موريتانيا

قراءة في كتاب: الحراطين في الخريطة السياسية الموريتانية

 Afficher l'image d'origine

 ترجمة وعرض:

       الدكتور: باب ولد لبات

1.   تعريف بالكتاب والمؤلف:

     يتناول هذا الكتاب إشكالية هامة رهنت  ولا زالت  ترهن مصائر أجيال متعاقبة من بعض فئات المجتمعات الإفريقية، وليس المجتمع الموريتاني إلا واحدا من تلك المجتمعات التي اكتوت بعض شرائحها بنار الاسترقاق، وعانت من ويلات الممارسات المتمخضة عنه، ولازالت إلى  اليوم تئن تحت وطأة بقايا آثاره المدمرة وتبعاته المهينة.

 تلك هي  قضية الحراطين  أو العتقاء والأرقاء السابقين: وضعهم الراهن،  ومكانتهم  في المجتمع  في ضوء ما استجد من حركات وتحولات اجتماعية متسارعة، علاقتهم بالدولة الوطنية الفتية في ظل مختلف الأنظمة  المتعاقبة، ثم مستقبلهم  في إطار هذه الدولة، والتفاعلات  المحتملة  مع باقي  الشرائح والنظام السياسي ككل.

  اما المؤلف فهو السيد الدكتور العربي ولد السالك الحاصل علي دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة  السوريون،  بعد ما تخرج بإجازة -متريز- في الفلسفة من كلية لآداب والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط، ثم دبلوم  دراسات معمقة  من جامعة  بول فالي موتتبلين3 في انتربولوجيا  الديناميكا الاجتماعية والثقافية، إضافة  إلي دبلوم دراسات معقمة  في العلوم السياسية من جامعة  باريز1 بانيون  السوربون.

 صدر الكتاب عن دار “لارمتان” للنشر، وقد جاء في نحو 153 صفحة  من الحجم المتوسط، وسلك فيه الكاتب  منهجية  ثنائية مقسما إياه إلى  بابين، احتوي كل منها بدوره على فصلين،  إضافة إلي مقدمة طويلة نسبيا وخاتمة من بضع صفحات.

  عنون الباب الأول:  عود على  إلغاء الرق،  وتناول هدا الموضوع في فصلين:

 اختار للفصل الأول عنوان: تاريخ لقضية الاسترقاق

 اما  الفصل الثاني فقد خصصه لمناقشةإلغاء الرق

في حين اختار للباب الثاني  كعنوان:الحراطين  كرهان  سياسي للمسلسل الديمقراطي.

حيث  تناوله مبتدئا  بتمهيد وجيز ثم فصل أول عنونه : ترسيخ الديمقراطيــة وقضية الحراطين ، ثم فصل ثان عنونه: الاسترقاق في صلب النقاش الديمقراطي.

و قد حوصل أهم ما توصل إليه من نتائج في خاتمة وجيزة نسبيا مقارنة بمقدمة الكتاب.

2. عرض موجز لأهم مضامين الكتاب:

   يبدأ الكاتب في المقدمة مذكرا أن تعليمة التاسع من نوفمبر عام 1981 إلى جانب أهميتها النسبية، جاءت لتعكس إرادة سياسية واستراتيجية للحكم العسكري الجديد.

واليوم وبعد عقدين من إصدار هذه التعليمة، يستوقفنا متسائلا أليس من المدهش والمحير الحديث من جديد عن الرق في موريتانيا، والذي جاءت التعليمة أصلا لإلغائه؟.

قبل أن يسترسل ملاحظا أنه ومنذ بدء الديمقراطية الشكلية في الواقع السياسي الموريتاني، ظهرت تآلفات بين الفاعلين السياسيين، انبثقت منها نخبة سياسية احتكرت مقاليد ومؤسسات السلطة والدولة. وقد كان اتخاذ موقف ما من الرق، يتم دائما تبعا لرهانات الفاعلين المعنيين على فئة الحراطين في أفق إعادة إنتاج متكررة لتوازنات سياسية متجددة.

وحتى قبل مسار الدمقرطة كان المناخ السياسي لسنوات الثمانينات في موريتانيا مصبوغا بثنائية معرب/مفرنس، تلك الثنائية التي كانت تغذيها ثقافة أزمة في الهوية تعاود الظهور والتعبير عن نفسها باستمرار وبأشكال مختلفة.

فالتوجه إلى مغازلة الحراطين من طرف الحكم العسكري الجديد، كان نتيجة لشعوره بالضغوط الناجمة عن حالة الاستقطاب الثنائي بين قوميين زنوج أفارقة وقوميين عرب.

وهكذا وفي هذا الخضم ظهرت حركة “الحر” كحركة سياسية تقدم نفسها على أنها المتحدث الوحيد باسم فئة اجتماعية تعتبر المعانات من الاسترقاق العامل المشترك الأوحد الجامع بينها والمسوغ  الفريد لمطالبها والمحفز لنضالاتها.

ذاك ما أراد أن يرصده هذا الكتاب، محاولا الاعتماد على التحليل القائم على الحقائق الاجتماعية أكثر من غيرها، لماذا؟ يتساءل الكاتب قبل أن يستطرد مجيبا نفسه:

لأن قضية الحراطين تخفى وراءها في حقيقة الأمر معضلا أساسيا هاما، هو معضل الاسترقاق.

فالحراطين لا يشكلون بأنفسهم قبيلة قائمة بذاتها، وإنما يحدد موقعهم في الهرم الاجتماعي من موقع قبيلة البيظان الموالين لها.

لقد شرع القانون الإطاري للاستقلال الذاتي، الطريق لاستمرار الأطر التقليدية للبنى الاجتماعية، من خلال تركه الباب مشرعا لاستحواذ واحتكار المجموعات المتنفذة تقليديا على الإدارة والتسيير والتوجيه في الدولة الوليدة. انعكس ذلك في أداء حكومة الاستقلال والذي كانت توجهه دائما ديناميكية العلاقات بين المجموعات المحلية.

واليوم نرى كل الفاعلين السياسيين بغض النظر عن توجهاتهم السياسية وخلفياتهم الإيديولوجية يراهنون على الوعاء الانتخابي الهائل الذي تمثله الكتلة الناخبة للحراطين، ولا يشذ القطب الممانع الممثل للزنوج لأفارقة الموريتانيين عن هذه القاعدة. إذ لا يخفى أصحابه إرادة في استيعاب الحراطين كغيرهم من المجموعات السوداء في البلاد، وهو ما سمح بظهور مفهوم جديد: “الزنجي الموريتاني المضطهد“.

 إن موريتانيا بلد صحراوي أدى التنوع الثقافي لساكنيه وضعف موارده الاقتصادية، وقرابة ربع قرن من الاستعمار إلى تشكيل وعيه الجمعي الذي يعتمد على الرصيد الأسطوري لتاريخ البلد وهو التاريخ الذي يستمد منه الاسترقاق قوته ومشروعيته.

ونظرا لتجذره في التقاليد الشعبية فقد ظل الرق عصيا على كل محاولات الإلغاء، يشهد بذلك تاريخ العهد الاستعماري وتاريخ الدولة المستقلة. ورغم الرسالة الحضارية للاستعمار -بتعبير المؤلف،  فإنه أحجم عن تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بالرق والسارية في فرنسا على موريتانيا. ويعود السبب في ذلك على ما يبدو، إلى التحالف الذي أقامه الاستعمار مع الزعامات التقليدية التي كان يعتمد عليها في ترسيخ دعائم وجوده وتوطيد أركانه.

ومنذ الاستقلال يظهر من تتبع المسار السياسي للدولة المستقلة تحالف (أو قل تآمر) بين السياسيين والمجموعات المتنفذة في البلد.

 يقول المختار ولد داداه أول رئيس للجمهورية المستقلة: “إن مشكل الرق في موريتانيا يمكن حله بطريقتين: إما عن طريق الثورة الدموية العنيفة وهو ما لا تتحمله الدولة الوليدة، وليست لديها الوسائل والإمكانات للازمة له، وإما عن طريق التطور البطيئ والمتدرج للمجتمع بالتوازي مع نموه وتطوره المدني والاقتصادي وهو ما نحن بصدد إنجازه، والدليل عليه أن مالكي العبيد الذين كانوا لا يتحرجون من وصفهم بعبيدهم، أصبحوا الآن يستحيون من التصريح بذالك ويبحثون عن عبارات أخف وألطف لوصف رابطتهم بالمعنيين. إننا لا نستطيع أن نغامر بالتصدي لهذا النوع من الإشكاليات في الوقت الذي توجد فيه البلاد في حالة خطر حقيقي ومع ذلك فإننا منشغلون كامل الانشغال بهذا المشكل”.

ومع أنه من الوارد اعتبار مشكل الأرقاء وعتقهم قضية اجتماعية، إلا أننا نجد أنها ما لبثت أن أًًصبحت إشكالا من الإشكالات السياسية الكبرى المطروحة للدولة الموريتانية ونخبها.

فهل يمكن اعتبار تصريحات أول رئيس للدولة المستقلة ضعفا لهذه الدولة أمام الزعماء التقليديين  أم استيراتيجية وطنية واعية؟

يمكننا القول إن مهادنة الرئيس للشيوخ التقليديين فيما يتعلق بالرق إنما تهدف إلى عدم إثارة نقمة هؤلاء عليه مما يضعف سلطته داخليا، قصد تدعيم الوحدة الوطنية المقدسة خاصة أن البلاد في تلك الحقبة كانت مورطة في حرب الصحراء الغربية.

ودائما وفي الساحة السياسية الموريتانية كان الساسة ميالون إلى اللعب بورقة الرق لجعلها أداة يحققون بها مراميهم السياسية ولو على حساب أصحاب القضية أنفسهم.

ذلك لأنه وبالنسبة لهؤلاء المسؤولين، فإن: ((جعل حياة الأرقاء أكثر رخاء دون إثارة حنق أسيادهم يمثل طريقة عملية لحل المشكل دون إثارة توترات جديدة)).

 ومع انقلاب العاشر من يوليو 1978 دخلت البلاد مرحلة تاريخية جديدة، غير أن أولوية استقرار النظام الجديد، أخرت إلى حد ما بعض القرارات السياسية الهامة، ومن بينها تلك المتعلقة بالرق التي وجدت نفسها تتراجع بفعل المشاكل المعقدة للراهن الوطني آنذاك حسب تعبير القادة الجدد أنفسهم.

وإن كانت تعليمة التاسع من نوفمبر 1981 جاءت لتمثل اعترافا ضمنيا بوجود الظاهرة مما أثار انطباعات متناقضة بالتفاؤل والتشاؤم بين جماعات الضغط ومن بينها الحراطين.

أما على المستوى الديموغرافي فإن الأرقام المتعلقة بالحراطين ظلت دائما، ذات رمزية سياسية خاصة. فمنذو سنوات تم تقدير عدد “البيضان السود”، وهي إحدى تسميات الحراطين نسبته 40 إلى %45 من مجموع عدد السكان وهو ما يناهز 900 ألف نسمة.

ووراء متاهات الأرقام فإن بعض المؤشرات الأخرى كنسبة الزيادة الطبيعية والمواليد والخصوبة لدى هذه الفئة تؤكد أهمية المعطى الديموغرافي في قضية الحراطين.

فعلى سبيل المثال يبلغ متوسط أفراد العائلة الواحدة من 2 إلى 8 لدى هذه الفئة، ينضاف إلى ذلك الزواج المبكر للفتيات فيما بين سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة. وتتجلى هذه الظاهرة أكثر في منطقة كيدماغا التي يساكن فيها الحراطين مجتمع السوننكي و هي المساكنة التي أثرت بطبيعة الحال على عادات وسلوك الحراطين خصوصا فيما يتعلق بتعدد الزوجات، إذ يبدو الفارق الوحيد بين الفئتين هو عزوف الضرائر في مجتمع الحراطين عن السكن في نفس البيت.

وبالطبع لا يخفى ما لانتشار ظاهرة التعددية في الزواج من أهمية كمعطى ديموغرافي ينضاف إلى معطيات أخرى تعتبر كلها مقدمات لنتيجة واحدة شبه أكيدة وهي أهمية الثقل الديموغرافي للحراطين.

وبغض النظر عن الحجم الديموغرافي الحقيقي لهذه الفئة، فما هو الحيز السياسي الممنوح لها؟ إن عددهم يفترض أن يكون المعيار المعتمد للقوة السياسية التي يمثلونها وهو ما تتجاهله السلطة، إذ من وجهة نظرها:

((إنه ليس من مصلحة أحد إحصاء هذه الفئة ولا إعطاؤها أي معيار للخصوصية ولا المغامرة بجعلها تعي بمستوى القوة الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تمثلها)).

وفي الواقع فإن الوزن الديمغرافي لكل فئة يعتير أصل المشاكل السياسية في موريتانيا حيث تتنافس الفئتان البيضاء والزنجية الإفريقية في تقرير المستقبل السياسي للبلد.

وقد كتب أحد كبار الباحثين يقول:

((في هذا البلد يسري قانون غير مكتوب هو قانون (قاعدة الربع) والذي طبقا له يحوم تمثيل هذه الفئة في كل المؤسسات حول هذه النسبة أي “الربع” والذي يقدر أنه يمثل نسبة عددهم مقارنة بعدد السكان العام)).

إن إجراء تحليل سياسي للاسترقاق والحراطين في موريتانيا ليس بالمهمة السهلة.

إذ أحجمت الأوساط الجامعية الموريتانية عن تناول هذا الموضوع على مدى عقود، حتى كان عام 1983م حيث ظهرت أولى مذكرة لنيل المترير مخصصة لتناول تعليمة إلغاء الرق في موريتانيا مقدمة من طرف الطالب يومها والوزير لاحقا السيد  محمد الأمين ولد أحمد.

وقد جاءت هذه المذكرة في شكل نقد أكاديمي للتعليمة رقم 81234 الصادرة في التاسع من نوفمبر 1981 وقد أوضح الكاتب المدى القانوني الصرف لهذه التعليمة و انعكاساتها في الواقع.

وتجدر الإشارة إلى انه بالإضافة إلى مقاربتها التحليلية، فقد جاءت في فترة عمد فيها الرئيس محمد خون ولد هيدالة إلى إدراج الكفاح ضد الاسترقاق ضمن مشروعه السياسي، وذلك لاستمالة الحراطين  إلى دعم سلطته، وبعد ما استجلى العوامل المسوغة لإلغاء الرق عمد ولد أحمد إلى تحليل المبادئ العامة المتمخضة عنه.

وبالتأكيد فقد ساهم هذا البحث في إماطة للثام عن موضوع الاسترقاق ولو بواسطة العنوان فحسب. لكن تحليله لم يتجاوز البعد القانوني المحض، وفي نفس الإطار تجدر الإشارة إلى دراسة أجراها لكيحل ولد محمد العبد، وهي دراسة تاريخية للرق في الوسط البيضاني، وهي الظاهرة التي تعود في جذورها إلى العهد الاستعماري وما قبله. و رغم نوعية الدراستين المذكورتين إلا أنه ينبغي الإشارة إلى ملاحظة مشتركة بينهما وهي العجز في الإنتاجية العلمية حول موضوع الاسترقاق، ولعل أيديولوجية الصمت والغموض التي ميزت البلد كانت وراء عدم الاهتمام الملاحظ في النخبة حول هذا الموضوع وما يتعلق به.

لقد شكل وصف -همزة الوصل- الذي طالما وصفت به موريتانيا، إشارة إلى موقعها كبوابة غربية للعالم العربي على إفريقيا الساحل وجنوب الصحراء، عامل إرباك للباحثين، إضافة إلى حداثة المؤسسات البحثية والجامعية في البلد، هذا زيادة إلى حقيقة أخرى أكثر مرارة وهي كون مهنة الباحث دائما يكون صاحبها محل تهمة ومنفور منه وغير مرحب به. فالمناخ  السياسي السائد غير مشجع للبحث عموما، و في الانتربولوجيا الاجتماعية والأثنيات خصوصا. ولعل أدق توصيف لتلك الحالة هو ما يقدمه الاستاد مار شينيه وقد خاض التجربة، حيث يقول:

(( باستثناء حالات نادرة و معزولة فإنه في موريتانيا يتم غض الطرف دائما عن كل ما يمس حقيقة الحياة الاجتماعية، فالباحثون الموريتانيون، وإذا ما استثنيا القلة منهم ـ يمتازون بمحدودية إنتاجهم، في هذا المجال، فكون مهنة الباحث فيه ليست مربحة و لا جذابة، جعل كل من له طموح إلى مسار مهني شخصي ناجح، يجد نفسه مجبرا على التزام حياد سلبي ليس فقط تجاه الحكومة و سياساتها، وإنما أيضا تجاه كل طرف نافذ قد يكون موضوعا للانتقاد. ذلك انه  في مجتمع صغير نسبيا كل أفراده متعارفون تقريبا، ينظر إلى سمعة الفرد على أنها قيمة أساسية وبالتالي فليس من السهل الكتابة بما يورط الغير أو يمس منه…. وفي مقابل غياب الرغبة في الكتابة و الحافز إليها، تلعب الصالونات والشائعات وحكايات الشارع دورها في تعويض الفراغ الناجم عن غياب الكتابة والتأليف بجدارة..))

لكن وعلى المستوى الابستيمولوجي مثلت نهاية سنوات السبعينات قطيعة مع ذالك الميل إلى الصمت وثقافته، وظهرت محاولات علمية لرصد الفعل والصيرورة الاجتماعية، ليس على الصعيد المؤسساتي فحسب، وإنما أيضا مع الأخذ بعين الاعتبار للديناميكية المجتمعية: الحقائق الاجتماعية، منطق الفاعلين واللاعبين المحليين، والصيغ الشعبية للعمل السياسي.

بدا ذلك للمرة الأولى مع كتابات جان أفرانسوا بايارت، خصوصا من خلال مفهوم “الصيغ الشعبية للفعل السياسي”: والتي حسبها في الوضعيات السياسية المتميزة بالسلطوية وفي مواجهة الرقابة السياسية المركزة من الأعلى فإن الفاعلين الخاضعين لها، يعمدون إلى السعي إلى الانتقال نحو الأسفل حيث الفضاءات أرحب وأكثر استقلالية وتحررا من عين السلطة وسطوتها.

لكن البعد الإيديولوجي في الصيغ الشعبية للأفعال السياسية، لم يدرس بما فيه الكفاية من حيث ما يوفره من مضمون للعلوم السياسية وحول هذا النزوع الجامح نحو الأسفل يعلق كولون قائلا:

” إننا بإنزال السياسة إلى الأسفل نكون قد سعينا إلى تجريد الدولة من قدرتها على صبغ السياسة بصبغة الشمولية، ونكون بالتالي قد مضينا في صنع سياسة غير تلك التي يشكلها منطقها هي ونظامها”، ويقرر الكاتب تحت عنوان: “ضرورة إيجاد علوم سياسية  جديدة لعالم جديد، أن تسمية “المجموعة الإشكالية” تندرج كمقاربة تحليل تثير الإشارة إلى الآليات التي بواسطتها يظهر المسودون قدراتهم الاحتجاجية من أجل رفض الأمر الواقع والدفع نحو التغيير في الاتجاه الذي يحقق مصالحهم.

إن مقاربة “المجموعات الإشكالية ” يمكن تعريفها بكونها :تتمثل في وجود مشكل متصل بطبيعته اجتماعية يتم حله من خلال الولوج إلى الدولة طبقا لمنطق الاحتجاج والمطالبة الذي تتم ترجمته في نضال ذي طابع سياسي، إنه مفهوم يهدف إلى الإبقاء على حركة المجموعات الاجتماعية ليس سلبيا بل نشطا، وليس أصحابه مواضيع بل فاعلين منتجين للتاريخ السياسي والاجتماعي في نفس الوقت”.بهذا التحليل يبين بابكر صال أنه في بعض المبادرات الاجتماعية ليس الهدف هو الوصول إلى السلطة بقدر ما هو الحفاظ على البقاء والاستمرار في أشكال اجتماعية جديدة. وفي هذا السياق يؤكد بابكر سال أنه من أهم الميزات الأساسية للمجموعات الإشكالية، أنها لا تحقق تجانسها إلا بفضل المشكل الاجتماعي الذي يلعب دورا توحيديا وجوهريا في تشكيل هذه المجموعات.

إن المشكل الاجتماعي بطبيعته تتم ترجمته سياسيا في حاجة “للدولة” وهي ميزة من المفيد توضيح مبادئها النظرية ولهذا الغرض يحدد بابكر سال معيارين هما :

–      المشروعية الشفافة والواضحة للمشكل الاجتماعي

–      تسييس العمل الاجتماعي نفسه

فبالنسبة للمعيار الأول فإن الأمر يتعلق بمحل تعبير المجموعات الإشكالية، وهو فضاء يسمح بمباشرة مسعى من خلاله يتاح  للفاعلين الاجتماعيين أن يجربوا أدوارهم على الخشبة. أما الإطار المؤسسي له فهو المنظمات غير الحكومية والحركات والأحزاب السياسية التي تمثل مجموعة واعية وساهرة على المشكل الاجتماعي: إجراءات حلوله، تحويل الاحتجاج والمطلب الاجتماعي إلى موضوع سياسي.

يفهم إذن أن التوجه الإيديولوجي والعلمي الجديد كان اتجاها نحو انقلاب وتغيير معتبر في أفق التحليل بغية المشاركة في إعادة تأسيس الدولة.

وهو الأفق الذي يندرج تحته مشروع GEMDEVوهو التجمع ذو المقصد العلمي الاقتصادي للتنمية، والذي كان قد أعد في سنوات 93 – 1995 برنامجا بحثيا أسماه :

“مستقبل العالم الثالث” تولى الإشراف عليه الأستاذ الدكتور مار شينيه وروي، ففي جزئه المتعلق بإعادة تشكيل الدولة في إفريقيا، نجدهم يقدمون مقترحا أساسيا متمثلا في تحليل السياسة في شكل “حاجات للدولة” وهو مفهوم يطلق على مجموع الآليات “المفيدة” لترسيخ وتشريع هيمنة وسيادة الدولة.

فالدولة في حاجة دائما لأن تلعب على التوترات والتناقضات والاختلالات الاجتماعية لتحافظ لنفسها على التعافي والسلامة، ولتحتفظ لنفسها بالدور والحضور المناسبين لها، فحضورها يقاس بحجم المشاكل التي تواجهها وتضطلع بحلها. وبتعبير آخر، فإن الدولة تحتاج دائما إلى خلق حالات إشكالية لتبقى وتستمر ومنه تعدد الأشكال التي يمكن أن تظهر بها المشاكل: اجتماعية، سياسية ، أو اقتصادية.

 ومشكل حاجة الدولة هذا يمكن إرجاعه في الأساس إلى ثلاثة مستويات :

–      الحاجة إلى الفعالية

–      الحاجة إلى الشرعية

–      الحاجة إلى الأمن

وهكذا و في هذا الإطار، ظهرت حسب بابكر سال مقاربة “المجموعات الإشكالية” كمشكل مجتمعي مترجم لحاجة للدولة.

إذ لم يعد الأمر يتعلق بالتناول الانتوبولوجي من الأعلى نحو الأسفل، ولكن على الأصح باللعب المركز على العلاقات بين مختلف (فاعلي) أو لاعبي النظام الاجتماعي، لأن “المجموعة الإشكالية ” تقتضى بالضرورة وجود مجموعة أو شريحة لها بنية اجتماعية ـ ثقافية ذات قاسم مشترك وذات نظام إيديولوجي ـ بتعبير السيد أوكى ـ أو اقتصادي.

أو كما يشير بوبكر سال أن المجموعة الإشكالية : “تشكل شريحة أو طبقة يؤسس لخصوصيتها انطلاقا من مشكل اجتماعي مشترك، تسعى هذه المجموعة إلى حله من خلال انتهاج أو سلوك مسالك نحو الدولة لبلوغ أهدافها”

وفي هذا الإطار يدرج الكاتب مقاربته من أجل قراءة جديدة لواقع طبقة الحراطين في موريتانيا.

لكنه من المهم قبل ذلك تحديد شروط ظهور هذا المفهوم ـ المجموعة الإشكالية ـ وما يضفيه على تطور البحوث الإفريقانية.

وكما أشير إليه سابقا، فإن مفهوم المجموعة الإشكالية، قد ولد في خضم محيط علمي يسعى إلى إعادة تشكيل الدولة،إذ أنه في عالم في طور التغير والتشكل المتسارعين، من المهم وجود علوم سياسية جديدة لعالم جديد.

ويتساءل الباحث وهو على بعد خطوات من إنهاء مقدمته للكتاب قائلا: عشرون عاما من صدور مرسوم إلغاء الرق في موريتانيا، ماذا تحقق من ذلك؟ ماذا  يعنيه الاسترقاق حاليا في الواقع الموريتاني؟ ما ذا قامت وتقوم به نخبة الحراطين اتجاه الكتلة الكبرى ـ المشكلة للقاعدة الشعبية العريضة لهذه الشريحة المستعبدة، من جهة ؟ وما هو سلوكها تجاه الأطراف الأخرى والأحزاب السياسية وخصوصا القوي السياسية الإفريقية السوداء من جهة أخرى؟ بل كيف كان تأثير مسلسل الديمقراطية  الشكلية المنجز في سنوات التسعينات على فئة الحراطين، نخبتها وكتلتها الشعبية؟ هذه الدمقرطة الشكلية هل ضمنت تمثيلا مرضيا للأقليات بما فيها الحراطين؟ هل فعلا وجدوا مكانا لائقا لهم داخل أحزاب سياسية كان تشكلها شديد التأثر دائما بالصلات والروابط الإئنية و القبلية ؟

ثم يخلص الكاتب إلى تناول مختلف الفئات المشكلة لفسيفساء المجتمع مقسما إياه إلى قطبين هما :

*- قطب الزنوج الأفارقة:

هم أول من استقر في الإقليم الموريتاني وفي الجنوب خصوصا مدفوعين بزحف التصحر وغزو القبائل الرحل من البيضان، ويحجز حيزا لا بأس به للحديث عن التركيبة الاجتماعية والتنظيم القبلي العشائري لفئة الفلان والسنونك مستفيضا، في شرح الأدوار السياسية والاقتصادية والإيديولوجية التي يلعبها شيخ العشيرة، مقررا أن التنظيم الاجتماعي للفلان يتميز بشدة الرابطة القرابية والعائلية، تلك القرابة التي يحرصون على تعزيزها من خلال الزيجات ضمن العائلة الواحدة وبين العائلات المتقاربة، وهو تقليد ضمن التقاليد التي يعتبر الحرص عليها مقياسا لمدى تربية الفرد والتزامه تجاه العشيرة حيث تمثل السن والذكورة أساسان لكل قيم السلوك الاجتماعي.

ثم يعمد الكاتب إلى عقد مقارنة بين مجتمعي الفلان والسونكي ليخلص إلى أن العامل المشترك بينهما هو كون صلة  العائلة والقرابة، تبقى حجر الزاوية في البنية المجتمعية، وإن قال بأنها في مجتمع السونيك تأخذ بعدا أكثر صرامة و إلزامية ممثلا أساسا بتعدد الزوجات، والذي كثيرا ما نتج عن وفاة الزوج الأول فتلحق زوجته تلقائيا بأخيه أو ابن عمه لتجسيد التضامن العائلي لدى هذه الفئة.

ويختم مقارنته بملاحظة أنه رغم الفوارق التي تلاحظ هنا وهناك بين مجتمعي السونينك والفلان، فإن القاسم المشترك الأبرز بينهما هو البينة الاجتماعية الثلاثية الأضلاع:

الأحرار والحرفيون ثم العبيد، وهي بنية تترجم تنظيما هرميا يشكل العبيد قاعدته، مذكرا أن هذه الهرمية بقدر ما تعني تنظيما سياسيا و إيديولوجيا، فإنها أيضا تراعي في الجانب المالي في توزيع الأملاك داخل المجتمع، وهو أمر لا يختلف كثيرا عن ما هو عليه في  القطب الآخر، قطب البيضان الناطقين بالعربية الذي يخصص الكاتب بضع صفحات للحديث عن بنيته الاجتماعية مقسما إياه إلى أربع طبقات وهي بنو حسان و الزوايا وأزناك ثم الحراطين و العبيد.

في الجزء الأول الذي اختار له الكاتب كعنوان:  عودة إلى إلغاء الرق، وتناوله في فصلين هما :

الفصل الأول: تأريخ لقضية الرق:

وفيه يذكر الكاتب ببعض الأحداث والمواقف التاريخية في موريتانيا وفي الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية المرتبطة بقضيه الحراطين والاسترقاق، وهو مبحث تاريخي بحت سعى فيه الباحث لتحليل بعض النقاط والأفكار المثارة في المقدمة، فنجده يشدد على التنظيم الاجتماعي في موريتانيا، و هو تنظيم يتعارض مع روح الدولة وجوهر الفكرة التي تقوم عليها الدولة الوطنية، خاصة  مع استحواذ النخب المنحدرة من الفئات النبيلة على السلطة فيها وحرصها على استمرار النظام التقليدي السائد.

كما يقرر الكاتب أن التركيبة الاجتماعية والفوضى التي كانت سائدة بأرض السيبة بين القبائل والإمارات، وكل ما حصل من حروب ونزاعات كلها كانت عوامل أعاقت مسار إلغاء الرق.

فقد كانت الإدارة الاستعمارية أكثر حرصا على حفظ الهدوء واستتباب أمنها، من حرصها على إنصاف الأرقاء وتخليصهم مما يعانون منه.

ومع كثرة النصوص والقوانين والمراسيم القاضية بإلغاء الرق ومعالجة مخلفاته فإنها لم تعرف التطبيق الفعلي  حتى الآن.

وقد كانت نهاية سنوات السبعينات حبلى بالأحداث الهامة لهذه الشريحة، فمع مجيء الجيش إلى السلطة وظهور حركة الحر برزت قضية الحراطين والاسترقاق من جديد.

ولعل من أهم الأفكار التي أكد عليها في هذا الفصل، هي كون مرسوم إلغاء الرق لم يكن كافيا، كما هو واضح من متابعة الساحة الموريتانية الآن، بل إن  مجهودا كبيرا لا يزال ينبغي القيام به في هذا الاتجاه .

أما في الفصل الثاني والذي اختار له كعنوان : إلغاء الرق، فيبدأه لافتا الانتباه إلى مفارقة طريفة، فالبلد حقق رقما قياسيا في إصدار النصوص التشريعية والقرارات الرسمية الملغية للرق أو المضيقة عليه، لكنها حسبه تبقى نصوصا نظرية على ورق، لم تتبعها إجراءات عملية ملزمة. ويجهد الكاتب في تبرير ذلك محيلا إلى التداخل بين الديني والسياسي في التوجه الديني للدولة وخضوع الديني للسياسي وهو خضوع تبريري و ذرائعي تستعمله الدولة حسب الحاجة.

لقد أشرنا سابقا إلى أن الكاتب يعتبر نهاية سبعينات القرن الماضي لحظة مفتاحية في مأسسة قضية الحراطين في موريتانيا، وفي هذا الإطار نحت السلطات العسكرية الجديدة آنذاك، في حلها الذي قدمته للقضية دون المساس بالوحدة الوطنية، منحا دينيا، يقول ولد هيدالة “منذو استقلالنا نص دستورنا على المساواة بين المواطنين، لكن بعض مواطنينا، منطلقين من الدين لا يزالون مستمرين في ممارسة الاسترقاق، وفور وصولنا إلى السلطة أردنا تناول المشكلة من حيث يجب ويناسب تناولها ـ تناولناها في بعدها الديني : فقد عمدنا إلى جمع كل علمائنا الذين قدموا لنا الحل القضائي إذ إرتاو-  في أغلبهم على كل حال فقد عارض أفراد منهم- ضرورة إلغاء الرق، لذلك ألغيناه في الخامس من حزيران عام 1980 …..”

بعد ما أورد تلك العبارات لولد هيدالة مدللا بها على الصلة الشديدة بين الديني والسياسي، ينتقل بنا إلى فقرة أخرى عنونها: مرسوم إلغاء الرق.. الرهانات والحدود والوضعية الراهنة “.

 في البداية يذكر بمدى أهمية المجال الديني في جمهورية اختارت نعت نفسها بالإسلامية، غير أن الإشكال لم يكن في الإسلام في حد ذاته، لكنه يكمن في ذاك التلازم بين العروبة والإسلام في الوجدان الموريتاني (أو البيضاني على الأقل) فأي منهما لا غنى له عن الآخر، ولهذا قدمت الدول العربية خصوصا في الخليج مساعدات ودعما سخيا لجر الدولة إلى دائرة العالم العربي.

ويرى الكاتب أن من بين مسوغات إصدار مرسوم 1980 هو بروز حركات منظمة تتبني القضية في العلن ووجود أفراد من الحراطين والأرقاء السابقين ضمن تشكيلية اللجنة العسكرية للخلاص الحاكمة، إضافة إلى أن المناخ السياسي والاجتماعي الجديد الناجم عن نزوح الحراطين إلى المدينة نتيجة الجفاف، قد جعل من هذه الشريحة مكونا أساسيا لساكنة المدن، وهو ما ولد ضغوطا جديدة على أصحاب القرار الذين وجدوا ضحايا ظاهرة الاسترقاق أقرب إليهم، يشاهدون بأم أعينهم يوميا  ما يعانونه. كل تلك العوامل ساهمت بالتأكيد في شحذ الإرادة السياسية لاتخاذ هذا التوجه، وإن كانت قد اتخذته في الأصل كمسعى استراتيجي أملته المتغيرات الجديدة، و التي تفرض الإنصات إلى شكاوي و تظلمات شريحة الحراطين.

كما كانت تهدف أيضا إلى قطع الطريق أمام أي تقارب بين هؤلاء والزنوج الأفارقة الموريتانيين (أي بين الحر وflam )

فحركة الحر التي ولدت في ذروة الانتشار اليساري في السبعينات، مقدمة نفسها على أنها المتحدث الوحيد باسم شريحة الحراطين، بذلت كل وسعها لإسماع صوتها  للسلطات الجديدة، التي قادت انقلاب العاشر من يوليو عام 78م. وهكذا قام هيدالة بإصدار تعليمة 80 الملغية للرق، لكنها ظلت ذات طابع رمزي فحسب أكثر من كونها تعكس إرادة حقيقته وتوجها استراتيجيا لإلغاء الرق.

لقد شرع الإسلام للرقيق حقوقا بقدر ما أوجب عليهم واجبات، وذلك على عكس كل الشرائع السابقة له، ويزعم الكاتب وجود تناقض وازدواجية في قرار الإلغاء، فمن جهة اعتمد القادة الجدد في قرار الإلغاء على الشريعة، ومن جهة فان الشريعة نفسها كما يقول  تشرع الاسترقاق، وهو رأي شخصي فيما يبدو، إذ أن رأي الإسلام في الرق معروف، ويلاحظ الكاتب متسائلا عن مدى مصادفة تزامن هذا القرار مع إقرار تطبيق الشريعة الإسلامية.

ولم يغفل الكاتب الحديث عن بعض الإجراءات التشريعية المرتبطة بإلغاء الرق، مشيرا إلى محدودية المدى القانوني لمرسوم الإلغاء، وبالتالي محدودية الآثار والإنعاكاسات المترتبة عنه على حياة هؤلاء الأرقاء المستفيدين منه، فينتقد الإصلاح العقاري كما جاء به قانون 83 قائلا إنه جاء ليعوض للأسياد المالكين وليس الأرقاء المعتوقين، وهنا يتساءل عن مدى إمكانية استفادة هؤلاء العتقاء من هذا للإصلاح واصفا إياه بأنه إنما جاء بنزاعات ومشاكل كثيرة خاصة بين الحراطين والسونيكي في منطقة كيد ماغا، التي اتخذها الكاتب نموذجا لدراسته. والتي يتجاور فيها أفراد الشريحتين وهو الجوار الذي تأثر به الحراطين حيث نجدهم يستعملون نفس لغة  السونينك ويقلدونهم في بعض العادات الاجتماعية كتعدد الزوجات لكنه تأثير نسبي فحسب لم ينس الحراطين روابطهم  مع أولياءهم من العائلات البيضانية.

وبعد حديثه عن الأنشطة التي تتكسب منها الغالبية العظمى من أفراد هذه الفئة، كالعمل كأجراء يوميين في مزارع يمتلكها السونيك أو كحمالين، هذا بالنسبة للرجال. أما بالنسبة للنساء فيعملن عادة كخادمات منازل عند التجار البيضان. وينتقد الكاتب هذا الإصلاح الزراعي واصفا إياه بافتقاره إلى العدالة، إذ أنه ينتزع الأراضي لأصحاب رأس المال من مالكيها الحقيقيين. ويخلص من تحليله النقدي لمرسوم الإصلاح العقاري لعام 83م، إلى إن مراعات هذا الإصلاح لأحكام الشريعة التي تعطى الأولوية للملكية القبلية حسبه على ملكية الفرد، قد حد من قدرة الحراطين على الاستقلال بالأراضي الزراعية فلا حق فيها إلا بحكم الولاء والانتماء للقبيلة.

فعدها يعرض الكاتب لتحليل المرسوم الصادر عام 1990 والمتعلق بتعديل المرسوم الصادر عام 1983م، وقد أقر مختلف التدابير التي نص عليها مرسوم 83، وإن كان قد جرد  الشريعة من كونها الأساس الوحيد للإصلاح العقاري.

أما الجديد الآخر في هذا المرسوم والذي جاء وفقا للمناخ الديمقراطي الجديد فهو إشراك العمد في تقرير مصائر العقارات  الموجودة على الأراضي التابعة لبلدياتهم.

وآخر وقفة للكاتب في هذا الفصل هي تلك التي يخصصها لإلغاء نظرة على واقع الاسترقاق حاليا في موريتانيا، وفيها يلاحظ الكاتب أن النظام العسكري الذي  أطاح بأول رئيس مدني للجمهورية كان له الفضل فعلا في تشريع إلغاء الرق، لكنه لم يذهب إلى ما بعد التشريع، أي  إلى الواقع، فقد اكتفى بالنصوص وكأن النصوص تغير شيئا في واقع حياة الناس.

 ثم عمد إلى عقد مقارنة بين المجتمعات الديمقراطية الحقيقية والمجتمع الموريتاني، مستنتجا أنه في تلك المجتمعات، فان المواطن الفرد هو الذي تقوم عليه المؤسسة والمجتمع ككل، وهو الذي تنحو وتسعى لخدمته. أما في مجتمع كالمجتمع الموريتاني حيث تلعب العائلة أو القبيلة أو الجماعة أو الوضع الاجتماعي دورا لا يستهان به في تحديد قدر الإنسان وقيمته ومكانته، فإن الناس لا يولدون متساوون وكل له دور محدد قبلا، لا يحيد عنه. في مجتمع هذا حاله لا فرق بين المسترق الحالي والمسترق المعتوق، فالعتق لن يغير الشيء الكثير على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وعلى الخصوص لن يزيل حال التهميش والإقصاء التي تعيشها شريحة العبيد والعبيد السابقين.

إن العتق في هذا النوع من المجتمعات، لا يزيد عن كونه يوجد طبقة من عبيد الدرجة الأولى مقارنة مع عبيد الدرجة الثانية، الذين لا يزالون مسترقين موسعا بذلك مجال التهميش والإقصاء ليضرب بأطنابه أكثر وسط فئات المجتمع ذات الأصول المسترقة.

فمع أن الرق يمثل ممارسة قديمة مرفوضة عالميا، يحيلنا الكاتب إلى حقيقة ينقلها على لسان باحث موريتاني آخر يقول فيها: إن الرقيق المعتوقين ونظرا لحرمانهم من الملكية فإنهم يجدون أنفسهم أمام أشكال من الاسترقاق بالقوة لا تقل إذلالا  عن الاسترقاق بالفعل الذي تخلصوا منه، فهم مجبرون كنتيجة لذلك على ممارسة مهن شاقة، في شروط لا تقل قساوة كالسياقة وخدمة المنازل وأجراء يوميين، وحمالين…..و غيرها مما شاكلها.

وإن كانت الانعكاسات الديموغرافية للتحولات التي شهدتها البلاد خلال العقود الثلاث الأخيرة، قد بدأت تحدث وضعا جديدا من شأنه أن يمكن من وجود هوية جديدة للحراطين.

هذا مع إقرارنا باستحالة ظهور هوية مستقلة للحراطين نظرا لأن النمط الثقافي الغالب لدى هذه الفئة هو نمط يميل أكثر إلى الثقافة العربية، وبالتالي فهو أقرب بكثير إلى النمط الثقافي عند البيضان، وهو ما يعني عدم إمكانية وجود قضاء ثقافي حرطاني صرف ومستقل يمكن أن يكون إطارا لهوية سياسية مستقلة. 

3- تنويه وتعليق:

و من الإنصاف القول أن الكتاب يقدم جهدا بحثيا هاما، اضطلع به المؤلف في ظروف عامة و مناخ اجتماعي لم يكن كما أشار المؤلف يشجع كثيرا على تناول مثل هذه المواضيع.

و رغم تلك الظروف وذلك المناخ، فقد تمكن الكاتب من تطبيق آخر مقاربات البحث في مجال الانتربولوجياوالعلوم الاجتماعية، على قضية ظلت عصية على الباحثين متمنعة متوارية وراء ركام كثيف من الطابوهات و المحاذير المتشابكة .

و إلى حد بعيد تمكن الباحث من الإفادة من بعض المفاهيم الجديدة ك: المجموعات الإشكالية ، وحاجات الدولة،والصيغ الشعبية للعمل السياسي، حيث أستطاع توظيفها كلها في مقاربة بحثية وفقت إلى  حد بعيد في رصد الظاهرة المدروسة بشيء من الصدقية، على الأقل في منطقة جغرافية بعينها اختارها الباحث مجالا محددا لدراسته.و بقدر ما كانت الخلاصات التي انتهى إليها الباحث تعكس قدرا من الموضوعية والنزاهة العلمية في المنطقة ميدان الدراسة. بقدر ما كان تعميمها على باقي أصقاع البلد المترامي واعتبارها خلاصات قطعية نهائية فيه نوع من التسرع وعدم تحري الحيطة العلمية، خصوصا أن القواسم المشتركة بين عديد شرائح الفئة المدروسة تتقلص لتصبح مجرد ماض استرقاقي متلاش ومتقهقر أمام موجات الرقي الجديدة والتطور في الوعي والذهنيات.

إن القارئ الموضوعي للكتاب يمكن أن تستوقفه بعض التساؤلات، التي قد تستفزها في خلده  بعض الأدبيات النضالية التي كان الباحث  يجمح إليها  في كتاب يفترض أن يكون علميا صرفا، أليس بإمكاننا أن نجادل مثلا في بعض الأطروحات التي يبدي الكاتب ميلا واضحا إلى تبنيها كحديثه عن التقارب بين الزنوج والحراطين تحت شعار: الزنجي الموريتاني المضطهد، وفق عبارة الباحث بابكر سال، ونحن نرى أن الاضطهاد في موريتانيا لا يخص فئة بعينها، بل إن بعض أفراد الشرائح والفئات الأخرى عاشت وقد تعيش اضطهادا اشد وأقسى، ثم ألم يكن أكثر وجاهة لو أن الكاتب، وبعدما تكلم عن وجود حالة استقطاب قد يتطور ليبلغ درجة الاحتقان بين قطبين متنافسين في الساحة الوطنية، هما: قطب الزنوج الأفارقة المفرنسين، والبيضان المعربين، وتأكيده على شبه استحالة وجود فضاء ثقافي مستقل للحراطين، ألم يكن وجيها ومنطقيا أن يلاحظ أن الموقف الأنسب لهذه الفئة، وقد لمح إلى عوامل مشتركة بينها وبين كل من الفئتين الأخريين، إذ يربطها بالبيضان رابط روحي ثقافي وبتعبير الكاتب يشتركان في نمط ثقافي واحد، بينما رابطها بالزنوج هو رابط البشرة والنسب التاريخي الواحد. أفلم يكن الأولى والحال هذه أن يدعو إلى أن تلعب هذه الفئة دور جمع وتأليف وتوحيد  ولم للشمل الوطني فتقف في الوسط، جاذبة الفئتين الأخريين إلى كلمة سواء توحد الصف وترأب الصدع وتصلح ذات البين.

ومع ذلك يبقى الكتاب جهدا بحثيا هائلا احتوى الكثير من الحقائق العلمية، وقدم تحليلا معمقا لواقع وآفاق فئة الحراطين في إطار الدولة الموريتانية الفتية، بأبعادها الزمنية المختلفة: ماضي الاسترقاق بآلامه وتبعاته وآثاره، وحاضر البؤس والتهميش الذي تعيشه القاعدة الشعبية العريضة لهذه الفئة، ثم المستقبل المنظور في ضوء التطورات والتحولات الهائلة التي يعيشها البلد وشبه المنطقة والعالم.

المصدر:” المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق