٬ جاءت القطيعة٬ وحان زمن «الثورة» على القيم «البالية»: شرب الصيد حليب «السباع»٬ وأصبح يعلن على الملإ أنّه ليس ذلك الذي «يعمل خارج الدستور»…

هو صراع مرير٬ وكسر عظم٬ بين منظومة الباجي ومن معه٬ التي لم تغادر منطق بورقيبة وعقل بن علي٬ مقابل «استفاقة الأسد المخدوع»٬ الذي عبّر عن هذه الاستفاقة عبر «أغنية ثوريّة»…

مهزلة أخرى٬ تنضاف إلى المهازل السابقة: صراع مفتوح بين رأسي السلطة التنفيذيّة٬ في حين تأتي النهضة المستفيد الأوّل بل الأكبر من مزيد تفتّت المشهد السياسي أمامها٬ مّما دفعها للخروج من «خلوتها» (الأخلاقيّة) والقطع مع منطق «التعّفف» السياسي٬ ومن ثّمة العمل بمبدأ «عدم نسيان النصيب من السياسة»…

بقدر ما تبغي الديمقراطيّة «نظريّا» جعل التوافق تاما والتماثل كاملا٬ بين ظاهر اللعبة السياسيّة وباطنا٬ بقدر ما تسعى الطبقة السياسيّة برمتها الذهاب بهذا الواقع٬ نحو «ظلمات» المجالس الخاصّة وضبابيّة «التوافق» (المغشوش)٬ لنكتشف بمرور الزمن أنّنا نعيش (حقيقة وليس تشبيها) زمن «المافيات»٬ التي لا تبحث عن «الديمقراطيّة»٬ بقدر ما هي تسعى وتعمل وتجتهد بغية «السلم الأهليّة» التي تجعل «دولابها يدور»٬ أّي «الأمن عوض الديمقراطيّة»…

حكومة الوحدة الوطنيّة ستتكّفل بذلك….

 

المصدر: ”جدل ”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق