تحاليلتونس

في الدفاع عن الدولة الوطنية

الصياح الوريمي:

 

      ما غاب عن كثير المتابعين للشأن السياسي في تونس ان حركة نداء تونس انتصرت في الانتخابات الاخيرة ليس لانها حزب سياسي تقليدي بل لانها اداة انقاذ الدولة التونسية. هكذا رآها ناخبوها واختاروها لاجل هذا الهدف حتى دون ان يدرك ذلك قياديوها و ناشطوها انفسهم, والا ما كانوا ليتنازعوا و ينفضوا من حولها. وهذا كان المعنى الحقيقي للتصويت المفيد الذي نادينا له وانخرط فيه الناخب الندائي دون تعقيدات.
لكن لماذا كانت الدولة التونسية مهددة و كيف وصلت الى ان تصبح مهددة؟
لم يعد احد من العاقلين يشك ان مخططا حيك وحبك منذ سنوات خلت و بالتحديد منذ عدوان «التحالف» على العراق الذي ردت قواته بقصف تل ابيب عاصمة الكيان الصهيوني, فحصاره, فسقوط بغداد… واكتمل المخطط و تقرر في دوائر القرار العالمي ولم يبق له سوى انتظار الظرف الملائم و توفير الامكانات الضرورية لتنفيذه. مخطط لاجل تقويض الدولة الوطنية في الاقطار العربية التي وصلت كبرياتها الى تحقيق التوازن الاقليمي الذي بات يهدد الكيان الصهيوني الغاصب و المصالح الغربية في المنطقة. لان «سايكس و بيكو» و لئن كان اتفاقا استعماريا الا انه احترم الى حد ما المعطى التاريخي, الى درجة عجلت بتماسك الدولة الوطنية, فبقي العراق عراقا و الشام شاما و تونس تونسا و الجزائر جزائرا… اما ما ينتظر المنطقة بعد تقويض الدولة الوطنية هو تعسف على التاريخ والجغرافيا معا. هو ايجاد كيانات عرقية ـ اتنية هنا و طائفية ـ مذهبية هناك … كلها لا ترقى الى مستوى الدولة و لا تحمل مقوماتها.
فالمعركة اذن جوهرها وطني بامتياز و في علاقة بمحيطها المغاربي و العربي. وهي معركة واحدة في جميع الاقطار العربية بين من سعى الى تقويض الدولة الوطنية من جهة وبين من دافع عنها من جهة اخرى, فقط ادوات المعركة اختلفت من قطر الى آخر, بعضها بالانتخابات او ما يسمى الانتقال الديمقراطي و بعضها بالازاحة و العنف المتبادل. فما حصل في مصر غير ما حصل في تونس و ما يحصل في سورية و اليمن و العراق مغاير عن الحالتين الاولتين. وان انتصار المدافعين عن الدولة الوطنية هنا هو سند لمن يدافعون عنها هناك و العكس صحيح. وان السبب الرئيسي الذي ساهم في سوء فهم ماجرى و ما يجري وجعل بعض «الوطنيين» يتخندقون مع من يسعى الى تقويض الدولة الوطنية هو الاعتقاد الجازم في ان ما حصل في المنطقة العربية بدءا من تونس كان ثورة مائة بالمائة دون السماح من هذا الجانب ولا الجرأة من ذاك الجانب الى اعتماد نظرة نقدية و «علمية» لمعرفة ما حصل فعلا عدا بعض الاجتهادات النادرة و كأنها تغرد خارج السرب. فكيف ـ كما قال عن حق برهان بسيس ـ لثورة يكون رئيسها رئيس مجلس نواب «النظام السابق» و رئيس حكومتها رئيس حكومة النظام السابق. الحق الحق اقول اني اؤمن بـ 17 ديسمبر اكثر من ايماني بـ 14 جانفي, و ان 17 ديسمبر انتفاضة, بينما 14 جانفي انقلاب فريد من نوعه و لن يهنأ التونسيون الا بعد معرفة ما حصل فعلا في 14 جانفي 2011…
وانساق «الثورجيون» في «هيستيريا» غير مسبوقة حتى مكنوا اعداء الدولة من مفاصلها, و ازاحوا ما اثمرته المدرسة الوطنية من كفاءات طيلة عقود من جهد و مال المجموعة الوطنية, حتى ان من يقارن من حيث الكفاءة وزراء بورقيبة وهم في الواقع رفاقه الذين اشتغلوا معه وفي رصيدهم صفر من التجربة, ولولا ما تركه المستعمر من ادارة عصرية لما نجحوا في مهامهم. من يقارنهم بوزراء بن علي وهم خيرة خريجي المدرسة الوطنية, بوزراء ما بعد 14 جانفي 2011 على اختلاف مشاربهم, يجزم دون تردد بان وزراء بن علي هم الاكثر كفاءة وحرفية, وهو جزم مطابق لمنطق الاشياء. لانهم مع المعرفة والتجربة التي تراكمت لديهم مارسوا المسؤولية لما كانت الدولة صارمة ومهابة. هذه الدولة التي هي الآن في اشد الحاجة الى كفاءاتها.
وعليه لا يمكن فهم ما يجري داخل الساحة السياسية التونسية من تغيرات سواء داخل حركة نداء تونس و داخل حركة النهضة وفي علاقتهما بالحكومة والرئاسة و بقية الاطراف الاجتماعية والسياسية… الا في هذا السياق و من هذه الزاوية.
فمنطق الدولة و منطق الجمهورية هما الذان ينبغي ان ينتصرا في النهاية:
ـ و يقتضيان ان تعدل حركة نداء تونس اوتارها على وقعهما. واذا ادرك الناخب التونسي باختياره نداء تونس في الانتخابات انها اداة انقاذ الدولة الوطنية فقد آن الاوان ان يدرك ذلك الناشط الندائي نفسه و لو متأخرا. فأن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي. و ذلك بتجميع كل القدرات و الكفاءات المؤمنة بالدولة الوطنية داخلها دون اقصاء و لا تهميش لاحد من الكفاءات بل بتقديم من لديه اقدمية التسيير على من له اقدمية الانتماء للحركة. اي بمعنى آخر التفكير بمنطق الدولة و ليس بمنطق الحزب واعتبار الحزب «حزب الدولة» ان صح التعبير. و ان مهمته تاريخية و غير تقليدية.
ـ أمّا حركة النهضة وهي تنهي مؤتمرها «الحدث» فإن عليها ان تدرك ان الشكل الذي اندحر به ما يسمى الاسلام السياسي او الفكر الاخواني في المنطقة العربية لا يسمح بأي حال من الاحوال بأدنى احتمال لعودته الى سدّة الحكم الا اذا ثمة خلل في البنية المجتمعية للمجتمع العربي و كونه مجتمع غير سليم… لذا عليها ان تتخلى ـ استراتيجيا ـ عن الفكر الاخواني و أداته الدعوية. و ان تتخلى عن الدعوي برمته, لا ان تفصله عن السياسي بمقولة «التخصص» اي الحرفية في انتاج الفكر الاخواني. و ان تعليل الاتجاه نحو الفصل بين الدعوي و السياسي مرده كون المرحلة السابقة من نشأة الحركة كانت مرحلة تتعرض فيها البلاد الى التغريب و الابتعاد عن الهوية العربية الاسلامية, اما الان فان «الثورة» و الدستور الجديد ضمنا هذه الهوية وحماها, هو تعليل يعتريه كثير من التعويم والديماغوجية لانه لا خلاف جوهري في هذه المسئلة بين دستور 59 و الدستور الحالي ثم ان «الثورة» ان كانت كذلك فهي تائقة بطبيعتها نحو التحرر و فسح مجالات التفكير الحر حتى في المقدس المحظور… على حركة النهضة ان تحث الخطى نحو ان تكون حزبا تونسيا مدنيا و سياسيا خالصا و ليس اخوانيا دعويا حتى و لو تخصص في الشأن السياسي. ومن هنا الى ذلك الحين عليها ان تزهد في الحكم بان تكون اما معارضة بناءة او قوة اقتراح موالية. تلك هي مقتضيات الدولة في هذه المرحلة.
ـ اما الدولة حكومة و رئاسة فعليها بدورها تعديل اوتارها في اتجاه الانتصار لكل ما يرمز للدولة داخليا و في محيطها الخارجي دون اي اعتبار آخر. ان تضرب داخليا بقوة على يد كل ما يهدد حسن سير مؤسسات الدولة من مظاهر الفوضى و التطرف ناهيك عن الارهاب الذي في فترة ترهلها ابان حكم الترويكا وكر و عشش , و ما مخازن السلاح التي يقع اكتشافها يوميا الا دليل على تحضير الارضية لتقويض الدولة و الاجهاز عليها. كل ذلك في اطار احترام سيادة القانون, بان تسود مقولة «القانون» على مقولة «الحقوق» … اما في محيطها الخارجي, فعلى الدولة التونسية احترام الدول القائمة قانونيا و العضو في المنتظم الاممي… دون ان تخضع سياستها لمنطق المحاور و الاحلاف مهما كلفها ذلك من تضحيات اقتصادية. بان تعيد و بسرعة علاقاتها مع الشقيقة سورية من باب الدفاع عن الدولة الوطنية و رفض محاولات تقسيم المنطقة الى كيانات ما دون الدولة الوطنية التي يتعين الاستماتة في الدفاع عنها حتى على حساب الاجماع العربي المزيف.

المصدر : الشروق 6 جوان 2016 – ص 25

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق