تونسدراسات

على ضوء انعقاد المؤتمر العاشر لحركة النهضة: التيار الاسلامي وتجربة 44 سنة من الفعل السياسي

 

علي عبداللطيف اللافي:

 

            يعتبر لقاء افريل 1972 او ما يعرف بـــ”مؤتمر الاربعين” او “مؤتمر ليلة القدر”، محطة اولى في فعل التيار الاسلامي، وبانعقاد المؤتمر العاشر تجاوز فعل الاسلاميين السياسي والاجتماعي وفي شتى المجالات الحياتية، الأربعة عقود فكيف بمكن تقييم مسيرة 44 سنة عبر المحطات السياسية والمفصلية التي طبعت مسيرة الحركة السلامية التونسية والتي تعتبر النهضة أهم واكبر تمثلاتها السياسية ؟

1- الاسلاميون و الفعل السياسي خلال الحقبة البورقيبية

          أدت قرارات مؤتمر المصير ببنزرت الخاص بالحزب الدستوري ( حضر الاحزاب – ضم المنظمات المهنية لضيرة الحزب الواحد – بعث الشعب المهنية – تبني الاشتراكية الدستورية ) الى جانب غلق جامع الزيتونة المعمور ومحاصرة مظاهر التدين، الى بروز التيار الاسلامي وتجذره وقدرته على تجميع ثلاث مكونات اساسية ( الزواتنة – المتأثرون بأدبيات الاخوان وتجربتهم التنظيمية – الاسلام التقليدي)،  لخلق نخبة شبابية أسست ما عرف بــ”الجماعة الاسلامية التونسية”، والتي استطاعت استقطاب قطاعات شبابية واسعة، كما سمح صراع النظام وحزبه مع تنظيمات اليسار الماركسي والعروبيين، بترك مساحات فعل للإسلاميين لم ينتبه النظام لها إلا مع بداية الثمانينات وخاصة بعد حادثة “الحقيبة التنظيمية” في ديسمبر 1981،والتي بناء عليها عرفت العلاقة مع النظام البورقيبي المحطات التالية بعد الاعلان عن تأسيس حركة الاتجاه الاسلامي في 6 جون 1981:

  • مرحلة المواجهة الأولى مع النظام البورقيبي و محاكمة 1981:

كانت غاية النظام البورقيبي من محاكمة 1981 قطع الطريق على حركة الاتجاه الاسلامي كامتداد سياسي للجماعة الإسلامية ( قرار مؤتمر منوبة في 1979)،  حتى لا يستثمر الغنوشي ورفاقه،  حدث الإعلان سياسيا لصالح قضيتهم الوجودية، ولكن  تضافر عدد من العوامل مجتمعة جعل الحركة الإسلامية   متميزة على بقية المكونات السياسية بـــ:

+ المرونة الفكرية باتجاه مزيد من التأصل في البيئة لوطنية، والانفتاح على قيم الحداثة والديمقراطية، والدفاع عن قضايا المجتمع العادلة، والتوافق داخل الوطن الواحد حول ما هو مشترك.

+  النضال ضد الاستبداد السياسي بما يكفل للجميع حرياتهم وحقوقهم في الوجود القانوني وفي المشاركة من أجل التداول السلمي على السلطة. وقد كلفها هذا النضال، عدة مضايقات ومحاكمات استمرت وقائعها وفق المراحل اللاحقة:

  • الاسلاميون بين البناء والانتشار (1984-1986):

      و هي مرحلة بدأت عمليا بعد الإفراج عن القيادات  التاريخية للإسلاميين نتيجة حصول تغيرات داخلية كان أهمها انتفاضة الخبز (في جانفي 1984) وما تبعها من انعكاسات سياسية أهمها تحول شعار الحرية الى عنوان مرحلة، وتعميق أزمة السلطة باشتداد معركة الخلافة، وعمليا اضطر حمادي الجبالي كرئيس فعلي ومباشر  للحركة الى التعبير عن عدم استعداده للاستمرار حتى تحسم مسألة الشرعية القيادية لحركته، وهو ما حدا  الى تنظيم مؤتمر 1984 الانتخابي لتجاوز ازدواجية الإشراف ولكن لم يقع الأخذ بعين الاعتبار كثيرا خلافات مرحلة السجن من جهة، ووجود القيادة الانتقالية الشابة التي عكفت  على ما سماه الاسلاميون بمشروع الأولويات منذ 1982،  و هو مشروع محاولة تأسيس نظري وإعادة بناء، تلبية لكثير من المطالب القيادية والقاعدية، وسياسيا انحازت حركة الاتجاه الاسلامي بشكل واضح الى القيادة الشرعية للاتحاد العام التونسي للشغل. كما ساهمت في توحيد مواقف المعارضة من أهم الأحداث الوطنية والإقليمية التي جدت في منتصف الثمانينات (ومنها الانتخابات التشريعية، الغارة الصهيونية على حمام الشط، أزمة اتحاد الشغل، الاعتداء على ليبيا…). وشهدت الجامعة تأسيس الاتحاد العام التونسي للطلبة. وصار للحركة حضور متزايد في المشهد الإعلامي والثقافي. وكان كل ذلك مؤشرا على تعاظم أدوارها وبداية امتلاكها لأدوات التنظيم الجماهيري الفاعل.[1]

  • الاسلاميون يسقطون النظام البورقيبي بعد مواجهات 1987

         ولّد التوسع القاعدي لحركة الاتجاه الاسلامي وانتشارها سياسيا واجتماعيا وشبابيا في مرحلة ما بعد إفراج سنة 1984 لدى السلطة مخاوف أكدها انكشاف الأرشيف الذي أعطى صورة عن توجه التنظيم الى التوسع وإحكام التخطيط والتأطير، كما أن إقدام الحركة في مؤتمر 1986 على تحدد الهوية الاجتماعية الثقافية الدعوية لمشروعها، مع تنصيصها ما  ” للمسجد من وظيفة في تحقيق هذا المشروع”[2]، قد رفع من منسوب مخاوف السلطة وأشر على أن صدامها مع الحركة بات حتميا، وهي مواجهة مترتبة عن تظافر عوامل عديدة و مجتمعة في ربيع 1987، حيث توخى الاسلاميون  برنامج تحركات جد مدروس، حاولوا من خلاله توظيف رصيدهم الإعلامي. وهو ما ادى بالنظام الى توسيع استهدافاته لمناضليهم عبر توسيع حجم الاعتقالات والشروع في تنظيم المحاكمات…

و عمليا ساهم إخفاق السلطة في اعتقال القيادات الفعلية للتنظيم المركزي في الرفع من معنويات مناضلي الاتجاه الاسلامي وتوسيع قاعدة أنصارهم رغم تقديمها وجود 10  شهداء تحت التعذيب، و اكثر من 6000 معتقل، علاوة على الإحاطة بأغلب القيادات ، وعدم تمكن مؤسسة “مجلس شورى الحركة”  من الانعقاد أكثر من مرتين أثناء المواجهات وهي مواحهات ساهمت في سقوط النظام المتهالك والذي سيتغير من داخله …

2- الاسلاميون والفعل السياسي اثناء حكم الجنرال “بن علي”   

        جاء الجنرال بن علي للحكم،  لتعويض بورقيبة وعبر الانقلاب عليه و لكن بقي التنازع السياسي مع الاسلاميين قائما حول المشروعية السياسية والمشروعية الدينية بشكل خاص. وقد عتّمت على ذلك التنازع في البداية مرحلة من التفاوض الذي خاضته السلطة بغاية ربح الوقت والتهيؤ لخنق الخصم لاحقا باستعمال جملة من الوسائل من ضمنها الانفتاح على قوى اليسار الاستئصالي حسب رؤية الاسلاميين ، بل والتعاون معها في ذلك.

وعمليا ووفقا لتقييمات النهضة[3]، لم تكن لقياداتهم يومذاك خطة واضحة ولا تقدير مسبق لحجم التنازلات التي يمكن تقديمها أو المكاسب التي ينبغي افتكاكها. وإضافة الى الآثار التي خلّفتها المحنة، وفعلا فقد كانت الحركة واقعة تحت وقع الابتزاز التي مارسته السلطة حين ادّعت الكشف عن ما سمي بـــ”المجموعة ألأمنية وفقا لتسمية النظام ومجموعة الانقاذ الوطني وفقا لتسميات الاسلاميين…

و ضمن ذلك السياق الضاغط وجهت قيادة الاتجاه الاسلامي، الى الجنرال الحاكم بتاريخ 12 ديسمبر 1987 والتي جاء فيها أنّ السلطة الجديدة ”حدث تاريخي وقدر إلهي أنقذ تونس العزيزة وشعبها من فتنة أيقظها الرئيس السابق وأصر على إذكاء نارها”، كما رأت في بيان 7 نوفمبر 1987 ”توجها ديمقراطيا مسؤولا”.

وهنا استطاعت السلطة والنخبة الموالية لها اكتساح مواقع جديدة وسط بهتة المعارضة وسند ليبي كبير للنظام ماليا وسياسيا رغم تدجينه للقوميين، ثم جاءت انتخابات أفريل 1989 لتمثل اختبارا لموازين القوى وامتحانا للسلطة و النهضة على حد السواء. فهي لئن كشفت ضعف جماهيرية السلطة، فإنها كانت بالمقابل شهدت خطا قاتلا للنهضة عبر انكشاف جديد تعرضت له المقدرات البشرية بعد أن فشلت قيادتها في تعديل ميل القواعد الى مشاركة ضخمة في الانتخابات. إذ كانت المؤسسة الشورية قد اتجهت في الأصل الى أن تكون المشاركة في تلك الانتخابات بحجم محدود، وحتى رمزي، بناء على أنّ الخطة سارية المفعول في تلك المرحلة كانت خطة ”تهدئة”، ولكن ضغط المناطق، وكذا ضغط بعض العناصر الفاعلة في الجهاز التنفيذي المركزي جعل الحركة تنزلق الى مشاركة استعراضية واسعة النطاق، ربما كانت هي العامل الذي عجّل باتخاذ السلطة قرار الحسم معها ودفعت كل تونس ثمنه باهضا ويدفع الالاف ثمنه، عبر خنق الحريات غلى الجميع وبدون استثناء خاصة امام تراجع كل المعارضات والمنظمات امام سطوة الدولة البوليسية …

  • نحو المواجهة المفروضة على الطرفين:

أفضت نتائج انتخابات 2 أفريل 1989، الى حملة شرسة ضد الحريات وضد ظاهرة التدين خاصة، وغدا هذا الأمر خيارا استراتيجيا للسلطة مارسته بالخصوص في قطاعات الشباب واعتمدت فيه على مشاركة اليسار الاستئصالي الذي سخّر خبرته التاريخية لصياغة “خطة تجفيف المنابع”، كان من نتائج نشر الخطة ببعض صحف المهجر أن دفعت الحركة الى مراجعة سياسة التهدئة. وجاء غلق الباب أمام الاعتراف بها قانونيا في خطابي بن علي بتاريخ 25 جويلية ثم 7 نوفمبر 1989 ليؤدي الى موقف رئيس الحركة في 21 ديسمبر 1989″ بسحب الثقة من الحكم القائم”، ثم مقاطعة جلسات المجلس الأعلى للميثاق الوطني في جانفي 1990، ومقاطعة الانتخابات البلدية في 10 جوان 1990، وصولا الى رفع الحركة شعار ”استجماع شروط الاستعصاء” تعزيزا للبناء الداخلي وسعيا الى مواجهة عملية الاستنزاف.

  • المواجهة (أوت 1990 – أكتوبر 1991):

رغم بعض الوساطات من قبل بعض الشخصيات ، مضت السلطة في معركتها السياسية والإعلامية والأمنية والقضائية المفتوحة ضد النهضة، ولم يحل توجه الحركة الى استجماع شروط الاستعصاء دون إقدام قوات الأمن على اعتقال عدد كبير من صفها القيادي ليلة 23 ديسمبر 1990.  ما سرع بتبنيها غير المبرر سياسيا لخطة ”فرض الحريات”

في تلك المرحلة ظهر لدى الحركة عجز عن استبيان اتجاهات الرأي العام من الأزمة ، واستمرت قيادتها في تنزيل الخطة في المناطق، ما ولّد ارتباكا وترددا وعدم قدرة على تكييف المعادلة الداخلية مع المعطى الخارجي، وأغرى السلطة بتصعيد معركة المساجد ورفع وتيرة المحاكمات وصولا الى أخطر مؤشر وقتها هو اغتيال الشهيد طيب الخماسي في 7 ديسمبر 1990.

إن أخطر مظاهر ارتباك قيادة النهضة في المرحلة التي سبقت مواجهة 91 تمثل في الانتقال بين خمس خطط في ثلاث سنوات، أي بمعدل خطة لكل ستة أشهر، وقد وقع أحيانا الانتقال من خطة الى نقيضها ، دون أن تستوفي الأولى حظها من الانجاز،

وهنا وجب طرح سؤال مهم وهو: هل كانت الحركة في تلك المرحلة بالفعل تمتلك عقلا تخطيطيا كليا؟وهو سؤال تردد في المؤتمرات الجهوية والمحلية بل وطرحته اللائحة التقييمية للمؤتمر الحالي اي العاشر…

وهنا تؤكد تقييمات النهضة أنّ للمناخ المعادي الذي وجدت فيه الحركة، دور في حملة الاستئصال غير أنّ للعوامل الذاتية ممثلة في آليات اتخاذ القرار وللخيارات التي دفعت إليه القيادة المباشرة في تلك المرحلة، نصيب من المسؤولية عمّا آلت إليه الأمور في محنة التسعينات.[4]

و لكن الموضوعية تتطلب القول والتأكيد انه مهما كانت الأخطاء التي ارتكبتها النهضة في التعاطي مع سياسة القمع التي سلكتها السلطة ومع الإقرار بحجم مسؤوليتها في ما لحق بها، فإنّ قرار الاستئصال كان أقوى ، قرار يغذّيه نفس سياسي معادي للحرية والديمقراطية وحقد إيديولوجي أعمى، سيعود في صائفة 2012 من طرف نفس النخب بعد الثورة ولا يزال مكرسا في عدد من وسائل الاعلام وتلوكه اقلام ونخب واحزاب…

  • النهضة بين نوعين من السجون، و بين المنافي (1991-2001):

وهي مرحلة طويلة من الماسي التي عرفتها تونس المعاصرة، لتعدد المحاكمات والحملات الأمنية والإعلامية للنظام النوفمبري ضد الاسلاميين وضد كل المعارضين و التي استهدفت النهضة كحزب وكتيار اسلامي بدون فرز حيث كان المطلوب هو تصفية الاسلاميين في وجودهم كخطوة لقتل النفس المعارض حتى ان احد المعارضين قال ان النهضة مثل الشجرة كنا نستضل بها ، ومقابل ذلك بذل الاسلاميون الجهود الحقوقية والإعلامية الكبيرة التي تم القيام بها وكذلك جهود البحث عن الأمن والاستقرار للمهجرين وترتيب الوضع القيادي في الخارج، حث أدارت الحركة حوارا توّجته بتقييم شامل أسّس لمرحلة انتقالية. وقد ساهم ذلك عمليا في إفراز مؤسسات قيادية  و توخي سياسات وتوجهات من خلال مؤتمرات دورية (في 1995 و2001 ثم في 2007). وتوّزعت أولوياتهم خلال هذه المرحلة بين : العمل السياسي والإعلامي ، الاهتمام بملف المساجين والتواصل مع الداخل، والمجهود التربوي والثقافي بالمهجر، فقد أنجزت النهضة تقييمها سنة 1995 والذي مسح عشرية الثمانينات وبداية التسعينات، وهو ما مكنها من مراجعات أفضت الى التأكيد على المنهج المدني السلمي في التغيير والمنهج الإصلاحي المتدرج من خلال العمل في إطار القوانين وفي مؤسسات المجتمع. كما ثبتت تبنيها للعلنية في لفكر والمنهج والمؤسسات ورفضها للازدواجية في مختلف صورها وتمسكها بمنهج المشاركة بالتعاون مع بقية الأطراف السياسية والبحث عن المشتركات الوطنية وتوسيع مجالها، بل وجعل قوى غربية تتواصل معها ومع قيادييها في الداخل والخارج …

  • عودة التنظيم للفعل وسط المتغيرات (2001-2010):

         في بداية الألفية الثالثة استأنفت حركة النهضة نشاطها بسرية تامة رغم توضح بعض الخطوات، حيث عاد بعض المسرحين من قيادات الوسطى والعليا للنهضة ممن قضوا محكوميتهم، فأعادوا عمليا تنظيم صفوفهم الداخلية  رغم تواضع الامكانيات المتاحة لهم  وفي ظل وضع أمني وسياسي جد عسير،  الا ان ذلك كان   النواة الأولى التي اعادت النهضة للاذهان وبين النخب  بعد تغييب قسري طويل بسبب السجون والمنافي، فقد توّلت القيادة الجديدة في الداخل العمل الاجتماعي والإعلامي في حدود دنيا …، وعمليا تطورت الخطوات و المبادرات مع تكثف سراح القياديين السياسيين السابقين للنهضة ، فتطورت  الأعمال الحقوقية المنظمة و الحضور الإعلامي والاتصالات السياسية مع قوى المعارضة وهو ما تجسد خاصة في تأسيس هيئة 18 أكتوبر والتي ضمت اغلب المعارضات الفعلية . بل استطاعت القيادة الجديدة في الداخل وآخر العشرية الماضية ورغم الملاحقات الامنية واللصيقة لقياديي النهضة من تأسيس هيئة شورية ومؤسسة تنفيذية داخل البلاد واعتماد خطة لاستنهاض الجسم التنظيمي للنهضة بل وإدارة حوار حول تقييم التجربة الماضية والبحث في الخيارات المستقبلية بل توجت هذه الجهود بإنجاز تقييم 2008 والذي سمي بالتقييم الوظيفي. بل ان قيادة الخارج وتقديرا منها لذلك النمو التنظيمي الداخلي والتطور الحاصل أقرت مؤسسات الحركة في الخارج نقل الملف السياسي الى قيادة الداخل.[5]

3- النهضة و نتاج المراحل السابقة و طبيعة مؤثرات التطورات الدراماتيكية للأحداث والوقائع:

           رغم  تراكم الاحتقان طيلة سنوات حكم الرئيس المخلوع،  فإنّ الثورة جاءت حدثا مباغتا للجميع، وهي قد فاجأت الإسلاميين مثل غيرهم، ورغم انهم كانوا احد اسباب نجاحها اضافة الى بقية معارضي الرئيس المخلوع وحزبه (وهذا موضوع ثان يطول الحديث فيه)،  والثابت ان النهضة لم تكن على أتم الاستعداد لحدث بحجم الثورة ، وهو ما كان سببا في عدم الجاهزية بل مؤثرا في مواقفها وأدائها لاحقا، يُضاف الى ذلك أنّ المسالك القانونية التي أريد للعملية السياسية ، بعد هروب الرئيس السابق، أن تلجها والنتائج المترتبة عن تشكيل الحكومتين الأولى والثانية، كل ذلك وضع الثورة على دروب الثورة المضادة و على دروب الاستيعاب والاحتواء والكبح منذ بداية الاندفاع الثوري.

وقد واجهت النهضة بعد فرار الرئيس المخلوع معادلة صعبة بل ومعقدة، حيث كانت امام استحقاق البناء وترتيب بيتها الداخلي من ناحية وإعادة الانتشار والفعل السياسي من ناحية أخرى، حيث ان التلازم بين هذين المطلبين شكّل تحديا كبيرا أرّقها واستنزف قواها حتى حسب تقييمها الداخلي[6]،. ومع ذلك استطاعت عمليا اعادة بناء ذاتها ونظّمت صفوفها بسرعة . فكوّنت الهيئة التأسيسية وشكّلت المكاتب الجهوية والمحلية، كما استطاعت في حد ادنى أن تستجيب لما تتطلبه الساحة من حضور ميداني وفعل سياسي. لكنها حافظت ، رغم الضغوط القاعدية و الحماسة الطاغية حينها لدى عدد من قياداتها الوسطى على ما اسمته “سياسة الترفق”، بل ولم تشأ أن تمرّ بقوّة ولا أن تغالب الواقع، ويردّ هذا التمشي الحذر وفقا لتصريحات عدد من قيادييها سنة 2011، الى عدة عوامل من بينها عدم وضوح الرؤية السياسية وغياب التقدير الفوري لطبيعة ما حدث، كما يعود أيضا الى ما تستشعره الحركة من حساسية مفرطة تجاه وجودها، من القوى المؤثرة وطنيا ودوليا وهي قوى لم تشأ الحركة أن تصادمها.

ورغم انتصارها في 23 اكتوبر 2011 ورغم بحثها عن الشراكة في الحكم وتشكيلها للترويكا فان النهضة بقيت اسيرة امرين:

+ عوامل قصور ذاتية فهي حرقت العديد من اوراقها قبل الثورة بعد مواجهتي 1991 و1987  وخاصة بعد انتخابات افريل 1989، وهي أصبحت لها واقعا ذاتيا يتطلب المعالجة وإعادة البناء الطويل، كما تتطلب الساحة “الاسلامية” التونسية اعادة قراءة، بحيث  و رغم ان النهضة تمثل 75 بالمائة من الإسلاميين في تونس فان جزء من الإسلاميين لهم القابلية للتوظيف ضدها، نتاج طبيعة التطورات الحاصلة داخليا في تونس اجتماعيا وسياسيا وثقافيا  ونتاج بعض خياراتها السياسية والفكرية وأيضا نتاج وقع اقليمي ودولي في التعامل مع الظاهر الاسلامية والعمل على اختراقها وتوظيفها….

+ عوامل موضوعية وهي أساسا طبيعة مواقف العائلات السياسية – على ضمور شعبيتها ووزنها السياسي-  على القبول بالإسلاميين كطرف في العالم العربي من حقه ان يحكم ويكون شريكا في الحكم ، اضافة الى ان اطرافا اقليمية تخصص جزء من سيولتها المالية وتوجهاته الدبلوماسية لضرب التيار الاسلامي المعتدل لأنها ترى فيه خطرا عليها وعلى مستقبلها ، اضافة الى تخبط لدى قى دولية في مجاراة تلك القوى الاقليمية في اهدافها …

وبالتالي كانت مسيرة حركة النهضة بعد انتخابات 23 اكتوبر 2011 تخضع لهذين العاملين، ورغم قدرة الاستاذ راشد الغنوشي في تجنيب حركته من المزالق او بالأحرى قدرته على ملاعبة الإستئصاليين وفي عزلهم، و ستثبت الاشهر القادمة ومالأت مؤتمر النهضة مدى القدرة السياسية لحركة النهضة في الذهاب طويلا في تلك الخيارات المؤلمة جدا حسب بعض قيادات نهضوية، ولكنها وللأمانة ناجحة الى حد الان في ترسيخ فكرة النموذج التونسي، حيث دفنت عمليا ولو مؤقتا حلم “جبهة الانقاذ” وحلفائهم الموضوعيين في الداخل والخارج بشقيه الاقليمي والدولي

وفي الاخير يمكن الجزم ان حركة النهضة وان خيبت جزء من طموحات انصارها فإنها حققت ت اقدارا من النجاحات وان ما حدده مؤتمرها التاسع سنة 2012  قد وجد  طريقه للتنفيذ والانجاز والترسخ العملي والفعلي، فالانتخابات انجزت في 2014 وموعد البلديات حدد عمليا   والاستئصاليين عزلوا رغم محاولاتهم المتكررة ، و الثورة التونسية مازالت عصية على بارونات الثورة المضادة رغم اعمادة انتشار بعض قوى هذه الاخيرة ومسكهم ببعض المفاصل ولكن ليس جميعها حتى وان توهموا ذلك ….

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  وثيقة مشروع اللوائح المقدمة للمؤتمرات الجهوية الخاصة بالمؤتمر العاشر لحركة النهضة  ، فصل اللائحة التقييمية – بتصرف –

[2]  النص الحرفي مأخوذ من نفس الوثيقة المشار إليها في الهامش السابق.

[3]  نفس المصدر.

[4]  اللائحة التقييمية.

[5]  وهو ما \اكدته اللائحة التقييمية في نص مشروعها المقدم للمؤتمر الحالي اي المؤتمر العاشر

[6] نفس المصدر

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اساند الدكتور الهاشمي الحامدي في طلبه مفتي الجمهورية الافتاء في حكم الاسلام في تنصيب صنم بورقيبة. المشبوه شيخ النفاق و الفساد النهضاوي عبد الفتاح مورو كفر و خرق سورة الكافرون:
    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)
    بحجه لغريبة اليهود بجربة عسى ترضى عنه المافيات اليهودية بتونس، في حين شعوبنا المسلمة بفلسطين و بالشام و بمصر و بليبيا و باليمن ينزفون دما من اعتداء اليهود و دواعشهم بقيادة اليهودي اليوت سيمون المصنوع من ماكين حبيب غنوشي المثلية و الذي قدم نفسه باسم ابو بكر البغدادي، و هو الذي لم نسمع له الا خطابا فريدا رديئا يعلن فيه الخلافة الداعشية المجرمة و المدعومة من اليهود آل سعود بقيادة الوليد ابن طلال.
    هل حج يوما غريبة اليهود بورقيبة الذي منذ خمس سنوات و انتم تسبونه و هو ميت في قبره ؟؟؟؟ و الان تعينون اليهودي باجي كاستلانو لصرف مليار على تنصيب صنبته من الحجارة بشارع الثورة ؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق