تحاليل

أزمة الإعلام من الثورة إلى الدولة

محمد شومان:

 

احتفى كثير من الدراسات والمقالات العربية والأجنبية بدور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في ثورات الربيع العربي، وكان التفاؤل بمزيد من الحريات للإعلام هو السمة السائدة في هذه الكتابات، ومن ثم التبشير بتعاظم دور الإعلام في عمليات التحول الديموقراطي، سواء في دول الربيع أو في بقية الدول العربية. وكانت الأخيرة قد تأثرت ولا شك برياح التغيير وبادرت بإحداث تغييرات مهمة، طال بعضها الإعلام إما في اتجاه السماح بمزيد من الحريات أو فرض مزيد من القيود، كما اهتمت الدول العربية بالمتابعة الدقيقة لتفاعلات وسائل التواصل الاجتماعي ومحاولة التأثير فيها وتوجيهها.

ومع المسار المتعثر لانتفاضات الربيع العربي وانهيار الدولة في اليمن وسورية وليبيا، تبدد التفاؤل بحرية الإعلام، بينما تراجع التفاؤل في كل من مصر وتونس اللتين شهدتا تطوراً معقداً للإعلام من الثورة إلى الدولة، خلال أكثر من خمس سنوات، تبدَّل فيها كثير من أوجه الملكية والإدارة والتنظيم والتوجيه في الإعلام، علاوة على عمليات إنتاج وتداول الخطاب الإعلامي، خصوصاً بعد وصول الإسلامويين إلى حكم مصر وتونس والإطاحة بهما.

عادت الدولة في مصر وتونس لتنظيم الإعلام، وفي بعض الأحيان تكبيله، ومع ذلك فإن أوضاع الإعلام في البلدين ما زالت من وجهة نظري أفضل مما كانت عليه في ظل حكم الرئيسين السابقين حسني مبارك وزين العابدين بن علي، حين كانت الدولة اللاعب الرئيس في إنتاج الخطاب الإعلامي وتداوله والهيمنة عليه بوسائل ناعمة أو خشنة. صحيح أن الصحافيين يشتكون من تدخل أجهزة الدولة أو رجال الأعمال أصحاب القنوات والصحف الخاصة في الإعلام، لكن تظل الأوضاع أفضل من بقية دول الربيع العربي. فمع انهيار الدولة في اليمن وليبيا وسورية ودخولها إلى مصاف الدول الفاشلة، تراجع الإعلام كثيراً، وانتهى كعملية توزيع عمومي للأخبار والآراء على مستوى الدولة، وتحول إلى تعددية مخيفة تتغذى على الاستقطاب والطائفية ونشر الكراهية والدعوة إلى العنف، ومن ثم تغييب المهنية وتراجع الصدقية والقدرة على التأثير. وصار الإعلام أحد أهم أدوات الصراع السياسي والعسكري، وتعرض الصحافيون للقتل والاختطاف والسجن والمنع.

انطلقت بعد ثورات الربيع في اليمن ولبيبا وسورية مئات الصحف والإذاعات والقنوات التي مارست حرية الرأي والتعبير من دون قيود، لكن سرعان ما أدى الاستقطاب والاقتتال الداخلي إلى تشظٍ مخيف يعكس الطائفية والجهوية ويغذيها ويعيد إنتاجها وترويجها بين الناس، بالمخالفة لمواثيق الشرف الإعلامي التي تلزم الإعلام بأن يكون ساحة حرة للنقاش والحوار والتسامح والقبول بالآخر. والإشكالية هنا هي هل الإعلام يعكس الواقع السياسي والاجتماعي الذي يعاني الاستقطاب والطائفية أم أنه ينتجه ويغذيه؟ باختصار، تعطلت تشريعات وقوانين الإعلام وغابت المهنية ومواثيق الشرف عن أداء الإعلام في اليمن وسورية ليبيا – ويمكن إضافة العراق – بسبب تورطه الكامل في الصراع على السلطة والدولة، بينما اختلف الوضع في كل من مصر وتونس، فقد نجحت الأخيرة في إصدار تشريعات جديدة وإنشاء هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي – البصري، ونصَّ الدستور في مصر وتونس على حماية حرية الإعلام، كما ينتظر أن يصدر البرلمان المصري قانوناً جديداً لتنظيم الإعلام يتضمن إنشاء مجلس أعلى للإعلام للإشراف على إصدار التراخيص ومنع الاحتكار وضمان الشفافية في تمويل الإعلام.

والحقيقة أن غياب المهنية في الإعلام العربي لا يرتبط بثورات الربيع العربي، وإنما هو ظاهرة تاريخية ممتدة في نظم العمل والتدريب في وسائل الإعلام العربية والتي كانت – باستثناء لبنان – تابعة للدولة، وبالتالي كانت التغطية الإعلامية تخضع للتوجيه، وتلتزم بتوجهات الدولة والدفاع عما تراه يحقق مصالحها. وعندما جاء الربيع العربي انهار الإعلام السلطوي وعانت سلطات الدولة من الضعف، وارتفعت المطالبات بحرية الإعلام، ما سمح بانتعاش الممارسات غير المهنية المتعارف عليها. وأتصور أن ثورات الربيع لم تفرز اهتماماً حقيقياً بإعادة هيكلة الإعلام وإعادة تدريب وتأهيل العاملين في وسائل الإعلام، والأهم ضمان حقوق العاملين وحمايتهم من الفصل وإنهاء الخدمة أو المنع، إذا التزموا قواعد العمل المهني وتمردوا على التوجيهات السياسية للدولة أو رجال الأعمال، الأمر الذي دعَّم عمليات تسييس الإعلام وتوظيفه وابتعاده من المهنية.

ويمكن رصد ستة تحولات جديدة في أوضاع الإعلام في دول الربيع العربي، تلخص أهم ملامح أزمة الإعلام من الثورة إلى الدولة، مع ملاحظة أنها أصابت بدرجات مختلفة أوضاع الإعلامي العربي:

1- التراجع الشديد في قدرة وسائل الإعلام المملوكة للدولة على التأثير في الجمهور نتيجة انهيار الدولة في اليمن وليبيا وسورية، وزيادة اعتماد الجمهور على الإعلام الجديد New Media ووسائل التواصل الاجتماعي، علاوة على توسع الإعلام الخاص في مصر وتونس وقدرته على جذب الجمهور والمعلنين على حساب وسائل الإعلام التابعة للدولة، والتي تعاني من مشاكل مالية وفنية وإدارية هائلة.

2- بروز ظاهرة المواطن الصحافي والتساهل الشديد، وربما الفوضي، في تعريف الصحافي، إذ التحق بالصحف والقنوات الفضائية والمواقع الإخبارية آلاف الأشخاص غير المؤهلين الذين فرضت أحداث ثورات الربيع عليهم كتابة الأخبار وتصوير الأحداث من دون دراسة أو تأهيل. كذلك فإن كثيراً من هؤلاء دخلوا الصحافة من باب السياسة، فهم بالأصل ناشطون سياسيون، ومن ثم خلطوا بين العمل الصحافي والسياسة، أو وظَّفوا الصحافة لخدمة السياسة.

3- الزيادة الكمية الهائلة في وسائل الإعلام التقليدية والجديدة وما تقدمه من مضامين على حساب النوعية التي تراجعت كثيراً، وانحصرت في إنتاج خطاب غير عقلاني يركز على العواطف، وينشر الخرافة والاستقطاب والصراع والطائفية ويشيطن الآخر، كما يركز على برامج الترفيه وكرة القدم والمسابقات وبرامج الطهي والتجميل. ووفق تقديرات كثيرة، فإن غالبية القنوات الفضائية والصحف في دول الربيع تحقق خسائر سنوية، لكنها تمكَّنت من الاستمرار لاعتمادها على تمويل من الخارج، إضافة إلى أن رجال الأعمال الذين يمتلكون تلك القنوات والصحف يتحملون الخسائر السنوية في مقابل حماية مصالحهم وتحقيق مكاسب سياسية.

4- اختلاف أنماط المتابعة والمشاهدة لدى الجمهور، إذ تراجعت أحكام الصدقية تجاه غالبية القنوات الإخبارية، وبخاصة شبكة «الجزيرة» التي فقدت بريقها وكثيراً من قدرتها على الانتشار والتأثير، بسبب تحيزها إلى «الإخوان» والإسلامويين، وبسبب أن قطاعات واسعة من الجمهور أصبحت تتابع الأخبار والبرامج الحوارية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، أو عبر القنوات أو الصحف التي تتفق مع مواقفها السياسية أو انتمائها الطائفي أو الجهوي.

5- إن تراجع صدقية الإعلام في دول الربيع العربي يدفع في شكل مطرد قطاعات من الجمهور إلى متابعة وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الأجنبية الناطقة باللغة العربية، والتي طوَّرت في السنوات الأخيرة من قدراتها الفنية وما تقدمه من برامج ومضامين. والإشكالية أن هذه القنوات لا تلتزم الحياد والتوازن والقواعد المهنية في الإعلام، وإنما تعمل لتحقيق مصالح الدول الأجنبية ودول الجوار العربي التي تمولها وتديرها. أما وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد فلم تنجُ من الاستقطاب والطائفية، وتحوَّل كثير منها إلى منصات لإطلاق الإشاعات ونشر خطاب الكراهية والطائفية.

6- زيادة أعداد الصحف والقنوات الفضائية والمواقع الإخبارية التي تعمل من خارج المنطقة العربية، وهي ظاهرة معروفة توصف بالصحافة أو الإعلام المهاجر. لكن الجديد أن الظاهرة تجاوزت الهجرة إلى أوروبا، إلى مصر وتركيا وإيران وقرط. وتقدم الدول الثلاث الأخيرة دعماً كبيراً للإصدارات العربية المهاجرة، ما يقلص من استقلالها ويؤكد تبعيتها. والمفارقة أن تلك الإصدارات يعمل فيها مئات الصحافيين الذين تحولت غالبيتهم إلى معارضين سياسيين، أكثر من كونهم صحافيين لديهم التزام مهني.

المصدر : ”المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية القاهرة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق