تونسدراسات

تطوّر العلاقة التاريخية بين “الدساترة” والتيّار الإسلامي قبل وبعد الثورة (3 من 10)

Résultat de recherche d'images pour "‫تونس‬‎"

 

علي عبد اللطيف اللافي:

 

تمهيد:

 

           دخلت تونس مع بداية الستينات مرحلة جديدة اتسمت ملامحها الأساسية بهيمنة نظام الحزب  الواحد، والفكر الواحد، والرأي الواحد، بل أصبح بورقيبة محور كل الأحداث  فألغيت المظاهر  الديمقراطية على بساطة ما كان موجودا وهي المظاهر التي حاول أن يتظاهر بها في البداية، و مُنع تواجد الأحزاب،  وقُمعت حرية الصحافة، وأغلقت صحف المعارضة، بل والتجأ النظام إلـى استخدام الإغراءات،  و إلى اعتماد أساليب الإرهاب والمطاردة والتصفية الجسدية، التي كان الزعيم  صالح بن يوسف أول ضحاياها، حيث تم اغتياله على يد  البشير زرق  العيون وعبد الله الورداني، وذلك في مدينة فرانكفورت بألمانيا الغربية عام 1961.
وبعد تصفية  الحركة اليوسفية  ارتمى النظام البورقيبي في أحضان الدول الغربية،  التي مكنته من كسب المعركة مع المعارضة العُروبية، ورفع شعار “مُعاداة القومية  العربية” ( خاصة وأن أول خطاب له بعد الاستقلال تضمن القول “بلاش عروبة السواحل الايطالية أقرب إلينا من الصحراء الليبية”) . واستطاع بورقيبة ضرب ما تبقى من مناضلي الحركة اليوسفية اثر المحاولة الانقلابية والتي  شارك فيها عدد من العسكريين  والمدنيين من أنصارها وبعض الزيتونيين، والذين تم إعدام بعضهم والتنكيل بهم في غياهب المعتقلات بل ووضعوا في دواميس لا ترتقي فيها الحياة حتى للحيوانات بل وعُذّبوا فيها تعذيبا شديدا على يد جلادي النظام يومها…

الحلقة الثالثة:

سياسة بورقيبة في المجال الديني وظهور الحركة الاسلامية المعاصرة (1962-1972):

 

تمهيد:

          بناء على ما طبيعة التطورات المسجلة سياسيا في بداية الستينات، أصبح بورقيبة متفرغ كليا لبناء مشروعه ثقافيا وفكريا واجتماعيا، وهو المشروع الذي جمع المتناقضات فهو حداثي فكريا واستبدادي سياسيا وهو يتوخى الليبرالية ويتبنى الاشتراكية الدستورية، وكان من الضروري أن يكون له منهج ورؤية تجاه المسالة الدينية، وهنا توجد قراءتين تجاه الموضوع:

1 – قراءة أولى : بورقيبة المُجدد والمُجتهد:

            في شهر رمضان، من سنة 1960، أحدث بورقيبة صدمة غير مسبوقة لدى الرأي العام التونسي والعربي والإسلامي، عندما أقدم على شرب كأس عصير أمام جمهور قاعة “البالمريوم” في تونس العاصمة، مُبيحا الإفطار لشعب يخوض حسب رأيه يومها الجهاد الأكبر ضد التخلف مستشهدا بأن الرسول (  صلعم) أباح الإفطار للمؤمنين…

 ونتيجة للحملة وردة الفعل الكبيرة ضده داخليا وخارجيا، اضطر الرئيس بورقيبة إلى توضيح وجهة نظره حيال القضية المُثارة، مُؤكدا في مناسبات لاحقة أن الصوم فريضة وركن من أركان الإسلام، وكذلك سيبقى إلى يوم الدين، غير أنه أراد أن يلفت انتباه شعبه، وعموم المسلمين، إلى مقاصد الصوم الحقيقية، وإلى ترتيب أولويات المجتمع وفقا لحالته المعيشية والتحديات المطروحة عليه وما تقتضيه مصالحه من يقظة ووعي بالحقائق العميقة للدين، فالصراع ضد الفقر والجهل والمرض هو جهاد عظيم حسب رأيه  يجب أن تسري عليه رخص الجهاد المعروفة، وإذا ما كان الصوم سيقود إلى التقاعس عن أداء الواجب الوطني والانحدار بالناتج الوطني، فإنه سيكون بمثابة استهتار بمقاصد الشرع وتضييع للدين والإيمان الحقيقي… .
ذكرنا مثال الصوم لتبيان القراءة الأولى لسياسة بورقيبة(الرؤية) و براغماتيته (التراجع) تجاه المسألة الدينية حيث يرى البعض من مساندي بورقيبة أنه كان “مفكرا إسلاميا استثنائيا، إلى كونه زعيما سياسيا فريدا، فقد كانت نظرته للدين الإسلامي نظرة مقاصدية متجذرة، لا نظرة نصية سطحية وشكلية، ولهذا فقد كان يرى من واجبه كمجدد ديني إحداث الصدمات العامة التي تقود إلى توعية شعبه بحقائق الإسلام العميقة، لا الإبقاء عليه حبيس طقوس مجردة من كل روح ومكررة بلا وعي من ممارسيها، ولهذا فقد كان جريئا في القيام بواجبه التجديدي ما وسعه ذلك، العقل السائد وطبيعة المرحلة التاريخية التي يعيش فيها، وبكلمات أخرى، فقد كان الرئيس بورقيبة سياسيا في نزعته التجديدية,,,,”[1]، وطبعا لا يختلف اثنان أن بورقيبة استفاد من حركة الإصلاح الديني والفكري في القرن التاسع عشر، كما لا شك أن خصوم بورقيبة قد وجهوا له سهام النقد بل واتهموه في دينه وعقيدته، بينما يذهب أنصاره أن بورقيبة قد  أقدم على إلغاء التعليم الزيتوني مثلا من منطلق إصلاحي ديني صرف، واستجابة لمطلب تاريخي للحركة الوطنية التونسية، وبحجة أن مناهج التدريس المتبعة في المدارس الزيتونية بالية ومتخلفة…

 ويستشهد أنصار هذه القراءة أن رؤية بورقيبة للمجال الديني متكاملة و متطورة فهو حسب رأيهم من تصدى للمؤتمر الأفخارستي الذي انعقد بداية الثلاثينيات في تونس للعمل من أجل تحويلها دولة مسيحية، وهو الذي قاوم حركة التجنيس التي شجعتها السلطات الاستعمارية، حفاظا على الهوية التونسية العربية والإسلامية…

وبالتالي يرى أصحاب هذه القراءة أن بورقيبة مجتهد ومصلح للشأن الديني وأن كل خطواته تتأتى من منهج علمي ورؤية ثاقبة …

2- القراءة المقابلة : بورقيبة خصم العُروبة و الإسلام:

        على عكس الرؤية السابقة يرى البعض الآخر أن ما شهدته تونس من حرب ضد الإسلام، في عهدي بورقيبة لم تبلغه فترة الاحتلال الفرنسي المباشر لتونس، ( 1881 – 1956 )، حيث يُؤكد هؤلاء أن الحرب على الزيتونة، وضد صيام رمضان، وضد الحجاب، وضد العلماء، والتهكم على كل ذلك، حقائق معروفة حسب رأيهم حيث يرى الشيخ الزمزمي مثلا أن بورقيبة منذ وصوله للسلطة لم يتوقف عن حرب الإسلام المتمثلة في شعائره وعقائده ورجالاته ، ويذكر هؤلاء الأمثلة التالية :

  • إغلاق جامع الزيتونة : تم إغلاق جامع الزيتونة، الذي كان منارة إسلامية منذ تأسيسه عام 79 هجرية وتولى أحد شيوخه تولى مشيخة الأزهر وهو الشيخ محمد الخضر حسين و فيه درس ابن خلدون، وابراهيم الرياحي، وشاعر المسلمين أبو القاسم الشابي، وغيرهم رحمهم الله جميعا، ولم يكن الإمام سحنون، وابن عرفة، وأبي زيد القيرواني بعيدين عنه، فضلا عن المعاصرين علماء آل النيفر، والثعالبي، وبن عاشور….
  • ترك السفساري ( أو الحجاب التقليدي):. دعا بورقيبة إلى ترك الحجاب التقليدي، والمعروف في تونس بــ” السفساري” وهو غطاء تتلحف به المرأة عند الخروج ويغطي رأسها حتى كعبيها، ولم تكن النساء التونسيات يخرجن بدونه. وتعرض ” السفساري” لحملة إعلامية مكثفة في عهد بورقيبة وتحدثت الحملة عن سلبياته، وقام بورقيبة بنفسه بإلقاء” السفساري” من على رأس إمرأة ، وسط تصفيق بعض رجاله وأنصاره.
  • منع استخدام التاريخ الهجري: في سنة 1960 م أصدر قانون يمنع استخدام التاريخ الهجري…
  • المساجد: سنة 1961 تم تأميم أكثر من 200 مسجد، ومن ثم بيعها، لتتحول إلى مساكن، و تم تحويل مسجد في مدينة بنزرت إلى مرقص حسب رواية البعض، كما تعددت روايات نسبية أخرى حول تحويل مساجد إلى مؤسسات أخرى على غرار تحويل مسجد إلى متحف روماني.
  • تمادى بورقيبة وبعض أعضاده في بعض الممارسات فقد تم عزل المفتي الفاضل بن عاشور الذي عارض فتوى الصوم، وقام بورقيبة بنفسه باحتساء كوب من الماء في شهر رمضان أمام شاشة التلفزيون، ونظمت حملات لإجبار الموظفين والعمال وقوات الجيش وجميع أطياف الشعب التونسي على الإفطار في رمضان، وكثيرين فقدوا وظائفهم بناء على ذلك.
  • ألغى الأوقاف التي كانت مستقلة عن الدولة وتمول النشاط الديني بدون دراسة أو أسباب مقنعة…
  • نسبت إليه العديد من المواقف التي تتطلب التدليل والتوثيق أو التأويل السليم لسياقات مواقفه ( موقفه من سيرة الرسول – رؤيته لقصة أهل الكهف….) والثابت مثلا بغض النظر عن السياق أنه قال في ندوة أقيمت في القصر الرئاسي سنة 1974″ لا أؤمن بالمعجزات”…
  • استخف في أكثر من مرة وموضع بالمشاعر الدينية لعامة المسلمين فقد نقلت عنه “الشهاب” اللبنانية في أحد إعدادها مطلع السبعينات (“أن القرآن يحوي تناقضات فظيعة منها القول بكون الإنسان حر في اختياراته بدليل الآية”إنّ الله لا يُغيّر ما بقوم حتّى يغيروا ما بأنفسهم”، و في ذات الوقت يدعو المسلم إلى الاستسلام بالقول في آية أخرى”و ما تشاءون إلا أن يشاء الله”).
  • 3- نشأة الجماعة الإسلامية بتونس:

              ترجع بدايات الحركة الإسلامية في تونس إلى أواخر الستينات تحت مسمى “الجماعة الإسلامية في تونس” وهي الجماعة التي أقامت أول لقاءاتها التنظيمية بصفة سرّية في أفريل 1972 من أبرز مؤسسيها راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو و الشيخين عبد القادر سلامة[2] ومحمد صالح النيفر[3]،  وانضم إليهم لاحقا عدد من النشطاء وقد تكونت من ثلاث مكونات:

+ مُكون الإسلام التقليدي: ومن أبرز رموزه عبد الفتاح مورو وأبناء بعض العائلات الارستقراطية في العاصمة.

+ مُكون الزيتونيين: وقد مثله الشيخين محمد صالح النيفر صاحب التجربة الثرية من حيث نشاطه في المجتمع المدني(فهو مثالا لا حصرا مؤسس “جمعية الزيتونة الرياضية”) ونشاطه الديني.

+ مكون المتأثرين بفكر الإخوان المسلمين:، فراشد الغنوشي عايش تجربة إخوان سوريا بينما تعرف آخرون على الإخوان أثناء دراستهم في باريس وتأثروا بأدبياتهم على غرار الصادق شورو وحمادي الجبالي وزياد الدولاتي ومحمد بن سالم …

ولقد استطاعت مكونات الجماعة الثلاث الاستفادة فكريا بالأساس من كتابات “مالك بن نبي”(زاره وفد من قيادة الجماعة في الجزائر في بداية السبعينات)، و أطروحات  “محمد باقر الصدر” على غارا كتابي “فلسفتنا” و “اقتصادنا”، و بعض منظري الثورة الإيرانية على غرار “علي شريعتي” و”مرتضى مطهري”، و أدبيات الجماعة الإسلامية في باكستان بقيادة أبو الأعلى المودودي، وقد اقتصر نشاط الجماعة في البداية على الجانبين الفكري والدعوي من خلال إقامة حلقات في المساجد ومن خلال الانخراط بجمعيات المحافظة على القرآن الكريم…. 

          وطبعا استطاعت المجموعة المؤسسة سد الفراغات التي تركها النظام البورقيبي وطبيعة مشروعه الذي بقي نخبويا، وأمكن لها الاستفادة من غياب الثقافة الإسلامية وغياب النشريات الإسلامية ( باستثناء أعداد قليلة من مجلة “جوهر الإسلام”)، وغياب الكتاب الديني وتهميش النظام التربوي لمادة التربية الإسلامية، و أيضا حاجة المجتمع للسكينة النفسية التي يحدثها التدين على الفرد مقابل مشروع ثقافي تغريبي ( انتشار أغنية تعبر عن السياسة الثقافية “وما نحبوش يصلي، ونحبو يسهر ويسكر …)  

  • الخلاصة:

          بورقيبة زعيم وطني وهو جزء من تاريخ تونس المعاصر، رغم الأخطاء القاتلة لبعض سياساته وتصفيته لخصومه واستهزائه بالمجاهدين من أجل الاستقلال ونسبته كل أطوار التحرر الوطني لشخصه، ورغم الاستبداد السياسي، فهو زعيم سياسي مثقف صاحب مشروع بغض النظر عن الخلاف معه، ولكنه سياساته في المجال الديني اعترتها أخطاء عديدة وقاتلة وشوائب ساهم فيها بعض بطانته السيئة والفاسدة، وهي السياسات التي فتحت المجال واسعا ليرد المجتمع الفعل ( انقلاب 1962 – أحداث الوردانين…) ، بل و فتحت الباب واسعا لظهور الحركة الإسلامية والتي كان البعض يرى استحالة تواجدها من وجهة نظر العلوم الاجتماعية، بل أنها استفادت من بورقيبة ورؤاه فكان تطورها عقلانيا وذا خصوصية مقارنة بمثيلاتها في العالم العربي والإسلامي…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  خالد شوكات ، موقع الوسط الأكتروني

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق