تحاليلتونس

3 تحديات تواجه إعلان الغنوشي فصل الدعوي عن السياسي

Afficher l'image d'origine

ياسر الغرباوي:

     يعد إعلان رئيس حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، بأن حركته ” بصدد التحول إلى حزب يتفرغ للعمل السياسي، ويتخصص في الإصلاح انطلاقاً من الدولة، ويترك بقية المجالات للمجتمع المدني ليعالجها، ويتعامل معها من خلال جمعياته ومنظومة الجمعيات المستقلة عن الأحزاب، بما في ذلك النهضة”،في نظر العديد من المراقبين للحركات الإسلامية المعاصرة، حدثاً مفصليّاً هامّاً.
وينتظر هؤلاء المراقبون ما سيسفر عنه مؤتمر حركة النهضة العام، والذي سيُعقد يومي 21 و22 مايو/أيار الجاري، لمعرفة الإجابة على سؤال، هل ستوافق كوادر النهضة على هذا القرار غير المسبوق في تاريخ وواقع الحركات الإسلامية المعاصرة في العالم العربي، والتي تعمل معظمها من خلال فلسفة الجمع بين العمل الدعوي والسياسي في كيان وتنظيم واحد يخضع لقيادة وإدارة واحدة، مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، أو بطريقة التمييز لا الفصل بين الدعوي والسياسي، مثل تجربة حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية في المغرب، في حين أن العمل بطريقة الفصل التام بين الدعوي والسياسي بالشكل الذي طرحه الشيخ راشد الغنوشي في 7 مايو/أيار الجاري، يُعتبر أمرا غير معهود من قبل لدى الحركات الإسلامية. لذلك يعتقد كل من الدكتور، جاسم سلطان، صاحب كتاب “أزمة التنظيمات الإسلامية..الإخوان نموذجا”، ونورالدين الزاوي، المدون والناشط الاجتماعي التونسي، أن هذه الخطوة تواجه تحديات كبيرة يمكن حصرها في التالي: 


أولاً: على مستوى الأيديولوجيا التاريخية للنهضة:

يرى الدكتور جاسم سلطان أن الأيديولوجيا التاريخية لحركة النهضة، والتي بُنيت بالتضحيات والدماء، اعتمدت على فكرة ضرورة استعادة مجد الإسلام والمسلمين من خلال الحفاظ على الهوية الإسلامية لتونس والسعي إلى تحقيق حلم الخلافة الإسلامية الجامعة؛ ولتنزيل ذلك الحلم على الأرض، شرعت النهضة في بناء تنظيم متماسك وقوي مستفيدة في ذلك بخبرات حركة الإخوان المسلمين في مصر؛ وبطبيعة الحال هذه الأيديولوجيا المتماسكة في وقتها وفرت للنهضة أنصاراً أشداء تحملوا ضغط النظام السياسي التونسي عليهم؛ فصمدوا في السجون والمنافي والمعتقلات، وهم من يطلق عليهم داخل الحركة “خريجو مدرسة يوسف الصديق”؛ والآن مع مسار حركة النهضة الجديد الساعي إلى الفصل التام بين السياسي والدعوي، ستحتاج الحركة إلى أيديولوجيا مركزية جديدة وسردية تاريخية جاذبة قادرة على إقناع كوادر النهضة بجدوى وصوابية التوجه الجديد لمسيرة ومسار النهضة، وهذا عكس ما هو عليه الحال مع السردية التاريخية للحركة الإسلامية المغربية، التي لا تؤمن بسقوط الخلافة بل ترى أنها تعيش في داخلها؛ وبالتالي فهي ليست مشغولة باستعادة شيء مفقود، إنما مهتمة بإصلاح مسار قائم يهتم بالمحافظة على الإرث التاريخي المغربي، بما فيه المؤسسة الملكية باعتبارها الضمان لوحدة التراب المغربي، وبالتالي فمسار الحوارات بالقطع بين الحزبي والدعوي سيكون أصعب في تونس.
ويتفق نورالدين الزاوي مع جاسم سلطان في خطورة هذا التحدي قائلاً: “هناك تيار داخل النهضة ما زالت تسيطر عليه الأشواق الإخوانية، وعادة ما تعبر عنه قيادات مبعدة عن مراكز القرار داخل النهضة أو مستبعدة عن تصدر المشهد السياسي، سواء في الحكم أو الإعلام؛ وهؤلاء كما يتوقع نور الدين، ربما لو تبنى مؤتمر الحركة القادم قرار فصل الدعوي عن السياسي، سيشكلون حركة شمولية منفصلة عن جسم النهضة تجمع بين السياسي والدعوي على الطريقة المغربية كنموذج قائم على التمايز لا الفصل.

ثانياً: على مستوى التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة:

يشرح الدكتور سلطان هذا التحدي بشكل مفصل قائلا إن “بناء أيديولوجيا جديدة وتقديم سردية مغايرة لما بنيت عليه الحركة سابقاً، سينتج أسئلة جديدة ويخلق تحديات عند شباب ومنتسبي الحركة؛ فهل سيتحول كل أفراد الحركة إلى كوادر حزبية تنخرط في العمل الحزبي القائم بالأساس على فكرة التنافس والصراع؟؟ وبالتالي يتم اعتماد آلية “العمل الحزبي” كوسيلة لتنظيم وإدارة التدافع السياسي داخل الحركة، ومع الأحزاب السياسية التونسية الأخرى، وما سيستتبع ذلك من وضع نظم وآليات توجية ورقابة تتناسب مع فلسفة العمل الحزبي؛ وهذا بحد ذاته تحدٍّ كبير يقف عقبة أمام نجاح الحركة في الفصل بين الدعوي والسياسي؛ فالأطر التربوية والتنظيمية والإدارية، التي سادت وما زالت داخل النهضة، تغلب عليها فلسفة العمل التربوي والدعوي الإرشادي المتجاوز للجغرافيا والواقع التونسي، وهذه لا تتناسب مع متطلبات ونظم الرقابة والتوجية المتبعة داخل الأحزاب السياسية الوطنية، وهو ما يفرض على قيادات النهضة ضرورة إعادة تأهيل وترميم النظم الموجودة، وتغيير طريقة تفكير وسيكولوجية القائمين عليها لينسجموا مع الرؤية الجديدة للحركة. 

ثالثاً: مستوى الحشد الجماهيري والشعبي:

يعتقد نورالدين الزاوي أن معظم الحركات الإسلامية، وبما فيها النهضة التونسية، اعتمدت عبر مسارها النضالي والسياسي في حشدها الجماهيري على الخطاب العاطفي الساعي إلى استعادة الأمجاد التاريخية للإسلام والمسلمين عبر تقديم الحل الإسلامي لمشاكل المجتمع المسلم المعاصر؛ وهذا الخطاب كانت وما زالت له القدرة على الحشد، وهذه الطريقة في الحشد الجماهيري تحترفها الحركات الإسلامية منذ عقود، وتمتلك أدواتها بشكل كبير، بما في ذلك حركة النهضة في تونس، وهنا ينكشف لنا التحدي الجماهيري الجديد الذي سيؤثر على شعبية وجماهيرية حركة النهضة داخل الشارع التونسي إذا تبنت قرار فصل الدعوي عن السياسي؛ فماذا ستقول الحركة لجماهيرها العريضة؟؟ وبأيّ شكل ستتمكن من إقناع الجماهير بأن قرارها هذا هو تطور وتجديد، وليس تنازلاً وتفريطاً، خاصة أن الشارع العام في تونس يبحث الآن عن حركة ثقافية اجتماعية جامعة ومتجاوزة للتجاذبات السياسية الحادة، في حين أن فلسفة عمل الأحزاب السياسية تقوم على التصارعية. لذلك يُعد انخراط النهضة في العمل السياسي وفق نظرية الفصل بين الدعوي والسياسي خطوة تجعلها تبدو منافساً على السلطة مثل باقي الأحزاب السياسية المتصارعة في نظر رجل الشارع العادي، ولكن المُفكر سلطان لا يتفق مع طرح نور الدين، فهو يرى أن قرار النهضة بالفصل بين الحزبي والدعوي لن يكون عائقا يمنع التواصل مع جماهير النهضة والجمهور التونسي العام، الذي سيرى في النهضة حركة منفتحة قابلة للاتساع جماهيريا وتمثيل كل التوانسة، ولكن في الغالب سيكون هذا صعبا في المرحلة الأولى، لأنه يحتاج إلى مفردات جديدة وإطار تواصلي جديد لا يقوم على الاصطفائية الإسلامية ولا السردية الإسلامية التقليدية، وسيعني الحاجة إلى زمن لكي تنضج فيه عملية القطيعة النسبية مع الماضي وبناء قصة جديدة.
ولكن على الرغم من التحديات الثلاثة السابقة، يرى حسن بن حسن، عضو مجلس شورى حركة النهضة، والباحث في الفلسفة الغربية، أن سعي النهضة إلى البحث عن فضاء فكري وسياسي جديد قائم على الفصل بين الدعوي والسياسي هو بمثابة قطع الحبل السري بين الأم والمولود، فعلى الرغم من أنها عملية مؤلمة ومزعجة ولكن من خلالها يولد الأمل ويتحرر المولود من ضيق رحم الأم، الذي احتضنه نطفة ثم علقة حتى أصبح خلقاً آخر قادراً على أن يضرب بقدمه في دنيا الناس، منطلقاً إلى فضاء العالم؛ لينحت تجربة إنسانية جديدة، موضحا أن الفصل بين الدعوي والسياسي سيحرر الأم (حركة النهضة) والمولود الجديد (حزبها) من أعباء الالتصاق الدائم والمتواصل، بمعنى أن التيار الموجود في داخل الحركة والمقتنع بأهمية وضرورة المسار الدعوي والإرشادي ستكون أمامة فرصة للتحرك والتفاعل مع المجتمع التونسي بشكل أفضل وأسرع وأهدى سبيلاً، بعيداً عن شغب قرارات التيار السياسي داخل الحركة المؤمن بأهمية وأولوية العمل السياسي على الدعوي، لأن هذا الفصل لا يُعد خروجا من مدارات الإصلاح، وإنما هو بمثابة تخصص وظيفي يتفرغ به الحزب للإصلاح السياسي، ويركز الدعاة وراغبو العمل المدني العام في زيادة حيوية وفاعلية المجتمع التونسي أخلاقيا وثقافيا وتربويا.
في النهاية، كما يرى حسن بن حسن، في تصريحاته لمعد المادة، فإن هذه التجربة التونسية منسجمة مع حركة التاريخ ووقائع الجغرافيا، ففي فضاء الحرية والديمقراطية من الطبيعي أن تنبت الأحزاب الوطنية مثلما حدث في مصر، عندما برز الحزب الوطني تحت قيادة الزعيم، مصطفي كامل، في ظل ما كان متوفراً من حرية في الفترة الملكية المصرية، وفي أجواء القمع والقهر والاستبداد تنتشر الحركات والجماعات الأيديولوجية مثل ما حدث في تجربة المخلوع زين العابدين بن علي.

ويجمع الخبراء الثلاثة على أن المهتمين بهذا الملف ليس أمامهم سوى الانتظار حتى يومي 21 و22 مايو/أيار 2016، حينما ينعقد مؤتمر النهضة العام العاشر ويقرر طبيعة ومسار حركة النهضة في المستقبل، هل ستظل حركة شمولية تجمع بين الدعوي والسياسي؟ أم تميل نحو فصل الدعوي عن السياسي؟ أم تلتحق بحركة التوحيد والإصلاح المغربية فتمايز فقط بين السياسي والدعوي؟

المصدر: “العربي الجديد”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق