تونسدراسات

الإسلام السياسي ومفهوم الدولة الحديثة

 

مقداد إسعاد
عمر بن الخطاب يجيبك عن الإسلام السياسي: ” أكتب، هذا رأي عمر وليس رأي الإسلام”هكذا أمر الفاروق عمر بن الخطاب كاتبه لما أنهى رسالة لواليه في العراق. لم لا يقول إسلاميو اليوم: هذا رأينا، هكذا نفهم الأمر وهكذا نراه مقيدا بالشرع ؟ ولا يقولوا هذا رأي الإسلام.

لما بدأت أفكر في الإسلام السياسي، أخذت أبحث لنفسي عن مدخل له. قلت لعل أيسر السبل يكون التاريخ. متى بدأ؟ ولم لا ننسبه أصلا إلى الرسول الكريم وبالتحديد سنة 622، تاريخ ميلاد الدولة الإسلامية الأولى. العرب المسلمون لا تذكرهم السلالم التاريخية من حيث الوجود السياسي إلا انطلاقا من هذا التاريخ. دخلوه بالدولة. هذا، ثم إن الدولة هي اختصاصي الأكاديمي، وبها أقيس ما له صلة بالسياسة، وهي ابتكار أنساني عظيم يضاهي من حيث الأهمية العجلة أو الكتابة التي أدخلت الإنسان إلى عصر التاريخ منذ أكثر من خمسة آلاف سنة. بالدولة مر الإنسان من عصر حالة الطبيعة (L’état de nature) إلى حالة المجتمع الإنساني، حيث الحقوق والملكية والعقد الاجتماعي. أما شرعية السلطة فتطورت من السلطة الملكية-الدينية إلى الملكية إلى سلطة الشعب والجمهورية. يعد القرن السادس عشر الميلادي بداية ميلاد الدولة الحديثة ككيان عقلاني محدد بمكوناته البشرية والطبيعية وأيضا بحدود، ليست فقط من صنع الدولة بل مثبتة باتفاق جيرانها وتدافعهم ضمن تقسيم عالمي كرقعة الشطرنج (L’échiquier international) في الساحة الدولية.

الدولة الحديثة ولدت في أوروبا، جاءت على أنقاض نظام سياسي هلامي تحكمه الكنيسة. جاء مفهوم الدولة كضرورة لتطور المجتمعات البشرية في تسييرها وضبطها وإدارتها. هو ابتكار عظيم، بدونه ما كانت الأحزاب ولا الديمقراطية. هذا رغم أن هذا النوع من النظام السياسي لم يأت إلا متأخرا، إذ سبقه نظام ملكية متطور بمعنى الدولة. افتك الملوك في أوروبا سلطتهم واستقلوا عن الكنيسة ضمن حدود جغرافية وبشرية عقلانية (Rationnelles). أحصوا فيها ساكنتها وجعلوا لها سجلات مواليد ووفيات، فرضوا الضرائب واحتكروها للدولة وجندوا الجنود، كما احتكروا استعمال القوة، إلى غير ذلك… الدولة الحديثة ولدت في أوروبا مثل معظم الابتكارات التقنية والقانونية. كان المسلمون في ذاك الوقت في مرحلة متقدمة من التراجع والهبوط، بعد قرون سبعة سادوا فيها العالم. عصر النهضة أوروبي بامتياز وفيه ولدت معظم المفاهيم المتداولة اليوم ومنها مفهوم الإسلام السياسي الحديث المولد.

مفاهيم ولدت في محضن مفاهيمي فلسفي ولغوي غربي، لذلك جاءت دخيلة على الثقافة الإسلامية ومسقطة عليها إسقاطا. مفهوم الحرب المقدسة مثلا لا معنى له في الإسلام. لا أثر له في الكتب العربية الإسلامية. ولد مع الحروب الصليبية في أوروبا، بينما المسلمون لم يستعملوا هذا النعت، بل سموا الحرب حربا وجعلوا لها قوانين لم يسبقهم لها أحد: “لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانياً ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً” هكذا كانت توجيهات الرسول الكريم. وهو شيء لم تعهده البشرية من قبل، حيث كانت الحرب لا ضوابط لها.

الإسلام السياسي، هو أيضا لم يبتكره المسلمون أو على الأقل من يوصفون به اليوم. لا تخلو التسمية من تأثير غربي متأثر بالتسميات المسيحية لأحزاب من اليمين أو الوسط. والإسلام السياسي ليس الإسلام، وليس تخصصا أو ميدانا من ميادين الحياة في الإسلام. قد يكون أصلا مفردة مركبة بلا كنه ولا ماهية، ولعله لو حرصنا على البحث له عن محتوى لاضطررنا إلى جمع خليط من الأفكار والكيانات المتنوعة والغير متجانسة والتي قد يجمعها خيط ضعيف كفهم أو كمقولة بشمولية الإسلام وأنه يصلح ليكون نظام حكم. لا يحبذ هؤلاء تسمية الإسلام السياسي ويستعملون كلمات أخرى مثل الحاكمية الإلهية أو الحكم بالشريعة، وغيرها.

مدارس الإسلام السياسي:

تذكر الوهابية ضمن منطلقات الإسلام السياسي ومؤسسها محمد بن عبد الوهاب من رجالات الدولة السعودية الأولى، توفي سنة 1791 ميلادي. هذا لكن الانتظام ضمن تكتلات فكرية وسياسية حديثة لم تخل منه منطقة في العالم الإسلامي. تنظيمات اتخذت أشكالا مختلفة عن الجماعات الدينية والطرقية القديمة التي كانت سائدة، انتظم فيها الناس من أدناهم حتى ملك والسلطان، تأثرت التنظيمات الحديثة من جراء الاحتكاك بالغرب سواء بواسطة الاستعمار المباشر أو التبادل الثقافي والتجاري. في الهند كانت حركة “ديوباندي” وفي باكستان حركة المودودي، وحركة طالبان حديثا في أفغانستان. هذا لكن ما يهمنا في مقالنا المختصر هذا هو محيطنا القريب، نكتفي فيه بمدارس أربعة لها علاقة بتونس وبها نقدم مدخلا لفهم حركة النهضة وتموضعها الفكري وموقعها من الإسلام السياسي، وهي: حركة الإخوان المسلمين، المدرسة التركية لسعيد النورسي، ولاية الفقيه للخميني وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

كما ذكرنا آنفا، ننطلق من الدولة الحديثة كأساس وضرورة لأي مشروع سياسي، ونعتبرها مكسبا بشريا ما زال في أوج عطائه وهو في مرحلة ثبات ضد مفاهيم بدت مهددة له مثل النظام الدولي والمنظمات غير الحكومية والشركات الاقتصادية العابرة للسيادات الوطنية. نفهم أيضا أن أي مشروع سياسي لا يمكن إسقاطه إلا على اللبنة الأساسية وهي الوحدة السياسية العقلانية المحددة جغرافيا وبشريا التي هي سيادة نفسها ولا يعلو على مؤسساتها الداخلية شيء. لا يمكن مثلا أن نتحدث عن مشروع سياسي لتونس والجزائر، لأنهما مجتمعين لا يمثلان وحدة سياسية… نذكر أيضا منطلقا أن المدارس الفكرية السياسية قسمان ولكل تشعباته: المثالية والواقعية. الأولى لها مشروع مجتمع كمعطى وصورة ثابتة تعمل لها كغاية بما اكتسبته من وسائل، تحمل المجتمع حملا على التشبه بالمثال، وهؤلاء كثيرا ما يفشلون في بلوغ ما أعلنوه من أهداف لصمود الواقع، فيتعبون ويتعبون. أما المدرسة الواقعية فتتعامل مع المجتمع ليس كمعطي بل كمتحول تتعامل معه بمرونة. وقد تكون للواقعية رسالة ومثال تعمل لتحويل المجتمع إليه لكن بالمرحلية والإقناع ودون إكراه، وليس كمهمة يضفون عليها قداسة ويبررون بها تصرفات من عند أنفسهم. الواقعية الرسالية هي نهج الرسول صلى الله عليه وسلم.

أولا -الإخوان المسلمون:

جماعة إسلامية أسسها المعلم النشيط في المدارس الابتدائية الشيخ حسن البنا في مصر سنة 1928، على خلفية ضرورة إعادة الخلافة الإسلامية التي ألغاها كمال أتاتورك. وهذه أهدافها لما طلب منه الإخوة المؤسسون ذلك كما كتبها الشيخ البنا نفسه في مذكراته: ” لقد سمعنا ووعينا، وتأثّرنا ولا ندري ما الطريق العملية إلى عزة الإسلام وخير المسلمين. لقد سئمنا هذه الحياة، حياة الذلة والقيود. وها أنت ترى أنّ العرب والمسلمين في هذا البلد لا حظّ لهم من منزلة أو كرامة، وأنهم يعدّون مرتبة لأجراء التابعين لهؤلاء الأجانب… وكل الذي نريده الآن أن نقدّم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يديّ الله. وتكون أنت المسؤول بين يديه عنا. كما يجب أن نعمل جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه وتموت في سبيله، لا تبغي بذلك إلا وجهه وجديرة أن تنصر، وإن قلّ عددها وقلّت عُدَّتها”.

أقام الشيح حسن البنا تنظيما بالأهداف المذكورة أعلاه، تحت إملاء وضع الأمة المتقدم في الانحطاط والتبعية والاستعمار. وتحت حلم كبير هو إعادة ذاك النظام الجامع للأمة والمتمثل في الخلافة. يقول الشيخ: ” إن الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية ومصحف وسيف”. بهذا كانت انطلاقة الاخوان المسلمين ضد التيار، ليس فقط السياسي بل المفاهيمي أصلا. العالم كان يتطور نحو الدولة كوحدة عقلانية قابلة أن يسقط عليها مشروع سياسي. قطع سياسيا مع ذاك النظام الهلامي للكنيسة بجرأة وعقلانية كبيرتين لعلماء ومفكرين وفلاسفة وأيضا سياسيين كانت لهم شجاعة نقد المقدس واستعملوا الشك للوصول الى الصحيح. استعمل ريني ديكارت منهجية الشك التجريبي أي الشك في كل شيء، وهي طريق يصعب على رجل الشرق انتهاجها، خاصة في عصر الانحطاط.

رغم ذلك برز في العالم الإسلامي مصلحون نيرون عملوا في ظرف صعب واستماتوا في احياء أمة تحتضر. بعضهم واع مجدد فاهم، وبعضهم ليس أقل حرقة على نهضة الأمة لكن دون الفهم الضروري. آوي إلى ركن شديد لخطاب شعبوي، أساسه فكر عب من روح الشرق وذهن الشرق وعاطفة الشرق، أخذ من معين فكري واحد ونسي أن الغرب سبق الى النهضة الإنسانية بقرون وأخذ شوطا كبيرا على طريق الثراء المادي والمعنوي، وأن الظرف غربي بامتياز، وأن الواقعية هي السبيل الى وضع الأمة الإسلامية على طريق النهضة… واقعية مسئولة وواعية ورسالية، لأن نهضة الأمة أصبحت أصعب مما كانت عليه، أصبحت عملية افتكاك للأمة ليس فقط من مستعمر تربع في الميدان الجغرافي بل أيضا في ميدان الفلسفة والمفاهيم. آ

أحسب بكل تواضع أن المفكر الإخواني الكبير سيد قطب لم يأت بالجواب المناسب وأن ما كتبه المفكر الاخواني محمد قطب عن جاهلية القرن العشرين لم يأت بمخرج للأمة من تخلفها، بل لم يزدها الا تشنجا وخوفا وحقدا وانقساما. أما تعريف الإمام البنا لكنه منتوجه السياسي فقد بقي هلاميا غامضا عند الشعوب والنخب على حد السواء بل حتى الاخوان أنفسهم لم يكونوا يفهمون حقيقتهم. تجرأ أحدهم على نفسه وعليهم فوصفهم ب “سطيح” في نص سجع من أحسن ما قرأت. كان ذلك في تونس في السبعينات مع بداية تكوين الحركة الإسلامية وفي مجلتها المعرفة، كلف النص صاحبه السيد أحميدة النيفر أن طرد من الحركة مبكرا. هذا أما النص المعرف للإخوان فتكرر على لسان الشيخ المؤسس حسن البنا: “أيها الاخوان،أنتم لستم جمعية خيرية، ولا حزبا سياسيًا، ولا هيئة موضعية لأغراض محددة المقاصد، ولكنكم روح جديد يسرى في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن.. وصوت داوٍ يعلو مرددًا دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن الحق الذي لا غلو فيه أن تشعروا أنكم تحملون هذا العبء بعد أن تخلى عنه الناس”

هذا نص خطير بكل ما فيه، قرأته من أكثر من أربعة عقود ولم أفهمه. أحسبه أساس الإخفاقات المتكررة للإسلام السياسي الإخواني. خطير لأنه ينفي عن نشطاء سياسيين وضعهم القانوني والتنظيمي وهو المشاركة في عملية التدافع ضمن قواعد تحكم الجميع وفي اطار دولة كوحدة سياسية تحتكر السيادة وتمثلها، تحتكر استعمال القوة وسن وتنفيذ القوانين، ولا يكون لنشطاء التغيير ومنهم الاخوان المسلمون من وجود الا من خلالها وفي اطارها. هذا ولعل أخطر ما في المقولة ما جاء في اخرها ” ومن الحق الذي لا غلو فيه أن تشعروا أنكم تحملون هذا العبء بعد أن تخلى عنه الناس”. وأين الأمة؟؟؟ وهل يصلحها فصيل منها؟؟؟ أنتج هذا الفكر تنظيما أنغلق على نفسه حتى حول المشروع الاخواني الى طائفة، ثم تمدد في باقي بلدان العالم الإسلامي وقد استهوى شبابا مهيئا لما يعيشه من هوان. صب جام غضبه على أنظمة ورثت الاستعمار وقلدته في الممارسات والبرامج. وكانت الحبكة لا مفر منها كأنها قدر الأمة. الاخوان المسلمون مثاليون في فكرهم السياسي، لهم مشروع مجتمع كأنه ثابت، يحلمون بأن يحملوا مجتمعاتهم اليه حملا. أما سبيلهم فإعداد قاعدة صلبة، تربى وتأخذ في التوسع حتى تصل عددا حدده المؤسس باثني عشر ألف مستعملا الحديث الشريف في غير محله “ولن تغلب انى عشر ألف من قلة”. انها المدرسة المثالية التي تتعب وتتعب ولا تصل الى أهدافها. وليس الاخوان المسلون وحدهم من يصنف ضمن هذه المدرسة بل في الغرب الكثير منها لعل أبرزها الرئيس السابق جورج بوش الابن الذي صرح أن المسيح يكلمه وأن له مهمة مقدسة وضع إمكانيات القوة العظمى الأولى في العالم لبلوغها فلم يبلغها وترك العالم في حروب لم تنته.

ثانيا – التجربة التركية:

ليس غريبا أن نرى تركيا اليوم تحقق الكثير من الإنجازات الاقتصادية وتفرض نفسها في الساحة الدولية. هي ثمرة لخيارات نشطائها بعد سقوط الخلافة. كما أن وضع العرب المضطرب اليوم يفسر الى حد كبير بخيارات الفاعلين السياسيين والمفكرين أيضا منذ ذلك الوقت. مشروع تركيا ليس هلاميا غامضا كما هو مشروع الإسلام السياسي في العالم العربي. هو مشرع دولة بمؤسسين اثنين لها هما المفكر الداعية الفيلسوف سعيد النورسي والعلماني العسكري كمال أتاتورك. أسسا دولة تركيا الحديثة بأفكار ومنطلقات فلسفية من النقيض الى النقيض. اختلاف حاد لم يدفع بمن بدا ضحية ومظلوما، الى رفع السلاح ضد الطرف المقابل الذي يحكم الدولة ويفرض عليها خيارات ليس أشد منها قسوة على مجتمع مسلم وبلد كان مقر الخلافة الإسلامية قرون سبعة. أدار ظهره للغة القران وحضارته ومنع الاذان وكل ما له صلة بالإسلام. لقد جمع سعيد النورسي وأتاتورك جامع فهمه الطرفان مقدس سياسي وهو الدولة. بعد الحرب العالمية الأولى تقلصت رقعة الخلافة الى إسطنبول وما حولها. وكان الإبقاء عليها أولوية الأولويات. هكذا فهمها الشيخ سعيد النورسي وقد جاهد طول حياته ليس فقط بالقلم بل بالجسد أيضا، حتى عرف سجون روسيا القيصرية، وهو رجل مثقف جدا وحاصل على بضع شهادات دكتوراه. من ذاك الصراع العنيف والايجابي، صراع الفاهمين ولدت تركيا الحديثة وما أربكان وأردوقان رمزي الإسلام السياسي التركي اليوم الا ثمرة لذاك الفهم وذاك الصبر والنهج (رغم أن أردوقان اليوم يبتعد عن فكر النورسي). لم يفصل الشيخ النورسي عمله عن باقي مكونات الشعب التركي، ولم يكون طائفة تنغلق على نفسها وتتوهم أنها للإسلام حارسة وأنها أفضل من غيرها.

ثالثا – جمعية العلماء المسلمين:

سنة 1938 توفي كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، وقد جلبت له شدته على الإسلام ثقافة وفكرا وشعائر غضب أغلب المسلمين خاصتهم وعامتهم ووصفوه بالرجل الصنم. هذا لكن الشيخ عبد الحميد بن باديس شذ بموقفه في تأبينية صدمت الكثيرين، حمل فيها الشيخ على الخليفة عبد الحميد وحاشيته وثني فيه على موقف أتاتورك ودوره في انقاذ تركيا والإبقاء عليها ضمن المحفل الدولي. وقد كان كتب مقالا بعنوان الفاجعة الكبرى (أنظر مجلة النجاح، عدد 152، 28 مارس 1924،السنة الخامسة , ص ص1-2) جاء فيه: “زالت الخلافة بالمعنى الحقيقي والمعنى الصوري، فلنعلم أنه لا خلافة بعد اليوم، ولنرفض كل خليفة تشم منه رائحة الأجنبي…ولتعمل كل أمة مسلمة على النهوض بنفسها…ولا يكونن ما وقع مضعفا لعزائمنا…مادام الإسلام… الجامعة الكبرى التي تجمعنا”. واقعية الشيخ ابن باديس ظاهرة في التركيز على العمل المحلي لكل قطر، والابتعاد عن الهلامية العالمية، وهو سبق في مستوى الوعي غاب عن معاصريه.

السيخ عبد الحميد بن باديس عالم زيتوني وناشط سياسي كبير. أخذ علمه وتجربته من تراث الأمة وأيضا من المستعمر الفرنسي، الذي فرض نفسه على بلاده وجاءها بكثير من الجديد في المجال السياسي. أسس سنة 1931 جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بعيد ميلاد جماعة الاخوان المسلمين في مصر. وخلافا للشيخ حسن البنا، كان واضح التموضع ضمن طيف كبير من النشطاء في الجزائر، جمعهم هدف كبير تمثل في حلم تأسيس دولة للجزائريين خارج إطار فرنسا. الشيخ بن باديس واقعي في نهجه السياسي، أخذ له موقعا في ذاك الطيف الواسع من النشطاء في تنوعهم الأيديولوجي والعرقي والجهوي، لم يستأثر بقيادة ولم يحتكر ثوابت الجزائر ولم يقص أحدا، وساهم بذلك في دعم الهدف الكبير وفي طمأنة الفاعلين معه وتصفية الأجواء الداخلية للثورة. وكانت النتيجة معجزة بكل المقاييس، تحرير جزائر هي اليوم أكبر دولة في المحيط المتوسطي وأفريقيا.

رابعا – الثورة الإيرانية:

في محيطنا أيضا تعد الثورة الإيرانية عملا ناجحا بكل المقاييس. عاش مؤسسها بين العرب وتأثر إضافة الى رصيده الفكري والديني الشيعي بأفكار الاخوان المسلمين، وعلى رأسهم المفكر الكبير سيد قطب. أخذ منه حدته الفكرية ووضوحه في فهم الهجمة الغربية كجاهلية حديثة. هذا لكن الخميني كان واقعيا في فهمه ومنهجه. ركز مشروعه على وحدة سياسية عقلانية معلومة وواضحة هي أيران دون غيرها. سعى الى اسقاط الحواجز مع الفاعلين والنشطاء من المدارس والايديولوجيات الأخرى رغم صورته ومرجعتيه الدينية، وحقق الانتصار الكبير. وها هي أيران اليوم تأخذ موقعها عن جدارة ضمن القوى الجهوية الكبرى في المنطقة. عمل الخميني ضمن دوائر كثيرة احتمى بها ودعم بها مشروعه الأول والأخير وهو أيران كدولة منطلقا ومنتهى. قاد ثورة الى النجاح بصفاتها المتداخلة: إيرانية، فارسية، شيعية، وأخيرا إسلامية رغم الدعاية المقلوبة.

أخيرا – الربيع العربي:

ما ان انقشع ظلام الدكتاتورية تحت ضربات الشباب في سيدي بوزيد والمناطق المهمشة الحدودية والداخلية ثم ضواحي العاصمة، حتى هتف الشعب بالإسلام، وصدّر الأحزاب الإسلامية في الانتخابات حيث كانت في تونس ومصر والمغرب. أما باقي البلدان التي بدأت فيها الثورة فقد عم شعور أنها آيلة الى الإسلاميين أيضا، كان ذلك وضع ليبيا، واليمن وخاصة سوريا التي حشدت لها الحشود وتسارع حكام تونس ومصر الى قطع العلاقات مع نظام الأسد ليكون لهم السبق في ذلك وقد طغت عليهم قناعة أنه منتهي.

الربيع العربي انتهى الى فشل ذريع. وذلك لنوعين من الأسباب: موضوعية وذاتية خاصة بالإسلاميين، ليس لقلة خبرتهم في التسيير بل لتموضعهم الفكري الخاطئ. كل البلدان التي ثار فيها الربيع العربي سواء التي تغيرت أنظمتها أو التي صمدت فيها، عمل فيها الإسلام السياسي السني بفكره وغالبيته الاخوانية. ولا شك أن أبرز شخصية سيذكرها التاريخ لينسبها لقيادة الربيع العربي هو الشيخ راشد الغنوشي لانطلاق الربيع العربي من تونس، ثم الشيخ القرضاوي لوزنه العلمي وسنه وما خدمته به الظروف. صلى الجمعة في ميدان التحرير، جمع أعتبره بعظهم مبايعة بالخلافة. أما الشيخ راشد فقد أطلق تفكيره ولسانه متوعدا العالم العربي “البقعة السواء” بتسونامي الربيع العربي، وهو قائده. النهضة التونسية بقيت اخوانية رغم محاولات محتشمة للتحرر الفكري. كانت سباقة ببعض المبادرات النوعية، لكنها لم تحقق الاستقلالية الفكرية. لعل أحسن ما كتب الشيخ راشد الغنوشي هو تلك المحاولة الصغيرة لكن ذات أهمية “نحن والغرب” في متوسط السبعينات مفاده أن الغرب ليس شر كله.

موقف متقدم، ثم تلاه طلب تأشيرة حزب سياسي مبكرا أيضا سنة 1981، لما كان الإسلاميون شرقا وغربا يكفرون هذا التوجه على اعتبار أن الحاكمية لله وليس للحكم الوضعي. هذا لكن الضربات المتتالية وعدم تفاعل الرئيس الراحل بورقيبة مع هذا التطور النوعي لشباب تونس، جعل الحركة تنغلق لتنتهي بمواجهة عنيفة مع النظام، كبلتها لأكثر من عقدين من الزمن، لم تنتج خلالها شيئا ذي قيمة. تراجعت على أصعدة كثيرة. جاءها الحكم بعد الثورة سنة 2011 فاستلمته دون رؤيا ولا مشروع.

لعل أصعب ما اعترض النهضة هو كيف تتركب في منظومة فاعلة. على المستوى العضوي حوت النهضة العديد من النوعيات الرفيعة المستوى أخلاقيا وعلميا وإشعاعا وطنيا، لكن وضعها في منظومة صعب عليها وأخفقت فيه. أخذت ماكينة النهضة تتآكل داخليا، ولم تتحدد فيها مواقع المسئوليات حتى يكون التقييم والتصحيح. كان فشل النهضة متوقعا يراه كل ذي فهم، لكن الفشل يزيد في ضعف الفاعلين ويزيد في عجزهم ويقلل من قدرتهم على مواجهة أنفسهم وأخطائهم، فيلجئون إلى لغة الخشب ويحملون الغير أسباب فشلهم، وهكذا… بعد خمس سنوات من الثورة، وصلت النهضة إلى الوضعية التي لا يكون الإصلاح فيها إلا راديكاليا بمعنى “فسخ وعاود”، ورحيل من أخذوا المسئولية.

الخلاصة:

أحسب أن ما وصلنا اليه اليوم من اخفاق أو نجاح بعد قرابة القرن من سقوط الخلافة الإسلامية له تفسيره. أحسب أن الإسلام السياسي، سياسي أولا وأخيرا مادام يطلب السلطة، وأنه لا يقاس إلا بدقة طرحه وتموقعه وتصنيفه ضمن طيف الفاعلين السياسيين (حوار الفصل بين الدعوي والسياسي ليس غير خدعة للهروب من التقييم). هذا كما أن المشروع السياسي لا يسقط الا على وحدة سياسية محددة ومعلومة وعقلانية المكون، وهي الدولة. ذلك ما يفسر النجاح من الفشل للتجارب الإسلامية المذكورة أعلاه. كانت الدولة الجزائرية المنشودة هي مشرع بن باديس رغم أن جمعيته لم تكن غير طرف فيه، وكانت الدولة التركية الحديثة هي مبتغى سعيد النورسي فصبر على شريكه في العمل لها، وترك الوقت للوقت فكان ما نفتخر به اليوم تحت حكم أردوقان. نفي الخميني شرقا وغربا وبقي حلمه واضحا، إيران القوية المتحررة من دكتاتورية الشاه، هذه كلها نجاحات لا ينكرها غير جاحد.

الاخوان المسلمون، شاركوا هم أيضا في الحياة السياسية وترشح الشيخ حسن البنا في كثير من الانتخابات لكن دون الدقة اللازمة والضرورية للمشروع السياسي ضمن إطار مادي محسوس هو الدولة. استهدف الاخوان المسلمون الأنظمة الحاكمة فخافت منهم وحاربتهم، ثم تتبعتهم وسدت منافذ الحرية عليهم وعلى غيرهم بل زادت الى تجفيف المنابع حتى مست الثابت في المجتمع. قتل الإسلاميون وسجنوا وهجروا، ثم أعادهم الربيع العربي، لكنهم لم يتغيروا. فما ان ملـّكهم الشعب ناصيته وأمره حتى انغلقوا، حكموه بحركاتهم برجالاتهم رغم قلة خبرتهم، أخذوا كل المناصب الوزارية والولائية وما أقل منها، وقالوا نحن أصحاب رسالة مقدسة، نحارب الجاهلية الجديدة والقوى الكبرى. أخذوا كل شيء وتحملوا حمل نصف قرن من الفساد ولم يتركوا لأنفسهم فرضية الفشل. وكانت النتيجة أن طردهم أصحاب الصفر فاصل. لم يحقق الإسلاميون بعد خمسة سنوات من الحكم الا أن يجعلوا من فصل الدين عن الدولة قناعة شعبية عامة بعد أن كانت مقتصرة على النخب المتغربة.

غابت الشجاعة عن الإسلاميين رغم ما عرفوا به من صدق وصبر، رفضوا التقييم وفسروا فشلهم بالإكراهات الخارجية وحدها، بل قدموا قراءات خاطئة عن نجاحات موهومة، وشيئا فشيئا صدقوها، وقد ساعدتهم عليها قوى وجدت فيهم الحليف الغبي، يمررون به مشاريعهم لبعث اليأس في الأمة. غاب الايثار كممارسة والصدق كقيمة لديهم. راحوا يغلقون منافذ الحوار الداخلي ويتقوون على أنفسهم بدعم الخارج لبعضهم، ولا شك أنه تارك لهم لما تنتهي مهمتهم وسيقول الواحد منهم يومها: أكلت لما أكل الثور الأبيض. وأكلت لما غيبت الديمقراطية والحوكمة الرشيدة في حزبي، وغيبت المؤسسات. لا شك أن الإسلاميين سيندمون أنهم حكموا تونس بحزبهم وليس بطاقات تونس. أما مشاركتهم مع المنظومة القديمة فقد جاءت متأخرة، بعد أن ضاعت منهم المبادرة وعلم القاصي والداني أنها ليست غير هروب إلى الأمام لغاية في نفس يعقوب.

وصلت المدارس الأربعة المذكورة أعلاه إلى مآلاتها وفي تواريخ معلومة. سنة 1962 ولدت دولة الجزائر كبيرة يغيض الكفار اتساعها، وكان لجمعية العلماء المسلمين شرف المساهمة في ميلادها ولو جزيئا. وفي 1979، عاد الخميني منتصرا ليقود دولة هي اليوم قوة يحسب لها جهويا وعالميا. افتك الأتراك دولتهم بعد قطيعة مؤلمة مع تاريخهم وماضيهم، لكن الدولة أيا ما كان توجه القائمين عليها تبقى تابعة لأمة والأمة لها ثوابت لا تتغير بسهولة، تصمد وترغم السياسي أن يعود إليها. تصالحت تركيا الحديثة مع تاريخها وهويتها. الإخوان المسلمون هم أيضا كان لهم نصيبهم من تحول الأوضاع. ربيع عربي كبير آل إليهم برمته في مهده تونس وثنى بمصر أرض الكنانة ثم ليبيا واليمن وسوريا والمغرب الأقصى أيضا. تسلم الإخوان المسلمون هذه البلدان إما بالثورات أو بالحكومات، وأخفقوا.
ليس جلدا للذات من إخواني، ولا جحودا من يساري ولا حقدا من عدو نقول أن الربيع العربي فشل، وكيفما كانت التحليلات، يبقى غياب مفهوم الدولة الحديثة في المنطلقات الفكرية للاخوان ومنهم النهضة التونسية هو السبب الأول لذاك الفشل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق