تحاليلتونس

هل هي جريمة دولة؟الصادق الهيشري والبوليس السياسي

بوجمعة الدنداني:

 

أصرخ كما صرخ الكاتب الفرنسي ايميل زولا صراخا يجب ان يقض مضاجع الموتى من الاحياء ليدركوا خطورة الذي يحدث والذي حدث ودون لف ولا دوران إني اتهم وزارة الداخلية بالتآمر والتواطؤ مع جهات ليبية بتصفية رجل سياسي معارض للنظام التونسي ،وهو ما يعتبر في القوانين الوضعية والرسالات السماوية جريمة مدانة تستحق العقاب .

قتل منذ واحد وثلاثين سنة{ 20 جوان 1984} ورغم كتاباتي شخصيا بالصحف التونسية منذ أيام بورقيبة إلى أيام الثورة وآخرها الرسالة التي وجهتها للسيد وزير الداخلية المؤرخة في 24 فيفري 2014 مطالبا بالاطلاع على أرشيف الشهيد بالوزارة خاصة انه قضى سنوات في سجن برج الرومي ببنزرت إضافة إلى المداهمات العديدة لمحل سكناه والاستيلاء على ممتلكاته الخاصة من وثائق وكتب وغيرها بالعاصمة وببوعرادة وبتيبار وسليانة وسوسة وغيرها حيث كان تحت الإقامة الجبرية فان صراخي ذهب مع الريح .
كما طالبت بفتح تحقيق في الغرض حتى وان كان متأخّرا ولكن لا حياة لمن تنادي . لماذا الصمت ؟ هل في الصمت حكمة ام هروب عن مواجهة الحقيقة .
الداخلية متهمة بالتستر على جريمة دولة .
السؤال المنطقي والذي يثير الريبة ويدفعنا الى الاتهام هو هل يعقل أن رجلا مثل المرحوم الصادق الهيشري المحامي المعروف والناشط السياسي والمنتمي لحزب البعث العربي الاشتراكي والحقوقي والناشط ثقافيا صاحب مجلة الباحث ودار النشر الرياح الاربع وجمعية مسرح الناس والذي استدعاه السيد مازري شقير ليعلمه بان السلطات التونسية مستعدة لتوفير حماية له اثر صدور المقال الفاجعة عن القذافي في شهر فيفري من سنة 84 ولم يمض على هذا المقال سوى اربعة اشهر حتى تمت عملية القتل العمد كل ذلك لم يشفع له حتى تتدخل الداخلية لتحقق في الامر.
هل يعقل ان لاتقوم الداخلية حتى بمجرد فتح تحقيق للتثبت من الامر لو لم تكن على بينة من الامر وادراك لما وقع واذكر شخصيا ان يوم اكتشاف الجريمة والايام الموالية كانت وزارة الداخلية غائبة تماما عملا بالمثل : كاد المريب ان يقول خذوني .
كانت سنتا 83و 84 قمة تعرضه للمضايقات من جهات مختلفة خاصة بين شهري فيفري وجوان من سنة 84.
أولا الاعتداء على البريد الشخصي
تمثل ذلك في حجز المراسلات وحجز مجموعة من الطرود البريدية المرسلة الى عنوانه خاصة من فرنسا كما تم خلع صندوقه البريدي الكائن بشارع قرطاج وتم الاستيلاء على محتوياته . وقد وجه في ذلك رسالة الى كاتب الدولة للبريد والبرق والهاتف اكد فيها أنه منذ سنة وهو يتعرض لمثل هده الممارسات وان مصالحكم هي التي تتولى اتلاف مراسلاتي . كما وجه مراسلة الى الوزيرا لاول آنذاك السيد محمد مزالي جاء فيها ….والدليل على ان مراسلاتي تحجز في تونس من طرف مصادر لست ادري من امرها بذلك واي سند قانوني اعتمدته في ذلك، ذلك انني كنت بباريس واشتريت كتبا ونشريات مختلفة وبعثتها بالبريد ولكنني لم اتصل بها واني أرفق لكم نسخة من جواب البريد الفرنسي عن شكوى كنت تقدمت بها اليه.
ثانيا الاعتداء على الممتلكات
تمثلت في تهشيم البلور الأمامي للسيارة بنهج سمرقند بتونس العاصمة كما تم أمام مستشفى شارل نيكول سرقة أمتعته من داخل السيارة .
ثالثا الملاحقة والمطاردة
بيانا جاء فيه: أصدر بتاريخ 13 فيفري 83
نتيجة للتهديدات بالتصفية الجسدية التي تلقيتها من النظام الليبي على اثر نشر مقال بجريدة الصباح ليوم 13 فيفري 1983 عنونته ب شطحات في سياسة الصمود والتصدي وأوضحت فيه وجهة نظري حول مؤتمر الشعب العربي الذي كان مقررا عقده بطرابلس ليبيا من 1 إلى 5 نوفمبر 1983 والدي انقلب الى مؤتمر للمعارضات العربية لمحاولة السيطرة عليها وتوجيهها.
نتيجة لذلك فإنني أعلن للسلطات التونسية باعتباري مواطنا تونسيا وللرأي العام الوطني والعربي بان اي اعتداء قد أتعرض إليه مستقبلا قصد تصفيتي فإنني اعتبره موجها الي من طرف النظام الليبي واحمله وحده مسؤولية ذلك.
وقد اضطررت لهذا الإعلان خشية أن يحدث لي في أحسن الظروف ما حدث لصديقي وزميلي الأستاذ الجامعي عبد الرحمان سلامة التونسي الجنسية والذي فر إلى ليبيا هربا من قرار إداري صادر ضده من السلطة التنفيذية التونسية بعد ان قضى مدة السجن المحكوم بها عليه من المحاكم التونسية في قضية سياسية فاعتقل في ليبيا وانقطعت أخباره وأخبار أسرته التي كانت تصاحبه رغم جميع الجهود المبذولة للبحث عنه مما يؤكد بأنه قد لاقى نفس المصير الذي لاقاه الإمام موسى الصدر .
وجه رسائل عديدة لكل من العميد منصور الشفي ورئيس الرابطة للدفاع عن حقوق الإنسان ورئيس الجمعية التونسية للمحامين الشبان الاستاذ ابراهيم بودربالة وللسيد وكيل الجمهورية الابتدائية بتونس .
ابرز ما جاء فيها ان الملاحقة تمت من طرف سيارة من نوع {سيمكا} يمتطيها شخصان وتمت الملاحقة أكثر من مرة من نهج سيدي البشير حيث يقطن إلى جهة أريانة في أكثر من مناسبة وتمت بين شهري مارس وماي من سنة ثلاث وثمانين وتكون غالبا بين الساعة السادسة مساء والتاسعة ليلا . واذا كانت هذه الملاحقات تنتهي بدون أضرار فان ما وقع يوم غرة فيفري من سنة أربع وثمانين هو الدال حقيقة على ان هذه الملاحقات لم تكن عفوية. كتب على لسانه للسيد وكيل الجمهورية ،:…فوجئت مساء الأربعاء الموافق لغرة فيفري الجاري وبينما كنت متجها الى المطار لتوديع صديق وبصحبة مساعدي وهو المتولي قيادة السيارة تعرضنا لمضايقة سيارة نوع {استفات} لم نعرها اهتماما في البداية لظننا أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد ضرورة فرضتها الصدفة لكن تبين ونحن عائدون من المطار أن الأمر ليس كما ظننا وان أعمال المضايقة مقصودة وأنا مستهدف شخصيا ، إذ انتبهنا إلى وجود سيارة بيضاء اللون نوع {ستروين} تقترب منا ونحن سالكون شارع المنصف باي على مستوى محطة البنزين وتعمل على إخراجنا من الطريق ومداهمة الحاجز الحديدي الفاصل بين الاتجاهين لنفس الشارع ونظرا لضيق المسافة ووجود شاحنات خلفنا ونزول الأمطار مصحوبة بضباب وخشية الانزلاق لم نتمكن من تفادي الاصطدام بالحاجز المذكور وتعطب سيارتنا بشكل كامل بعدما فرت تلك السيارة المضايقة والتي لم نتمكن بالنظر لمجموع الظروف ولعدم استخدامها لأضوائها من أخذ رقمها خاصة والساعة تشير وقت الحادث الى حوالي الساعة الثامنة مساء . انتهى.
رابعا الاعتداء بالحرق
جاء في بيان له
المكتب الكائن بشارع قرطاج كان يضم مكاتب السادة المحامين عبد الرحمان الهاني وبلقاسم خميس ومحمد الطاهر التايب والصادق الهيشري وكانت تعقد فيه جلسات للنقاش السياسي خاصة أن الأستاذين عبد الرحمان والتايب كانت لهما ميولات قومية وأسس الأستاذ عبد الرحمان إلى جانب الأستاذ محجوب الزموري حركة سياسية وهي التجمع القومي العربي سنة واحد وثمانين وكانت تتم مناقشات لإمكانية التقريب بين وجهات النظر الناصرية والبعثية والإسلامية و كان الأستاذ بلقاسم خميس شريكا في النقاش لميولاته الإسلامية .
شارع قرطاج أصبح بؤرة قلق تجمّع فيه كل المعادين للنظام والرافضين لأي تفتح عليه : البعثيون والناصريون والإسلاميون يتحاورون معا للخروج بتصور موحد لمجابهة النظام .
من هذا المنطلق يمكن فهم الحريق الهائل الذي شب في العمارة الكائنة بشارع قرطاج عدد 56 ورغم أن ما تقدم به الشهيد الصادق كنيابة عن المحامين والمتساكنين وكأنه حريق ناتج عن خلل فني من قبل الشركة التونسية للكهرباء والغاز ولكنه يشير إلى تباطؤ رجال الحماية المدنية وامتناعهم عن مقاومة النيران وغلق كل إمكانية للتدخل ووضع مواد بلاستيكية قابلة للاحتراق ..الخ
كل هذه المعطيات تؤكد أن الحريق كان بفعل فاعل وان السلطة لم تكن غائبة بل هي التي دبرت ونفذت بتواطؤ مع الشركة التونسية للكهرباء والغاز والحماية المدنية ومن كان وراء الحادث.
وقد كنت شخصيا من بين المشاركين في هذا الاجتماعات.
جد هذا الحادث يوم 9 مارس 1984
خامسا شهادة من موقع لحزب البعث العربي الاشتراكي
جاء فيها :
..لم تكن مسيرة البعثيين بتونس بالسهلة فعلاوة على السجون والمضايقات والطرد والتجويع فقد قدموا الشهداء سواء في ساحة المقاومة الفلسطينية او في معارك الدفاع عن الجناح الشرقي للأمة العربية إبان الحرب بين نظام الملالي الرجعي في ايران والنظام الوطني البعثي في العراق او في المقاومة الشعبية للاحتلال الصهيو _امريكي منذ 2003 إضافة إلى شهداء الساحة التونسية كالرفيق الشهيد الصادق الهيشري الذي اغتيل في صائفة 1984 في عملية مشتركة بين المخابرات الليبية والتونسية والرفيق حسين المباركي وغيرهم.
طبعا لا يحتاج هذا إلى التعليق والقول بأنه رغم الشكايات العديدة التي تقدم بها الشهيد فان السلطة لم تحرك ساكنا لا بل لم تتفطن إلى انه مواطن تونسي من واجبها الاستجابة لمطالبه وحمايته كما يلاحظ فان اثر المقال الفاجعة تسارعت الأحداث وأصبح رأس الصادق الهيشري مطلوبا تونسيا وليبيا وإيرانيا وسوريا لمواقفه المعلنة والمعادية لهذه الدول العربية والأجنبية التي تحالفت ضد النظام الوطني في العراق .
من نتهم إن لم تكن السلطة التونسية ممثلة في وزارة الداخلية المطالبة بحماية مواطنيها لا الانغماس في دمهم ، وحتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود فاني أعيد واكرر: إني اتهم وزارة الداخلية بقتل الشهيد الصادق الهيشري وبالتالي هي جريمة دولة وإلا لماذا لا تفرج عن أرشيف البوليس السياسي كما طالبت بذلك رئيسة هيئة الكرامة والحقيقة وهو طلب ضروري لاستكمال أهداف الثورة والعدالة الانتقالية.

المصدر: ”الشروق”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق