دراساتليبيا

“واقع الفلسفة والتفكر النقدي في ليبيا” أسباب القصور وآليات التجاوز

img_girls-ly1382089967_797-300x110

 

 

 أ. عبدالباسط عثمان مادي(*):

 

أسباب القصور وآليات التجاوز :

الإشكـاليـــــة :

مناط هذا البحث هو سؤال يغلب عليه الطابع التفكري، متعلق بموضوع ذاتي، لذا فإن الإجابة عنه تدخل في إطار البحث في السيرة الذاتية.

       يتعلق هذا السؤال بالفلسفة في ليبيا، نص هذا السؤال هل هناك فلسفة ليبية معاصرة؟ يعبر هذا السؤال عن إشكالية فلسفية عميقة، يبد أن أهميته لا تقتصر على هذا الجانب، لهذا من المتعذر – حسب زعمي – تجاوزه؛ فهو يفرض علينا ضرورة الوقوف عنده.

       يمكننا القول: أن سؤال هل لدينا فلسفة ليبية معاصرة؟ سؤال إنكاري؛ كونه يرتاب في وجود مثل هذه الفلسفة، غير أن صيغة السؤال تصادر وجود هذه الفلسفة في الماضي البعيد على الأقل، من هنا، يتضح لنا أن من صاغ هذا السؤال كان يقّر في ذاته بوجود فلسفة ليبية قديمة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمكننا الزعم أن هذا السؤال قد صيغ بناءً على أنموذج لممارسة فلسفية كان حاضراً في ذهن طارحه، فهو يقيس واقع الفلسفة في ليبيا على نماذج فلسفية متعددة، فكانت النتيجة إنكار وجودها. فعلي سبيل المثال، إذا كان المقياس هو ممارسة الفلسفة الغربية، فلا وجود لفلسفة ليبية معاصرة؛ لأن هذه الأخيرة لا تملك من الرصيد التاريخي والتراكمي ما يجعلها مقابلاً للتجربة الفلسفية الغربية، حتى لو كان المقياس الفلسفية العربية المعاصرة بمدرستيها المشرقية والمغربية، فإنه لا وجود لها على الخارطة الفلسفية، لمجموعة من الاعتبارات، من ضمنها أن تلك الفلسفات تتميز بوضوح الرؤية، ورصانة المنهج، وتعدد المذاهب، مما أكسبها زخماً وغزارة نتاج ظل غائباً عن واقع الممارسة الفلسفية في ليبيا.

       إن جدة وأصالة أي خطاب كائنة فيما يحمله من رؤى فلسفية، يعبر من خلالها عن خصوصية الطرح الذي يقدمه، لذا، فإن غياب الرؤية تفقد المشتغل بالفلسفة إمكانية تشييد خطاب فلسفي، أو ما يمكن أن نطلق عليه مشروعاً فلسفياً أصيلاً.

       وفق هذا السياق لا يمكننا الحديث عن فلسفة ليبية معاصرة، هذا الوضع الاستثنائي يدفعنا إلى التساؤل عن مصدر خصوصية هذا الوضع، فالفلسفة في ليبيا وإن غلبت عليها السمة المشرقية، لا تصنف ضمن تلك المدرسة، في المقابل لم تتمكن الفلسفة في ليبيا من الانخراط ضمن المدرسة المغاربية – تونس، الجزائر، المغرب، وإلى حد ما موريتانيا – على الرغم من انتمائها الجغرافي والسياسي للمغرب العربي.

يمكننا من حيث المبدأ تشخيص مجموعة من الأسباب التي أثرت على واقع الفلسفة في ليبيا، وجعلتها تكتسي الصورة التي عليها الآن؛ لعل من أهم تلك الأسباب سطوة الخطاب السياسي على الحقل الثقافي الليبي، أو ما يمكن أن نسميه بظاهرة التسييس أو التأميم السياسي، مما انعكس على طبيعة الممارسة التفكرية والإبداعية للحقل الثقافي الليبي، الذي تميز بسيادة رؤية واحدة ناتجة عن سطوة الخطاب السياسي الذي لم يقرّ بشرعية أي مرجعية إلاّ مرجعيته التفكرية.

       بالمقدور التدليل على هذا الأمر من خلال إعادة فحص مفهوم تفكري لعب دوراً فاعلاً في الحقل الثقافي الليبي، والمراد هنا مفهوم جماهيرية المعرفة. يمكننا القول: أن لكل خطاب جانبين: ظاهر وباطن، يكتسي فيهما الباطن أهمية على الظاهر؛ كونه المسيطر على آليات إنتاج الخطاب.

       نتساءل في البدء هل يمكن أن تكون المعرفة مفتوحة؟ بحيث يستطيع الإنسان أن ينهل منها متى شاء، وبالطريقة التي يحبذها؟

أجدني هنا مضطراً إلى التصريح بصعوبة تسويغ هذا الطرح، لمجموعة من الاعتبارات، أهمها: أن طبيعة المعرفة تنحى منحاً نخبوياً لا جماهيرياً. في المقابل، نلاحظ أن الخطاب الإيديولوجي بكل تجلياته، يطمح إلى أن يسود كظاهرة شعبوية جماهيروية.

       المتتبع لحركة نمو وتطور المعرفة بكل تجلياتها يلاحظ أن السمة الغالبة عليها هي الرغبة في رسم وإغلاق الحدود، بحكم الشروط المتعارف عليها للفعل المعرفي. فهذا الخير لا يمكن الاعتراف بشرعيته إلاّ إذا التزم بمعايير بعينها، من ضمنها صياغة موضوعاته وفروضه، بل ونتائجه في صورة خطاب ابستمولوجي مغلق، والوصول إلى هذه المرحلة هو ما يسبغ على المعرفة عنصر الشرعية.

         يستبان الطابع النخبوي للمعرفة من خلال ارتباطها بإطار اجتماعي محدد، يحدد شروط إنتاجها وتداولها، فكل معرفة تكتسب شرعيتها من خلال التزامها بتلك الشروط . في المقابل، فإن المعرفة المنتجة – بالفتح – خارج أشراط الإطار الاجتماعي تعد معرفة غير مشروعة، من هنا، تلزم الإشارة إلى إن الإطار الاجتماعي عادة ما يؤسس ويبني على مفاهيم مشحونة بدلالات إيديولوجية.

       من هذا المنطلق، لا يشذ المفهوم الجماهيري للمعرفة عن هذه القاعدة؛ فهو يصدر عن إطار اجتماعي خاص به، والذي يشكله مجموع الأشياع، الأمر الذي يمكن التدليل عليه من خلال الشحنة الإيديولوجية الحاضرة في مفهوم الجماهيرية الذي يراد به “نظام سياسي واقتصادي واجتماعي يبشر به الكتاب الأخضر، حجر الزاوية في النظرية الجماهيرية، وتمارس فيه كل الجماهير الشعبية بدون استثناء السلطة مباشرة ودونما وسيط، تملك فيه الجماهير أسباب القوة تطبيقاً لمقولة السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب”1. بناء على هذا التحديد ترتسم حدود اشتغال مفهوم جماهيرية المعرفة، بالإطار الاجتماعي الداعم والمؤسس لها؛ مما يعني أنها وفق معيار الإطار الاجتماعي معرفة نخبوية، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بطبيعة مفهوم جماهيرية المعرفة، فهو مشحون بدلالات إيديولوجية، تشير وتصادر على كتلة اجتماعية بعينها، تؤمن برؤية تتسم بالخصوصية، تتميز بها عن كتل اجتماعية مغايرة لها في المعتقد، مما يكسبها شرعية إقصائها وتهميشها، بهدف تعطيل فعل التفكر لديها.

       إن غلبة الخطاب السياسي على الحقل الثقافي الليبي أسهمت في شيوع وسطوة مفاهيمه ورؤيته على هذا الحقل، فإلى جانب مفهوم جماهيرية المعرفة سادت مجموعة من المفاهيم الأخرى التي شحنت بدلالات عطلت في النهاية آليات التفكر الجاد والأصيل، حتى أصبحت هذه المفاهيم عقبات إيديولوجية ومعرفية في سبيل قيام فلسفة وتفكر ليبي أصيل، وللتدليل على ذلك نستشهد بهذه النصوص: “ليس للديمقراطية إلاّ أسلوب واحد ونظرية واحدة، وما تباين واختلاف الأنظمة التي تدعى الديمقراطية إلاّ دليل على إنها ليست ديمقراطية، ليس لسلطة الشعب الاّ وجه واحد، ولا يمكن تحقيق السلطة الشعبية إلاّ بكيفية واحدة، وهي المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية”2. لقد انعكست هذه اللغة على أشياع الحقل الثقافي في ليبيا، حيث أصبحت لغتهم أقرب ما تكون إلى اللغة الدوجماطيقية التي لا تعترف بوجود الآخر، وحتى عندما تعترف بوجوده فلغرض تهميشه.

       يعد مفهوم الحل النهائي من المفاهيم الغالبة على لغة الخطاب السياسي الليبي، والتي انسحبت على لغة أشياعه، مما ترتب عليه عدم الاعتراف بشرعية أنماط التفكر الأخرى الصادرة عن مرجعيات تفكرية مغايرة ” إن الكتاب الخضر يقدم الحل النهائي لمشكلة أداة الحكم…”3.

       سبق أن أشرنا إلى أن هذه اللغة انعكست على نتاج ما يعرف بالنخبة، فعلي سبيل المثال، يعبر أحد أشياع الخطاب السياسي في ليبيا عن أفكاره السياسية باللغة ذاتها “إن حل المشكل السياسي يكمن في الشطب على كافة أدوات الحكم الدكتاتورية من الفرد والقبيلة إلى الحزب أو مجموعة الأحزاب إلى المجالس النيابية، ليحل محلها أداة حكم هي الشعب كله”4.

وتبلغ اللغة الدوجماطيقية ذروتها مع هذا المثقف عندما يقول: “ليس ثمة شك في أن المقولات المطروحة في [الكتاب الأخضر] شيء جديد وخطير…”5، إن هذه اللغة من شأنها الإساءة إلى المرجعية التي يصدر عنها المثقف ومن حيث لا يعلم، لاعتقاده أنه ينتصر لتلك المرجعية من خلال رفض المرجعيات والنظريات الأخرى، فمعيار النجاح لديه كائن في إقصاء الآخرين، وعدم الاعتراف بشرعية وجودهم، مما يفقده على المدى البعيد أداة الحوار والجدل، والتي تعد معيار تقدم التفكر في أي مجتمع ولأي نظرية أو نظام سياسي، فكما يقال لا تنمو الأفكار إلاّ بنقائضها.

يقفو الدكتور المدني على الصديق الاتجاه ذاته أثناء محاولته وصف النظام السياسي في ليبيا يقول ” نحن نعتقد أننا في غير حاجة إلى إثبات سمو هذا الأسلوب من الحكم، بالإضافة إلى أن نظام الديمقراطية الشعبية المباشرة هو النظام الأصلي الذي يحقق سيادة الشعب الكاملة…”6، بسبب الاعتقاد في صحة المرجعية التي يصدر عنها الدكتور المدني فإنه لا يرى ضرورة تقديم مسوغات للتدليل على صحة هذا الاعتقاد، فهو يمارس نوعاً من التصعيد مع مرجعيته، يقابله تسفيل عقائدي ومعرفي مع المرجعيات الأخرى المتعارضة مع مرجعيته، الأمر الذي يحول دون قيام حوار جاد منتج مع تلك المرجعيات. المأخذ ذاته نسجله على المتفكر رجب بودبوس الذي يذهب إلى تبني اللغة ذاتها للتعبير عن أفكاره، يقول أثناء تبشيره بخطابه السياسي، “هذه هي الجماهيرية أو دولة الجماهير، إنها شكل مختلف للدولة، حيث يدفع التعدد إلى منتهاه، بما يلغي التفويض والتمثيل، إنها الأنموذج القادر على إزالة التناقض بين الشأن العام والخاص، بين دولة الحد الأدنى والدولة الشمولية، بين الديمقراطية الشكلية والاستغلال الطبقي، إنها إذن الدولة الأفضل”7. إن أنموذج أفضل دولة صيغ وفق آليات أسوأ لغة للتعبير، لغة الدوجما القطعية.

ترتب على سيادة هذا النوع من الخطاب عقبة أخرى حالت دون تطور التفكر في ليبيا، والمراد هنا الخطاب النقدي، الذي غاب بسبب سطوة الخطاب السياسي، القائم على معتقد امتلاكه للحقيقة. إن غياب الخطاب النقدي يؤدي إلى تعطيل التفكر والتطور، وتفقد المثقف والحقل الثقافي لحظة معرفية هامة؛ لإعادة تقييم الذات، مما أسهم في نهاية المطاف في اتساع دائرة اللامتفكر فيه، أو بالأصح ممنوع التفكر فيه، الأمر الذي يستبين من خلال طبيعة النتاج الثقافي الذي جاء معبراً أمثل تعبير عن هذه الوضعية، مما جعل الحقل الثقافي الليبي بركة راكدة.

بالإضافة إلى ذلك، يعد الانغلاق سمة أساسية للتفكر في ليبيا، والذي هو الآخر كان نتاجاً لسطوة الخطاب السياسي، الذي رسم حدود ممنوع التفكر فيه، فالكل في الحقل الثقافي الليبي- وبالأخص أشياع الخطاب السياسي- ينهل من المنهل ذاته، مما أفقد التفكر في ليبيا إمكانية التواصل مع مرجعيات أخرى تنطلق من رؤى مغايرة.

ظاهرة الانغلاق هذه ترتب عليها نشوء الطواطم الثقافية المسيطرة على الحقل الثقافي، والتي ارتبطت بالخطاب السياسي السائد فيه، مثال ذلك المتفكر رجب بودبوس، والمتفكر على فهمي خشيم… إلخ، فهؤلاء وبحكم ارتباطهم بالخطاب السياسي كرست لهم مؤسسات الدولة الثقافية؛ لغرض نشر نتاجهم، على الرغم من افتقاده لعناصر الجدة والأصالة، في المقابل، تم إقصاء كل الذوات الثقافية الأخرى التي تصدر عن مرجعيات ورؤى تفكرية مغايرة.

آلية ترحيل التجارب:

أيمكن الحديث عن آلية متفق عليها لنقل التجارب واستعارتها؟ بحيث يمكن الاحتكام إليها للتأكد من سلامة ونجاعة النقل والاستعارة. يمكننا القول دون جزم عدم وجود مثل هذه الآلية، لسبب يتعلق بطبيعة مجال التفكر والفلسفة، ففي هذه الأخيرة لا يمكن الحديث عن وحدة الآلية والرؤية، كونها متعددة بتعدد الفلاسفة والمذاهب.

حاول المتفكر إدوارد سعيد رسم ملامح آلية يمكن بالركون إليها إنجاز فعل النقل والاستعارة للمنظومة الفلسفية والتفكرية. لقد جاء تصور إدوارد سعيد لآلية انتقال المفاهيم صداً لإشكالية معرفية ومنهجية حيث يقول: “لنفترض أن نظرية أو فكرة ما تبرز نتيجة لظروف تاريخية معينة، وتكون مناسبة لتلك الظروف، فمـاذا يحدث لهذه الفكرة في ظروف مخالفة، ونظراً لأسباب جديدة قد لا تقل قوة عن الشروط السابقة إذا ما استعملـت مرّة ثانية، ومـرّة ثالثة كذلك في ظـروف مغايرة للظروف المستجدة؟” 8. ولغرض وضع أنموذج معرفي لتجاوز هذه الإشكالية، يستحضر إدوارد سعيد حواراً تفكرياً بين لوكاتش وتلميذه غولدمان؛ حيث صاغ الأول نظرية حول التشيؤ، وقام تلميذه فيما بعد بنقلها إلى مجال آخر بعيداً عن المجال الذي صيغت فيه، الأمر الذي ترتب عليه إشكالية فلسفية مفادها: مدى شرعية هذا النقل، وما هي مسوغاته؟ خاصة إذا علمنا أن هناك وجهة نظر سائدة تعد هذا النقل تحويراً وسوء تأويل.

غير أن إدوارد سعيد يرى خلاف ذلك “وأعتبر هذه الخلاصة غير مقنعة تماماً؛ لأنها تعني أولاً: أن البديل الوحيد للنقل الأعمى هو التحوير الخلاق، وأنه لا وجود لحل وسط. ثانياً: عندما نرفع الفكرة القائلة بأن كل قراءة هي تحوير إلى مستوى المبدأ العام، فإننا نشطب بذلك على مسؤولية الناقد. يبدو لي أنه من الممكن الحكم على التحويرات (عندما تحدث) كجزء من النقل التاريخي للأفكار والنظريات من إطار إلى أخر”9.

ما يهمنا هو أن ترحيل النظريات، يستلزم- غولدمان- بالضرورة تحويرها بسبب تغير الظروف المحيطة بالنظرية، لكن لابد من الإشارة إلى أن فعل التحوير لا يعد فعلاً غير شرعي، بل هو عمل معرفي جاد، كونه يفتح النظرية المرحلة أمام اجتهادات ذات تفكرية تقابل وقائع جديدة لم يسبق للنظرية المرحلة أن جابهتها.

تجدر الإشارة هنا إلى أنه أثناء نقل النظريات تتم إعادة صياغتها من جديد – قراءة – لغرض ضمان انسجامها مع الواقع الجديد و”لو أقمنا موازنة بين لوكاتش وغولدمان لتعرفنا على المدى الذي تكون فيه النظرية استجابة لظرف تاريخي واجتماعي معين، حتى ولو تم اقتباسها، حيث كون المناسبة الفكرية جزءاً لا يتجزأ، وذلك لأسباب نفهمها عندما نقيم مقارنة بين الوضعين في كل من باريس وبودابست بشكل جريء”10. إن نقل النظرية إلى مجال جديد، يفرض عليها ضغوطات معرفية ومنهجية؛ بل وإيديولوجية، تفرض عليها ضرورة الانسجام مع المجال الجديد، حتى لو أدى ذلك – وهو ما يحصل عادة – إلى تحوير محتوى النظرية، الذي نعده عملاً فلسفياً جاداً وأصيلاً، خاصة عندما يكون فعلاً واعياً.

خلاصة القول، وفق هذا التصور يعد ترحيل النظريات من حقل إلى آخر، فعلاً معرفياً مشروعاً، كونه يفتح أمام النظرية مجالات معرفية جديدة، لكنه وفي الوقت ذاته يستلزم – فعل الترحيل – فعلاً آخر يتعلق بالتحوير، الذي لامناص من إنجازه لضمان استجابة أمثل من النظرية المرحلة، بيد أنه يشترط للقيام بهذا الفعل أن تكون الذات واعية لطبيعة ومحتوى هذا التحوير.

خصوصية التجربة المغربية:

هل يمكن استعارة التجارب التفكرية؟ ليس المراد هنا بالتجربة، التجربة المخبرية، بل التجربة التفكرية التي ينتج عنها نشاط تأملي، الأمر مع هذه الأخيرة يتسم بخصوصية يجعلها تتقاطع مع التجارب المخبرية، فهذه الأخيرة تشترط ضرورة إنتاج الظروف التي تمت فيها التجربة الأولى، حتى تكون النتائج دقيقة، فالتجارب العلمية عبارة عن ملاحظات أعيد إنتاجها من جديد.

تأسيساً على ما سبق، يمكننا القول: إن استعارة التجارب التفكرية بكل أبعادها وحذافيرها – استنساخ – أمر من التعذر الإتيان به، بحيث يكون معادلاً معرفياً ومنهجياً لفعل الاستعارة في التجارب العلمية، ذلك أن الظروف المحيطة بالتجارب التفكرية متكثرة إلى حد يتعذر معه الإلمام بها، وهذا عكس ما يحصل في التجارب العلمية المخبرية، من هنا، يصعب الحصول على النتائج ذاتها لتعذر إعادة إنتاج الظروف المحيطة، مع ذلك، يمكن الإقرار بأن للتجارب التفكرية خصوصية، تتمزى بها على التجارب العلمية، فمن منا يطمح أن يكون نسخة مكررة لمتفكر أو متفلسف آخر. إن تاريخ الفلسفة لم يكتبه إلاً الشاذون الذين أخذوا على عاتقهم التميز ولو بقطع الطريق.

انطلاقاً من هذا، شهدت الثقافة العربية المعاصرة مدرسة تفكرية تميزت عن غيرها من المدارس العربية الأخرى، حتى أصبحت مضرب مثل وغاية لكل مدرسة جديدة وناشئة، تهدف إلى تحقيق عنصر الأصالة والجدة في نتاجها التفكري، وتعرف هذه المدرسة باسم المدرسة المغربية، التي تحضر فيها جلّ عناصر الجدة والأصالة، فهي تتميز بغزارة نتاجها مع جدته وأصالته، كما تشهد تعدداً في انتماءات متفكريها قل نظيره في التفكر العربي المعاصر.

لقد انعكس هذا الأمر على طريقة تعامل المتفكرين العرب – المشارقة – مع الدرس الفلسفي المغربي، فقد تعاملوا معه بحساسية مفرطة، فعلي سبيل المثال، يذهب المتفكر العربي طيب تيزيني أثناء مراجعته لنتاج المتفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى الإقرار بأن تفكر هذا الأخير كان نتاجاً لتبنيه الأيديولوجيا الحسنية يقول موضحاً ذلك: “أشير إلى مسألة أساسية هي النزعة التلفيقية التي تخترق الفكر الجابري، قد أذكر هنا المقولة الشهيرة التي انطلقت ربما من الستينيات من قبل الملك الحسن، والتي تقول إن الحضارة العربية الآن المطروحة والمستهدفة، هي تكنولوجيا أمريكية غربية متقدمة، زائد حضارة وعبقرية يهودية صهيونية، زائد نفط ومال عربي “11. إن أسلوب الطرح الذي يتبناه تيزيني يتسم بالحدية والتوتر، مما يحول بينه وبين إدراك عناصر الجدة في الفلسفة المغربية، والتي في حال إدراكه لها كان من الممكن أن تسهم في إعادة بناء الفلسفة في المشرق العربي.

عليه، من الممكن دراسة هذا الأنموذج بهدف تشخيص واستخلاص المنطلقات والأسس التي أدت إلى تطور التفكر المغربي، والتي يمكن الإفادة منها، لتأسيس تفكر ثقافة ليبية يغلب عليها طابع الجدة والأصالة.

إن من أهم المؤثرات التي أسهمت في تطور الفلسفة في المغرب العربي تأثر الأخيرة وانفتاحها على الإرث الفلسفي الغربي، وأخص بالذكر هنا المدرسة النقدية الفرنسية المعاصرة – فوكو على صعيد تاريخ الأفكار، وباشلار على صعيد تاريخ العلم – حيث تم التعامل مع هذا الإرث بصفته أداة أو تقنية – معرفية – بهدف استثماره في تأسيس مقالة تفكرية تعبر عن الخصوصية العربية الإسلامية المغربية. لقد تجسد حضور الثقافة الفرنسية وتأثيراتها على التفكر المغربي على مستويات أخرى، من ضمنها سيادة اللغة الفرنسية بصفتها اللغة الثانية للمتفكر المغربي، مما انعكس على طريقة تكون وتشكل المدرسة النقدية في المغرب العربي.

بالإضافة إلى ذلك، حظي المغرب العربي بإرث فلسفي إسلامي يعد قمة ما وصل إليه التعقل والتفكر في الحضارة العربية الإسلامية، والتي مثلها على صعيد الفلسفة أبن رشد. يقول الجابري موضحاً ذلك: “كان هناك روحان ونظامان تفكريان في تراثنا الثقافي: الروح السينوية، والروح الرشدية وبكيفية عامة: التفكر النظري في الشرق والتفكر النظري في المغرب، وهناك نوع من الانفصال بينهما داخل الاتصال الظاهري، هذا الانفصال نرفعه إلى درجة القطيعة الابستيمولوجية أو المعرفية، هذه القطيعة ليست قطيعة سياسية، وليست قطيعة ثقافية، ولا قطيعة حضارية، إنها قطيعة ابستيمولوجية، تمس في آن واحد المنهج والمفاهيم والإشكاليات”12. هذا يعني أن مستوى القطيعة سيكون عاماً؛ قطيعة على مستوى الجهاز المفاهيمي والمنهجي، وقطيعة على مستوى الرؤى، والأهم من ذلك القطيعة على مستوى الإشكالية. “لم يقطـع ابن رشد مع الروح السينوية الغنوصية وحدها، بل قطـع أيضاً مع الطريقة التي عالج بها التفكر النظـري – الكـلام والفلسفة – العـلاقة بين الديـن والفلسفة”13. ويزعم هذا الفهم أن ابن رشد دشن إشكالية جديدة في المغرب العربي قطعت مع الإشكالية السائدة في المشرق العربي، والتي سيطرت عليها عقلية التوفيق بين العقل والنقل، أو بين الثابت والمتحول، وعلى ذلك كان على ابن رشد كما يرى الجابري أن يقطع مع “هذا النوع من العلاقة بين الدين من جهة والعلم والفلسفة من جهة أخرى”14. فـابن رشد لم يكن امتداداً لابن سينا طالما أن إشكاليتيهما لم تكن واحدة “فإذا كان ابن سينا يمثل قمة الفلسفة في الشرق، فإن ابن رشد ليس تكملة له، ولا استمراراً له؛ بل هو ثورة عليه، وأسمي هذه الثورة قطيعة فقط من ناحية النقد الابستمولوجي لتاريخ الفلسفة؛ أي أن ابن رشد قطع مع ابن سينا، فإذا نظرنا إلى الفيلسوفين من زاوية ابستمولوجية محضة، وهي زاوية الأدوات التفكرية التي يتعاملان بها والنهج والإشكالية والمفاهيم، فستظهر لنا هذه القطيعة بجلاء”15. وبما أن القطيعة تمت على مستوى الإشكالية والطرح، كان لابد من تأسيس البديل في المغرب العربي، ففيه يمكن إدراك مفهوم القطيعة “لقد دعا ابن رشد إلى فهم الدين داخل الدين وبواسطة معطياته، وفهم الفلسفة داخل الفلسفة وبواسطة مقدماتها ومقاصدها، وذلك في نظره هو الطريقة إلى التجديد في الدين والتجديد في الفلسفة”16. إن عملية الفصل يمكن الإشارة إليها من خلال كتاب ابن رشد: فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال هذا العنوان الذي هو نص في ذاته، يمكن أن نقرأ من خلاله عملية فصل بين نوعين من النصوص: نص فلسفي علمي، ونص ديني، عملية الفصل تعني أن لكل مجال خصوصيته وجهازه المفاهيمي، ثم تأتي محاولة تقرير جوانب الاتصال بين جانبين، غير أن عملية التقرير هذه تكون في وضعية الدرجة الثانية أمام العملية الأولي ( فصل المقال).

لقد انعكس هذا الوضع على شكل الفلسفة في المغرب العربي الذي غلب عليها الطابع البرهاني يقول الجابري موضحاً ذلك: “إنها نزعة تصدر عن روح نقدية عملية، وتنتمي إلى نظام تفكري عقلاني، يعتمد النظرة الاكسيومية التي ترى الأشياء من خلال الكل الذي تنتمي إليه، والوظيفة التي تؤديها داخله: إنها تستعيد بدون شك، وبصراحة وإلحاح النظرة الأرسطية، وتتبني المنظومة العلمية الفلسفية التي شيدها أرسطو وتتمسك بمنهجه البرهاني”17. يغلب على الإرث الفلسفي في المغرب العربي الطابع النقدي؛ فهو جاء رد فعل على الخطاب الفلسفي العربي المشرقي، ودخل معه في حوار كانت نتيجته قطيعة معرفية مع الخطاب الفلسفي المشرقي.

خصوصية هذا الإرث أثرت في طبيعة الطابع الفلسفي في المغرب العربي، الذي اتخذ من هذا الإرث النقدي نقطة انطلاق له، فكانت نتيجته تأسيس مدرسة تفكرية تغلب عليها عناصر الجدة.

إلى جانب ذلك، توجد خاصية أخرى أسهمت في تطور التفكر النقدي في المغرب العربي تتعلق بطبيعة الخطاب السياسي السائد – الملكية الدستورية – الذي لم يسجل عليها الرغبة في تأمين الحقل الأكاديمي لصالح مقاصدها السياسية، حيث ظلت الجامعات بعيدة عن هيمنة وسطوة الخطاب السياسي، دليل ذلك تعدد المرجعيات الأيديولوجية للمتفكرين المغاربة، والتي تصدر عن مؤسسات المجتمع المدني، التي تلعب دوراً لا بأس به في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية. إن هذا الانفتاح حال دون سيادة التفكر الواحدي في المؤسسات الأكاديمية، بل على العكس من ذلك أسهم في خلق تنوع قل نظيره في التفكر العربي المعاصر.

خلاصة القول: لقد تضافر للفلسفة في المغرب العربي مجموعة من الظروف أسهمت في الدفع بها إلى التطور، من ضمنها التأثيرات الخارجية التي يمكن حصرها في التأثيرات الثقافية الفرنسية ذات الطابع النقدي، بالإضافة إلى التأثيرات الداخلية التي شكل الإرث الفلسفي في بلاد المغرب العربي – ركيزتها الأساسية – إلى جانب سيادة خطاب سياسي لم يهدف إلى الهيمنة على الحقل الثقافي والأكاديمي.

مع كل ذلك يبقي السؤال: كيف يمكن الإفادة من التجربة المغربية على صعيد النقد والتفكر الفلسفي؟ كما أسلفنا سابقاً لا يمكن استعادة التجارب بحذافيرها، ولكن يمكن أن نستخلص مجموعة من التوصيات التي يمكن أن يتخذ منها نقطة انطلاق مبدئية لتأسيس مدرسة تفكرية ذات طابع نقدي في ليبيا. 

توصيات تتعلــق بمحتوي المادة الفلسفيـة:

أولاً: إعادة النظر في طريقة تدريس الفلسفة على صعيد التعليم الأساسي والجامعي؛ حيث إن الأسلوب الغالب في تدريس الفلسفة هو الأسلوب الإخباري، الذي يقوم على منهج التلقين فإنه “لا يعدو الأسلوب الإخباري أن يكون غير عملية تلقين أو نقل مباشرة للمعلومات من طرف متكلم [المدرس] إلى مخاطب – مستمع [المتعلم ] والتي هي عملية [ نطق خارجي ] سواء اعتبرنا [ النطق ] بمعناه اللغوي [الكلام] أو بمعناه الفلسفي المنطقي [ التفكر]. وبهذا المعنى، إذن، ينزع الأسلوب الإخباري إلى تزويد المتعلم بمعلومات معطاة ومكتملة لغة وتفكراً”18. إن الأسلوب الإخباري بنهجه التلقيني غير منتج في العادة؛ حيث يصبح هم الطالب إعادة المادة التي تم تلقنها – بضاعتنا ردت إلينا – في الامتحان، ليتخذ منها بطاقة مرور، دون الرغبة في إعادة استثمارها. هذه الطريقة المعتمدة في تدريس الفلسفة، يمكن أن نجد انعكاساتها على طبيعة النتاج الفلسفي في ليبيا؛ حيث إن جل هذا النتاج ينحو منحى إخبارياً بعيداً عن الروح النقدية.

ثانياً: التركيز على دراسة النصوص الفلسفية الأصلية، وبالمقابل الابتعاد عن الاعتماد على النصوص الشارحة – التفسير – فبهذه الطريقة يتمكن الطالب من التعامل مع المصادر بشكل مباشر، ودون أية عوائق معرفية وإيديولوجية، مما من شأنه إزالة هاجس الرهبة من التعامل مع كبار متفكري الفلسفة، والدخول معهم في حوار تفكري مباشر – الاتجاه المعاكس – عن طريق نصوصهم، والتي نقترح أن تكون نصوصاً ذات طابع نقدي.

ثالثاً: استبدال كلمة [ علم التفسير] بـ الفلسفة، كون المسميات تحمل دلالات تتحكم في طبيعة ومقاصد التخصص، فعلي سبيل المثال ارتبطت لفظة التفسير تاريخياً ومعرفياً بالكتب المقدسة، مما جعله نشاطاً تابعاً؛ حيث هدف إلى تقديم تفسيرات وتأويلات للنصوص الغامضة، بهدف رفع اللبس عنها؛ أي أن التفسير هنا لا يهدف إلى التجاوز، على العكس من ذلك الفلسفة التي هي نشاط هدفه التجاوز لغرض تأسيس نص بديل للنص السابق. لقد جاءت تسمية الفلسفة في ليبيا بالتفسير لتحقيق أغراض إيديولوجية، كون التفسير لا يتطلب روحاً نقدية، وهو أمر يخدم مقاصد الخطاب السياسي المهيمن، الذي لن تكتب له السيادة إلاّ في حال غياب الخطاب النقدي، والذي يجعله بمنأى عن النقد.

رابعاً: العمل على خلخلة مجموعة من المفاهيم التي ترسخت في العقل والتفكر الليبي بسبب سطوة الخطاب السياسي، كونها عقبة معرفية في سبيل تطور التفكر الفلسفي الناقد، مثال ذلك مفهوم الحقيقة، ومفهوم المعلم الأول والمتفكر الأوحد… إلخ. “إن الفلسفة في جوهرها تفكر لا وثوقي، وإنها بذلك لن تكون بحثاً عن الحقيقة، بل هي تساؤل يوقظ الحوار، ففي كل نسق فلسفي لا تكون الدعوة إلى الإيمان البسيط بقضاياه ومضامينه هي الهدف الأول، بقدر ما تحضر الدعوة إلى النشاط التفكري الفلسفي، وإلى بناء الحجج، وإلى أشكال البراهين”19.

خامساً: العمل على رفع الحدود بين التخصصات المعرفية المختلفة، وبالأخص تلك التي لها علاقة بالفلسفة، فهذه الأخيرة لا يمكنها أن تتطور بمعزل عن العلوم الأخرى، فلكي تكون هناك فلسفة متطورة لابد من انفتاح الفلسفة على بعض التخصصات الإنسانية والتطبيقية، مثال ذلك التاريخ وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الرياضيات، وعلم الفيزياء، وعلم الحياة، فهذه الأخيرة – العلوم التطبيقية – تشهد طفرات معرفية تعد الشريان الأساسي لاستمرار الفلسفة وتطورها، كما أن هذه الطفرات تسهم في خلخلة الثوابت الفلسفية، وتدفع التفكر الناقد إلى إعادة النظر في أسسه ومنطلقاته، ذلك أن الركون إلى الثوابت يحيل التفكر الفلسفي إلى خطاب وثوقي.

سادساً: الانفتاح على الإرث الفلسفي العربي الإسلامي، بهدف خلق توازن معرفي وإيديولوجي، مقابل الانفتاح على الإرث الفلسفي الغربي، ويتم ذلك عن طريق إعادة تدريس مادة تحقيق المخطوطات لطلبة الدراسات الفلسفية في المرحلة الجامعية الأولى .  

توصيات تتعلــق بأستاذ المادة الفلسفية:

أولاً: إن ما يميز التفكر الفلسفي، روح الانفتاح، فهو منفتح – أو هكذا يفترض – على كل الحقول المعرفية، كونها المصدر المعرفي الذي يقتات عليه، لهذا يجب أن يزود بالأدوات المعرفية التي تمكنه من إنجاز فعل الانفتاح، والتي من ضمنها أداة اللغة، فكلما تعددت لغات المتفكر أصبح أكثر انفتاحاً وأكثر إفادة من الحقول والمدارس الفلسفية الأخرى، كما أن تعدد لغات المتفكر يجعله بمنأى عن أية مصادر تسلط معرفي يمكن أن تمارس عليه.

ثانياً: إلى جانب الانفتاح السابق، هناك انفتاح آخر يمكن أن نشير إليه بالانفتاح على المدارس النقدية المنتمية إلى مجالات وثقافات أخرى، ذلك أنه لكل مدرسة أصيلة درسا نقديا يتسم بالجدة والخصوصية، وفي المقدور الإفادة منه عن طريق الدخول معه في حوار تفكري هادف.

ثالثاً: إعادة النظر في معايير استقدام الأساتذة المغتربين والمتعاقد معهم في الجامعات الليبية، بهدف التوكد من استقدام الجيد، الذي يفيد النشاط التفكرى الفلسفي في ليبيا، وهنا لابد من الإشارة إلى الحرص على التنوع أثناء التعاقد، من خلال إعادة الانفتاح على المدرسة المغربية.

رابعاً: تفعيل دور الأستاذ الجامعي، من خلال إحياء النشاط الثقافي داخل أقسام الفلسفة. إن النشاط الثقافي الجامعي يعد الركيزة الأهم في الحقل الأكاديمي، كونه الوسيلة التنظيرية الأساسية، وحلقة الحوار الأولي بين أشياع التخصصات المنتمين إلى حقول معرفية متنوعة، واعتبار هذا النشاط المعيار الأساسي للتعاقد مع الأستاذ الجامعي سواء أكان محلياً أم مغترباً.

خامساً: إعادة بناء العلاقة بين الأستاذ والطالب والمقرر الدراسي؛ حيث لا يصبح دور الأستاذ دور الملقن، مقابل الدور السلبي للطالب، وتتم إعادة البناء عن طريق تجاوز طريقة التدريس المتبعة حالياً في الجامعات، والتي تعتمد على طريقة الحفظ والاستظهار الناشئة عن استشراء طريقة الإملاء – الكتاتيب- ويتم تجاوز هذه الوضعية عن طريق إعادة تفعيل دور الكتاب الجامعي.    

توصيات على صعيد المؤسسات الثقافية والأكاديمية:

أولاً: تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، وعلى كافة الأصعدة، فمن خلال تفعيلها ينفتح أمام المتفكر أفق بناء المرجعية التفكرية لديه، الأمر الذي من شأنه خلق تنوع في المرجعيات بتنوع تلك المؤسسات.

ثانياً: إعادة إحياء ما يعرف بالجمعية الفلسفية، فهي تعد المجمع العلمي والأكاديمي الذي يلتقي فيه المنتمون إلى حقل الفلسفة، بهدف مناقشة هموم المجال، وإعادة تقييمه من جديد. إن وجود جمعية فلسفية تعقد اجتماعاتها ومؤتمراتها بشكل دوري يمكن أعضاءها من إنجاز فعل المراجعة النقدية لمجالهم.

ثالثاً: العمل على رفع الوصاية السياسية عن حقل الفلسفة، مما من شأنه فتح الحقل الفلسفي أمام مرجعيات نقدية وتفكرية متنوعة – ماركسية، وجودية ظاهراتية براجماتية تحليلية … إلخ الأمر الذي يسهم في إثراء الحقل الفلسفي.

رابعاً: تأسيس مركز بحوث للعلوم الإنسانية، يكون نقطة التقاء بالنسبة للتخصصات الإنسانية، مما يسهم في ترسيخ ثقافة الانفتاح بين أشياع وأنصار هذه المجالات.

خامساً: تحرير مجال النشر، من خلال فتح المجال لتأسيس مجلات وصحف علمية محكمة، تتبع لمراكز بحثية مستقلة عن سطوة مؤسسات الدولة، بهدف خلق فرص متنوعة ومتكافئة أمام الباحثين والمتفكرين لنشر أبحاثهم ومقالاتهم.

سادساً: إعادة إحياء ما يعرف بالمراكز الثقافية، والمكتبات العامة، والمكتبات الجامعية، فهي الرافد الأساسي لأي نشاط ثقافي .

المصدر: (مجلة عراجين 8) / libyaforum

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحــــــالات:

1. المعجم الجماهيري، تحرير: إبراهيم أبجاد، وآخرون، ط1، 1989، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، ليبيا، صـ97.

2. معمر القذافي، الكتاب الأخضر، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، ط27-2005، طرابلس، ليبيا، صـ47-48.

3.     المرجع السابق، صـ41.

4. إبراهيم عبدالرحمن، الصّراع السياسي على السلطة، منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، ط4- 1990، طرابلس، ليبيا، صـ77.

5.     المرجع السابق، صـ65.

6. د. المدني على الصديق، التعريف بالنظام الجماهيري، نقلاً عن المجتمع الجماهيري، منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، ط1- 1988، طرابلس، ليبيا، صـ31.

7.     د. رجب بودبوس، مواقف، الدار الجماهيرية، ط1 – 1991، مصراتة ليبيا، صـ73.

8. ادوارد سعيد، عندما تتنافر النظريات، ترجمة: مصطفي كمال. مجلة بيت الحكمة، العدد 2، السنة الأولي، يوليو 1986، صـ144.

9.     المرجع السابق، صـ151.

10.المرجع السابق، صـ152.

11.طيب تيزيني: الصراع مع التراث في الفكر العربي المعاصر، نقلاً عن: الأسبوع الثقافي الثاني، 1995، جامعة دمشق، العقلانية – العلمانية – الشرق أوسطية، صـ127.

12.د. محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1- 1991، بيروت، لبنان، صـ277.

13.محمد عابد الجابري، نحن والتراث، دار الطليعة، ط2 – 1982، بيروت، لبنان، صـ72.

14.المرجع السابق، الصفحة نفسها.

15.محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، مرجع سابق، صـ 262.

16.محمد عابد الجابري، نحن والتراث، مرجع سابق، صـ 73.

17.محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، مرجع سابق، صـ 202.

18.عبدالمجيد الانتصار، الأسلـوب البرهانـي الحجاجـي في تدريـس الفلسفـة، دار الثقافة، ط1 – 1997، الدار البيضاء المغرب، صـ17.

19.المرجع السابق، صـ24.

(*)محاضر بقسم الفلسفة كلية الآداب جامعة سبها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق