تونسدراسات

في مواجهة التهديدات الإرهابية التي تُمثلها داعش والقاعدة في تونس : أي تحديات يمكن أن تواجهها المؤسستين الأمنية والعسكرية؟

 

 

Afficher l'image d'origine

علي عبد اللطيف اللافي:

             في خضم تنامي التحديات الاقتصادية ومصاعب مواصلة بناء الانتقال الديمقراطي في تونس، تُمثل التهديدات الإرهابية تحديا متزايدا للأجهزة الأمنية وللمؤسسة العسكرية، وهو ما توضح خاصة بعد كشف الخلايا الارهابية في عدد من أحياء العاصمة وبصورة أدق في حادثتي بن قران ( 2-7 مارس 2016 ) وتطاوين والمينهلة ( 11 ماي 2016 )، إضافة الى بقاء الوضع الليبي مفتوحا على كل الخيارات رغم تشكيل حكومة السراج ومباشرتها لمهامها، فأي تحديات يمكن أن تواجهها المؤسستين الامنية والعسكرية في تونس خلال الأسابيع والأشهر القادمة في مواجهة التهديدات الارهابية؟

1-مختلف التحديات المحتملة:

         بناء على استقراء تطورات الاوضاع ودراسة طبيعة التنظيمات الإرهابية، يُمكن حصر التحديات المحتملة في النقاط التالية:

+  التحدي الأول : الاستنفار “الكاذب”:

         و هو تحدَ يتمثل عمليا في أن  كل الأجهزة الامنية والعسكرية في تونس تواجه في تعاملها مع أكثر من تنظيم ارهابي[1]، إرباكا كبيرا من طرف العديد من الجهات التي تُكثر من حشر أنفها في العمل الأجهزة عبر القول بتوقع عمليات ارهابية وتدعو دائما للتشاؤم والتلويح بيوم الزلزال[2] الى آخره من التخمينات اضافة لتهديدات الارهابيين انفسهم بعدد من العمليات بشكل دوري طوال السنوات الماضية عبر مواقع الكترونية  طالما جرى جدل سياسي وإعلامي حول طبيعتها وكنهها ومن يقف وراءها فعليا أو صفحات أخرى تدعي معرفتها المسبقة بتوقيت عدد من العمليات الارهابية[3]

ويعرف كل المتابعين أن المؤسستين تقومان بعملهما بكفاءة، وأنه قد توفرت لديهما نتاج عمل مدروس لوحداتهم مُؤشرات حول وجود تهديدات إرهابية وشيكة و انهما تستنفران طاقتهما لمواجهة اي تهديد محتمل، و لكن نظريا وواقعيا و عندما لا يقع الهجوم الإرهابي مباشر بعد التحذير وخاصة عند تعدد التحذيرات في أكثر من مرة، فإنه لا يتم أخذ التحذيرات التالية على محمل الجد، و حينها قد تقع العملية الإرهابية وهو ما يرهق المؤسستين نتاج نقص الامكانيات اللوجستية رغم ما بذلته الدولة التونسية وشركائها الخارجيين في التزويد بالمعدات والوسائل ولكن طبيعة المرحلة ومقتضيات التطورات على الحدود تجعلان المؤسستين في خضم هذا التحدي معنويا وماديا بل وبشريا ايضا فالمؤسسة العسكرية مثلا ومنذ اطلاق شرارة الثورة، تلازم الميدان (حماية الثورة – المناسبات الانتخابية – محاربة الارهاب – حماية المؤسسات في أكثر من مناسبة)… 

و في أكثر من مرة منذ عملية الروحية في 2011 لجأت التنظيمات الارهابية في تونس إلى إطلاق عدة تحذيرات متتالية حول نيتها القيام بعملية ارهابية في هذه المدينة او تلك، و كان الهدف هو إرهاق الأجهزة الأمنية  أو للتمويه على العملية الإرهابية التي تقوم بالإعداد لها في مكان او وقت لاحق،  وهي مسالة مستوحية عمليا من التحذيرات المتتالية التي يطلقها تنظيم ” داعش” ضد عدد من العواصم الغربية، ونتاج ذلك فإن الأجهزة الأمنية تصاب عمليا بالإنهاك  إذا تعاملت مع كل تحذير على أنه تهديد جدي، بل وتضطر لإجراءات دفاعية واسعة، وهي مسألة ارهقت بلدانا على غرار الولايات المتحدة وفرنسا فما بالك ببلد يعيش مرحلة الانتقال الديمقراطي وفي ظل وضع ثوري و شبه انتقالي رغم الخطوات المقطوعة …

 +  التحدي الثاني:  صعوبة التفكيك من الداخل:

              يتمثل هذا التحدي في صعوبة الاعتماد على المصادر البشرية وخاصة  للعناصر والمجموعات الناشطة في الخارج نظرا للطبيعة المغلقة للتنظيمات الإرهابية وأيضا نتاج واقع التعامل الذي توخته الأجهزة في عهد  النظام السابق باعتباره نظاما بوليسيا واستبداديا وأيضا نتاج ان التنظيمات في تونس هي تنظيمات مركبة ومحمية لوجستيا من طرف من يوظفها في بُؤر التوتر، إضافة الى التطورات المتسارعة سياسيا من 2011 الى 2016، وبالتالي وجب الاعتماد على عوامل أخرى و في مقدمتها الاعتماد على المصادر العلنية ومنها وسائل الإعلام في الداخل والخارج لاستقراء التحذيرات منها خاصة في ضوء اعتماد الإرهابيين في تونس على شبكة الأنترنات  وذلك للترويج لأجنداتها و أفكارها و تجنيد الأنصار، و بالتالي فإن تفحص المواقع الإلكترونية التابعة لهذه الجماعات قد يلعب دورا كبيرا في منع الهجمات الإرهابية وهو ما اثبتته المعطيات المنشورة حول التحقيقات في أحداث بن قردان و حادثتي “تطاوين” و”المنيهلة”…

 كما يمكن عمليا في المستقبل استعمال آلية استقراء آلية التفكير لقيادات التنظيمات الإرهابية،  فالإرهابي سيف الله بن حسين ( المعروف باسم أبو عياض) مثالا لا حصرا يعتمد هو وأتباعه و تنظيمه والمقربون منه، منطق “المناسبة السياسية”، لتنفيذ عملياته الجبانة ( 25 جويلية في حادثة اغتيال الشهيد البراهمي)، وحادثة “باردو” جدت يومين قبل 20 مارس من سنة 2015 كما ان حادثة بن قردان كانت مبرمجة ليوم 19 مارس 2016، أي قبل واحد من 20 مارس 2016…

+ التحدي الثالث : معضلة القياس الزمني:

             عمليا تلجأ  كل أجهزة الاستخبارات في العالم إلى الاعتماد على السوابق التاريخية – أو بالأحرى القياس الزمني-  في التنبؤ بالحوادث المستقبلية وهو الأمر الذي يكون مُضللا و تكون تكلفته عالية في بعض الأحيان و تتضح هذه الحقيقة بصورة أساسية في التقديرات “الاستخباراتية” للاعتماد على النماذج الاحصائية و التي تعتمد على التنبؤ بمستقبل العمليات الإرهابية على مدى تكرار تلك العمليات في الفترة الماضية وهو ما يجعل الدولة أقل شُعورا بالأمن حتى لو تم التنبؤ بإمكانية وقوع عمليات إرهابية عديدة[4]، فهذا الأسلوب لا يُحدد بالضرورة الأماكن التي سيتم استهدافها، ويمكن في تونس الاعتماد على هذا الاسلوب نتاج المساحة الجغرافية الصغيرة لتونس ونتاج عدم وجود حاضنة شعبية للإرهابيين و نتاج  القدرة موضوعيا على مراقبة تطور الاوضاع في ليبيا واستباق اختراقهم في معاقلهم الخارجية عموما ( ليبيا – سوريا – الحدود الجزائرية التونسية ) …

+ التحدي الرابع : فهم الظاهرة الإرهابية  :

           عمليا استفادت الجماعات الإرهابية الجهادية في الفترة الأخيرة وفي كل البلدان والقارات من التطورات التكنولوجية وهو ما جعلها تمثل تحديات إضافية مقارنة بالجماعات الإرهابية  ذات الأجندة المحدودة ….  

 وهنا لابد من دراسات ميدانية وإحصائية للعائدين من بؤر التوتر فلابد من تجرى مقارنة بين من حارب في جبهة النصرة في سوريا ( افرادها لا يمارسون في اغلبهم اعمال ارهابية في بلدانهم الأصلية)، ومن حارب في تنظيم داعش ألإرهابي في بؤر التوتر المعروفة، وهنا يُمكن للمؤسسة الامنية الاستفادة من التوجيه او الاختراق  او التوظيف بناء على تلك الدراسة التي تقارن بين افراد التنظيمات الارهابية و فهم مختلف مجموعاتهم وأساليبهم وعلاقاتهم الخارجية ودراسة ادبياتهم وإنتاجهم الاعلامي بدقة متناهية والاستفادة منها بعيدا ….

كما لابد من تفادي الاعتقال بناء على مظاهر التدين لما له من ترتبات خطيرة سياسيا واجتماعيا بل وتتحول محاربة الارهاب الى تغذية مستقبلية له، اضافة الى أن التنظيمات الارهابية دخلت مرحلة استعماله التقية ( أي ان الارهابي الجديد أصبح يبطن ما لا يظهر)، ومن جهة أخرى فإن هناك تحولا سريعا لا في عناصره من فئة المتعاطفين إلى فئة العناصر التي تقوم بتنفيذ عمليات إرهابية فعلية، كما أن تلك الجماعات ليس لها لا منطقة تمركز واضحة فهي تتكون منة عدد من الوحدات المستقلة و التي تتشكل باستمرار و تعيد ترتيب نفسها، و بالتالي فمن الصعب تحديد أماكنهم ومنطق تنظمهم المستقبلي….

كما لابد من الفهم  أن الهدف الرئيسي للإرهابيين يتمثل في إشاعة مناخ من الخوف من خلال تنفيذ عمليات إرهابية تستهدف الأماكن العامة وهو ما يجعل من الصعب على الأجهزة توقع مصادر و أساليب الهجمات المستقبلية، وهو ما يجعل العلاقة مع المواطن ركيزة أساسية  في القيام بالعمليات الاستباقية قبل أي منطق أو وسيلة أخرى…

+ التحدي الخامس : تعدد العناصر الارهابية المشبوهة 

           إن أحد المشاكل التي واجهت الأجهزة الامنية والعسكرية التونسية في التعامل مع الإرهاب هو عدم وجود عدد كاف من الأفراد لدى الأجهزة الأمنية لتعقب  العناصر الارهابية وهو ليس عيبا على عكس ما يعتقد البعض، لأنه من المستجدات التي فرضتها التطورات الإقليمية، وهو ما تجسد لدى بلدان قوية وكبرى على غرار فرنسا وبلجيكا، وهو ما توضح بصورة جلية في أعقاب تفجيرات باريس الإرهابية في نوفمبر 2015 وتفجيرات “بروكسال” في شهر مارس 2016، ذلك أن أجهزة الاستخبارات و الشرطة الفرنسية كان لديها حوالي  500-600 عنصر لمراقبة الأفراد، في حين أن تلك الأجهزة لديها على قوائمها حوالي 11 ألف شخص يمثلون تهديدا محتملا للأمن القومي الفرنسي…. [5]

و وقد اثبتت الدراسات الامنية المختصة أن مراقبة العنصر الواحد المشتبه به على مدار الساعة حوالي 30-40 شخصا وهو ما يدفع تلك الأجهزة إلى ترتيب هؤلاء الأفراد من حيث الخطورة و اختيار العناصر الأشد خطورة من منظور هذه الأجهزة لمراقبتهم ورصدهم[6]، وهو ما لم يفهمه ويستوعبه العديد من السياسيين ولا الاعلاميين ولا حتى اعضاء النقابات الأمنية نتاج تسييسها للقضايا الأمنية في ما استوعبته الفرق الميدانية للمؤسستين الأمنية والعسكرية وأثبتته الوقائع في عمليات إستباقية عديدة خلال الاشهر الماضية  ….  

2-لا مستقبل للإرهاب ولكن التحديات ستبقى عديدة   :

            يُمكن الجزم أن المؤسستين الامنية والعسكرية وان استفادتا كثيرا من طبيعة الاحداث والتطورات السابقة واكتسبتا الخبرة الكافية وخاصة ثقة الشعب وتعاونه الميداني عند كل عملية إرهابية، و هو ما تجسد يومي 2 و 7 مارس الماضي في معتمدية بن قردان الحدودية، فإنهما أي المؤسستين الأمنية والعسكرية ستجدان نفسيهما امام تحديات جديدة وعديدة في  مواجهة هذه التنظيمات لأسباب عديدة ومتنوعة ونتاج طبيعة التطورات وطنيا وإقليميا  ودوليا…

و لكن الثابت والأكيد أن كل تونس وراء المؤسستين الامنية والعسكرية والذين ستنجحان في محاصرة الارهاب اذا ما تكاتفت الجهود كل الجهود، ولكن الارهاب سيقى تحديا رئيسيا باعتباره ظاهرة عابرة للقارات والبلدان وباعتبار ان مفاتيحه الرئيسية هي عند تنظيمات معولمة وعند قُوى كبرى صنعته ومولته وتتحكم في مستقبله وهي من الممكن ان تصنع مستقبلا النسخة الثالثة منه وأيضا رابعة وخامسة اذا ما اضطرت لذلك كاستجابة لتنفيذ استراتيجياتها طويلة المدى وغير المعلومة التفاصيل، أي أننا نحارب ارهابا بعض ظواهره ذاتية اي مرتبطة بنا وبقدراتنا ووعينا وفعلنا الاجتماعي والاقتصادي، وبعضها اللآخر مرتبط بما هو موضوعي اي بالآخر الدولي والإقليمي و  وغير مرتبط  لا بسياسيينا ولا اقتصادنا و لا ثقافتنا، وكل ذلك يعني ان المؤسستين الامنية والعسكرية وكل المجتمع التونسي هم أمام تحديات مستقبلية في مواجهة الارهاب بأنواعه المختلفة وان المطلوب دائما هو التكاتف والوحدة الوطنية وهما سلاحين لا يمكن هزمهما في كل الحالات اذا ما استوعبنا طبيعة التطورات وفهم العالم الجديد وتفاعلاته وطرق التفاعل معه في كل المجالات الحياتية  ….   

المصدر: “تي 24”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:  

[1]  تتمثل التنظيمات الارهابية حاليا في: 

  • تنظيم ”القاعدة”  في تونس، والمتمثل حاليا في المنتمين لـــ “كتيبة عقبة ابن نافع ” (والتي ترأسها الجزائري ”لقمان ابو صخر “ثم شقيقه قبل وفاته بأيام ) ،وكل العناصر المنتمية لتنظيم ”القاعدة في المغرب الاسلامي اضافة الى بقايا خلايا الأجنحة الأمنية والعسكرسة “لتنظيم “أنصار الشريعة”
  • أتباع تنظيم داعش الإرهابي، والذي يظهر تحت مسميات عدة من بينها جند الخلافة وشباب التوحيد)
  • [2]  يمكن مثلا متابعة تصريحات “فريد الباجي” في أكثر مناسبة وفي أكثر من وسيلة إعلامية ….

[3]  المثال الذي يعرفه كل المتابعين وكل مرتادي الشبكة الاجتماعية هي صفحة المارد الجزائري….

[4]  مفاهيم المستقبل ، ملحق العدد 16 من مجلة “اتجاهات الأحداث” ، ص 9 بتصرف

[5]  نفس المصدر، ص 10 بتصرف

[6]  نفس المصدر ، ص 10 بتصرف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق