دراسات

عقدة الإسلاميين: المسيحيون والثورة.. مقارنة بين التماسك المصري والتوظيف السوري

هل صحيح ما يُشاع عن أن المسيحيين في الدول العربية هم الأكثر دعمًا للأنظمة السياسية ؟، وإذا كان هذا الافتراض صحيحًا فلماذا كانت هناك مشاركة واضحة للأقباط المصريين في ثورة 25 يناير 2011، بينما اتجه المسيحيون في سوريا إلى تأييد النظام؟.

هذه الأسئلة الرئيسية تناقشها الدراسة المعنونة “العلمانية الأوتوقراطية مقابل الطائفية الديمقراطية: أسباب دعم المسيحيين للنظام”. وقد قام بإعداد هذه الدراسة “مارك فرحة” الأستاذ بجامعة جورج تاون في قطر، و”سلمى موسى” طالبة دكتوراه بقسم العلوم السياسية في جامعة ستانفورد، وتم نشرها في دورية دراسات البحر المتوسط، والتي تصدر عن جامعة بولونيا بإيطاليا، وستعتمد منهجية الدراسة على تحليل نسب تمثيل المسيحيين في المجال العام، بالإضافة إلى مجموعة من الاستطلاعات التي تم إجراؤها بواسطة الباحثين، ومجموعة من المقابلات مع الناشطين.

المسيحيون في الدولة والمجتمع: 


يُشكل المسيحيون نحو 10% من إجمالي سكان سوريا، وهو ما يمثل ما يقرب من 2 مليون مواطن، وقد تولى المسيحيون السوريون دورًا مهيمنًا ومرموقًا في الدولة والمجتمع على الرغم من التمييز الذي تقوم به الدولة لصالح العلويين، وقد تم إعطاء المسيحيين بعض المزايا، على غرار حرية العبادة، والسماح لهم بتسوية المسائل غير المدنية من خلال محاكم خاصة، وشراء أراضي الدولة للبناء عليها بحرية، بالإضافة إلى أن عيد الميلاد والفصح من الأعياد الوطنية الرسمية، كما أن الكهنة معفيون من الجيش والخدمة المدنية، وتدعم الحكومة السورية منظمات المجتمع المدني المسيحي.

وقد أقام المسيحيون في سوريا أحزابًا خلقت إطارًا علمانيًّا وطنيًّا لتوحيد الأغلبية السنية مع الأقلية المسيحية تحت راية الهوية العربية، مثل: الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث الحاكم، وقد حاول بشار الأسد تكوين تحالفات غير رسمية مع الأقليات الموجودة بالدولة، وقام في إطار ذلك بتعيين عدد من الأقلية المسيحية في مناصب قيادية. إلا أن هذا لا ينفي وجود العديد من مظاهر التمييز ضدهم داخل النظام، فغالبية المزايا تُمنح للطائفة العلوية.

أما تجربة المسيحيين المصريين فتختلف بشكل واضح عن نظيرتها في سوريا، فلا توجد أرقام رسمية مؤكدة بأعداد الأقباط المصريين، ولا يمكن تصنيفهم على أنهم فئة اجتماعية واحدة، حيث يتنوع مستواهم الاقتصادي بدءًا من الغِنى الفاحش وصولا إلى الفقر الشديد، ولاحظ الباحثان أن المسيحيين في مصر لا يميلون إلى التحدث عن أنفسهم بصفتهم مسيحيين وإنما كمصريين.

وقد عانى الأقباط من التهميش السياسي والاقتصادي، شأنهم في ذلك شأن كافة المصريين، بيد أنهم حاولوا التغلب على ذلك التهميش من خلال زيادة التوجه إلى الكنيسة التي أصبحت توفر خدمات اجتماعية وصحية واقتصادية بدلا من الخدمات التي كان من المفترض أن توفرها الدولة.

ثورة ضد مبارك.. ودعم للأسد:

قال الأب إيهاب الخراط من الكنيسة المصرية في خطبته في (6 فبراير 2011): “باسم عيسى ومحمد، علينا توحيد صفوفنا، وسوف نواصل الاحتجاج حتى سقوط الاستبداد”، وعلى الرغم من الاعتقاد السائد برفض المسيحيين المصريين للثورة، نظرًا لذلك الاعتقاد الذي كان يتم نشره بأن مبارك يوفر حماية علمانية للأقباط الذين يتخوفون من وصول الأحزاب الإسلامية للسلطة، فإن عددًا لا بأس منه من الأقباط المصريين قام بالمشاركة في الثورة.

وظهرت حالة من الوحدة الوطنية المصرية لا مثيل لها في وسائل الإعلام العالمية، وتم عرض العديد من آيات الكتاب المقدس المناهضة لنظام مبارك، والتصقت صور الصليب بصور الهلال وسط مدينة القاهرة، وكان هتاف “مسلم.. مسيحي.. يد واحدة” من الهتافات الأكثر شعبية، وتولّى الأقباط حماية المسلمين المصريين المصلين يوم الجمعة (4 فبراير 2011)، كما شكل المسلمون درعًا بشريًّا حول الأقباط لعقد القداس في التحرير، وكان التركيز على الهوية الوطنية في التحرير عنصرًا رئيسيًّا في نجاح الثورة، وكان خطاب الوحدة الوطنية هو الأكثر بروزًا.

بالإضافة إلى أن وجود الأقباط في الثورة المصرية كان مشهودًا ومعترفًا به من كافة التيارات السياسية، سواء من الليبراليين مثل النائب السابق “عمرو حمزاوي”، أو من الإسلاميين مثل “عمرو دراج” القيادي بجماعة الإخوان المسلمين.

على خلاف ذلك، كان الوجود المسيحي في الثورة السورية ضعيفًا، وقد لاحظ الباحثان أن رد فعل المسيحيين السوريين تراوح بين الدعم الصريح لبشار الأسد، والصمت حيال الاحتجاجات، أو اقتراح إصلاحات متواضعة نحو الحرية السياسية. وعلى الرغم من تراجع الدعم المسيحي للنظام بشكل مطرد بعد السنة الأولى من الاضطرابات فإن الغالبية العظمى من المسيحيين السوريين لم ينضموا إلى الاحتجاجات التي كانت تقودها أغلبية سنية.

كما يميل عددٌ لا بأس به منهم إلى إلقاء اللوم على الإرهابيين الأجانب والمحليين عن الأحداث الجارية، كما تكشف مراجعة صفحات الفيسبوك للمسيحيين السوريين عن دعمهم للنظام. فعلى سبيل المثال قام جروب “مسيحيو سوريا” على الفيسبوك بنشر مجموعة من الصور والمنشورات التي تعبر عن تأييد النظام، وقاموا بتغيير صورة غلاف المجموعة “المسيحيون السوريون يكلفون الجيش باستعادة الأمن القومي” وتعد هذه المجموعة إحدى المجموعات الأكثر شعبية على موقع التواصل الاجتماعي.

ومن ثم يتساءل الباحثان: لماذا قام أقباط مصر بالمشاركة في الثورة، في حين مال مسيحيو سوريا إلى تأييد النظام؟. وفي إطار السعي للإجابة على هذا السؤال رأت مجموعة من الدراسات السابقة أن الأمر يرتبط بالمزايا التي حصل عليها المسيحيون من نظام بشار الأسد، فيما عانى أقباط مصر ومسلموه من نظام مبارك، وهو الأمر الذي رأى الباحثان أنه يمثل مغالطة كبيرة، فالنظام الأوتوقراطي يُعاني منه كل من المسلمين والمسيحيين، وحتى المزايا التي يقوم بتوفيرها هي مزايا محدودة أو مؤقتة.

تخوفات ما بعد الأسد:

“هل البديل للنظام الحالي أكثر ديمقراطية؟ أشك في هذا. هل هو أكثر ليبرالية؟ أشك بهذا. أكثر علمانية؟ أشك بهذا. لماذا يجب على المسيحيين الانضمام للثورة في حين أن وضعهم سيكون أسوأ بكثير؟” كان هذا هو تعليق إحدى المدوِّنات السوريات المسيحيات، ومن ثم يحاول الباحثان إجمال أسباب التأييد لنظام الأسد في مجموعة من العوامل:

1- العنف الطائفي: كشف استطلاع رأي تم إجراؤه لصالح برنامج مناظرات الدوحة في عام 2012 أن أكثر من ثلث السوريين الموالين للنظام يميلون لدعم الرئيس بسبب تخوفهم من تصاعد العنف الطائفي، وقد أوضح الاستطلاع أيضًا أن معظم المسيحيين السوريين يقبلون القيود التي فرضها النظام على حرياتهم السياسية في مقابل حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية، لأن معظم المسيحيين يفضلون أربعة عقود من الاستبداد العلماني الذي يكفل حقوقًا وامتيازات واسعة للأقليات الدينية بدلا من مستقبل غير مؤكد، ويحتمل أن يكون خطرًا في ظل الإسلاميين، وذلك على حد تعبير الباحثين.

وهو ما يعبر عنه ما أشار إليه رئيس أساقفة السريان الكاثوليك في 2011 في معرض ذكره أسباب التأييد للنظام “على الأقل لدينا الحق لكي نكون مسيحيين”، وقد قامت بعض القنوات التلفزيونية الموالية للنظام مثل “قناة الدنيا” بدعم هذه الصورة، فمثلا قامت ببث جنازات للجنود المسيحيين الذين ادعت أنهم تم اغتيالهم على يد ما وصفتهم بالبلطجية الطائفيين.

2- صعود الإسلاميين: يُعد البديل المتصور لبشار الأسد هو صعود الإسلاميين، وقد قام الباحثان -في هذا الصدد- بمراجعة تعليقات المسيحيين السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، ووجدوا أن غالبية التعليقات تميل لهذا التصور، فعلى سبيل المثال ذكر أحد التعليقات “سوف نعود إلى عصر الشهداء من جديد مع مغادرة الأسد ووصول الإسلاميين إلى السلطة”، وفي إحدى المقابلات التي تم إجراؤها ذكرت امرأة في الحي المسيحي القديم بدمشق “إذا سقط النظام، فستضطر إلى ارتداء الحجاب بسبب الإسلاميين أو مغادرة البلاد”، كما ذكر حوالي ثلث السوريين المسيحيين الذين شملهم الاستطلاع أن دعمهم المتواصل للأسد يستند إلى اعتقادهم بأن رحيله سيسمح للمتطرفين الإسلاميين بالوصول إلى السلطة.

وقد عزز هذا التصور ما قام به عدد من المتظاهرين المتطرفين في بدايات الثورة السورية، حيث رددوا “المسيحيون إلى بيروت والعلويون إلى التابوت”، وبعد أقل من عام قام المقاتلون المحليون والأجانب والجناح الأكثر تطرفًا من “جبهة النصرة” بطرد جميع المسيحيين بالقوة من حمص، وقامت أكثر من 100 جماعة مناهضة للأسد بما في ذلك الجيش السوري الحر والمجلس الوطني السوري بالتوقيع على عريضة لدعم جبهة النصرة بعد أن تم تصنيف الأخيرة جماعة إرهابية من قبل الإدارة الأمريكية، بحسب الدراسة. هذا بالإضافة إلى هروب 2000 مسيحي من البلدة الأرمينية “كساب” بعد أن سيطر عليها المقاتلون السوريون المتمردون في أبريل 2014، كما أنه قبل أيام من عيد الميلاد المجيد في 2012 وجه لواء الأنصار تهديدًا بالكلاشنكوف بمهاجمة بلدتين مسيحيتين في حماة إذا لم يطردوا الموالين للنظام.

3- ضمانات غير كافية: حاول الثوار السوريون تبديد مخاوف المسيحيين من خلال التأكيد على الحقوق المدنية، ورفض ادعاء حزب البعث برئاسة الأسد بحماية المسيحيين من تطرف الإسلاميين كحجة وهمية لتخويف الغرب وتقسيم السوريين، والاستشهاد بتاريخ سوريا الطويل الذي تضمن تعايشًا دينيًّا وتضامنًا بين المتظاهرين المسلمين والمسيحيين لدعم التطلعات العلمانية، كما أشار “علي صدر الدين البيانوني” المراقب العام السابق للإخوان المسلمين إلى أنه في حال وصول الإخوان للسلطة فسيقومون بإنشاء دولة مدنية، ومع ذلك يظل هذا كله مجرد وعود دون وجود أي ضمانات.

4- الوضع الاجتماعي والاقتصادي: على الرغم من تاريخ سوريا المتعدد دينيًّا فإن المسيحيين والمسلمين مُجَزَّئِين اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وقد بدأت الانتفاضة في المدينة الزراعية درعا من الثوار السنيين الذين يُعانون من الانفجار السكاني، ويعانون من إهمال الحكومة، وزيادة نسبة الشباب العاطلين عن العمل.

وحسبما أشارت بعض الدراسات، يتأثر الميل للاحتجاج بالخلفية الطبقية وقربها من المركز السياسي والاقتصادي والعسكري أكثر من الانتماء الديني، ويتميز المسيحيون السوريون بكونهم أفضل تعليميًّا، حيث يلتحق الأغلبية بمدارس اللغات الخاصة والأجنبية، لا سيما الروم الأرثوذكس منهم، بالإضافة إلى أن المسيحيين ممثلين تمثيلا جيدًا في شبكة الأعمال السورية، كما أن الإحصائيات تشير إلى أن عددًا كبيرًا منهم مقيم في الحضر، وعددًا أقل مقيم في الريف الذي يُعاني التهميش. وبصفة عامة يميل النظام للتقسيم الجغرافي على أساس الطائفة، حيث يوجد مثلا وادي النصارى المسيحيين، كما أن 75% من سكان مدينة القامشلي التابعة لمحافظة الحسكة مسيحيون.

5- الدعم الكنسي: في عام 2011 أصدر بطريرك الأرمن الأرثوذكس تعليمات للكنائس بطاعة الحكومة، ودعم الرئيس، والابتعاد عن الأضواء، كما لقب البطريرك تاب المتظاهرين بأنهم لا شيء، بل هم إرهابيون، وفي أي نظام سياسي هناك حاجة للتضحية بـ10% من أجل الاستمرار، وهو ما أكده “جورج صبرا” الرئيس المسيحي للمجلس الوطني السوري المعارض، إذ أشار إلى أنه لا يوجد أي دعم من الكنيسة للثورة السورية.

ومن الصعب التأكد مما إذا كان دعم الكنيسة للنظام بشكل طوعي أم لا، فقد تكون قيادات الكنيسة أُجبرت على هذه الطاعة بسبب التلويح بسياسة الاعتقال وفقًا لقانون الطوارئ لعام 1963، كما لديهم بالتأكيد تخوفات من قصص الهجمات على المتظاهرين المسيحيين واغتيال الأب باسيلوس أثناء قيامه بإسعاف أحد الجرحى في حماة من قبل بعض الجماعات المعارضة للنظام. من ناحية أخرى فإن عددًا من المسيحيين الذين قاموا بالمشاركة في الاحتجاجات تعرضوا للتعذيب والاعتقال مثل “هديل بشار كوكي” التي تبلغ من العمر 20 عامًا، واعتقال الممثل “جلال الطويل”، وكل هذا بمثابة تحذيرات لهم وفقا للدراسة.

عرض: أمل أحمد رمضان، باحثة في العلوم السياسية.

المصدر: “المركز الاستراتيجي للدراسات الاستراتيجية القاهرة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق