تحاليلتونس

القصيدة “المشنوقة” !!!

Afficher l'image d'origine

أحمد الرحموني:

رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء

    هل أصبنا في “أمخاخنا”حتى أصبحنا نطارد القصائد في محاكم الجمهورية ونراقب كتبة المحاكم ونفتش عما يكتبه الموظفون بوزارة العدل !! ربما لم نشهد في تاريخنا القريب قرارا إداريا بنقلة كاتبة بإحدى المحاكم بناء على كتابتها ونشرها لقصيدة في صفحتها الشخصية بالشبكة الاجتماعية “فايسبوك“. الغريب أن هذا هو ما تم فعلا وما تضمنه قرار النقلة الصادر في 13 ماي 2016 عن الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بصفاقس الذي اقتضى نقلة السيدة ر.بن.ع الكاتبة بالمحكمة الابتدائية بصفاقس 2 بمثل رتبتها الى محكمة الناحية بساقية الزيت وذلك بداية من يوم الاثنين 16 ماي 2016 .

ويظهر أن كاتبة المحكمة -التي بادر الى حد الآن عدد من زملائها من الكتبة والقضاة الى مساندتها- قد خضعت الى محاولات لترهيبها والضغط عليها بداية من الجمعة الفارط 6 ماي وهو تاريخ تدشين وزير العدل السيد عمر منصور للمقر الجديد للمحكمة الابتدائية بصفاقس 2 ومرورا بحجز تلك القصيدة واستجواب الكاتبة حولها ثم توجيه “ملف القصيدة” مع مكتوب صادر عن وكيل الجمهورية لدى تلك المحكمة الى الوكيل العام وانتهاء بقرار النقلة المذكور وإعلام المعنية به بصفة رسمية. وإضافة لذلك ورد في نص القرار المتضمن للنقلة -وهو ما يحتاج الى دليل- ان جمعا من الكتبة بنفس المحكمة -الخاضعين طبعا الى الإشراف الإداري لوكيل الجمهورية- قد امضوا على بيان فيه استنكار لما ورد بالقصيدة(كذا)  !!  

لكن ما الذي فعلته هذه “المهرطقة المسكينة” حتى يجتمع عليها الوكيل العام ووكيل الجمهورية وعدد من زملائها وربما كذلك وزير العدل الذي لازال -حسب القوانين الجاري بها العمل- رئيسا للنيابة العمومية ؟  من الثابت أنها أقدمت عل كتابة القصيدة ونشرها -وهو ما أقرت به- لكن ماذا فعلت بالضبط ؟

 هل اعترضت سبيل الوزير -عند تدشينه لمقر المحكمة- وأطلقت في وجهه قصيدة تذكرنا “بهجائيات جرير والفرزدق” !؟ هل خططت -بهذه القصيدة- لتدمير “معنويات الوزير”!؟ هل هي جزء من مؤامرة أم هي المؤامرة بعينها !؟ هل شتمت أم نبشت في تاريخ الوزير!؟ هل ندبت حظنا مذ جاء الوزير أو هكذا تراءى لها !؟

يتضح من تتبع وقائع القضية أن كاتبة المحكمة وكاتبة القصيدة قد قامت -ربما تحت الضغط أو في لحظة “ضعف”!!- بسحب القصيدة من “حائط الصفحة” لكنها تراجعت وكتبت بتاريخ 13 ماي الجاري تحت عنوان “قرار نقلة تأديب لأجل كتابة قصيدة”: “قد قمت بسحبها والآن أعيد سردها لان الكلمات لا تختنق إلا في حناجر العبيد“. ألهذا الحد: ماذا فعلت “هذه المهرطقة المسكينة” وماذا فعلوا بها!؟

 القرار الصادر عن الوكيل العام سكت عن السبب إلا قوله أن قرار النقلة قد تم بناء على تلك القصيدة. لكن من أين عرفنا ؟

 كاتبة القصيدة واصلت تحديها -مثلما دشن زملاؤها حملة تحت عنوان “#تضامنا_مع_زميلتي-#هبليه_بالشعر- #سيب_ريم”- وقد أعادت نشر القصيدة:

دشن الوزير سيجارة محترقة

 تعطرت من ريحها كتيبة المرتزقة

 غنوا له صلوا له والعيد هل معه

 لينبت خشوعهم قداسة الربيع

 حل الوزير فزينت لأجله مدينة ملوثة

وصفقت لبؤسها أيادي مرتعشة

 وزغرد القطيع في حضرة الوزير

وزيرهم وزيرهم يأتي بالربيع

 ويرحل بالربيع

ولعنة خشوعهم قد دنست من زيفها

براءة الرضيع

 فبئسا للوزير “

ونلاحظ في هذا السياق أن القصيدة المنشورة هي أطول من هذه المقاطع وأنها لم تشر بأي وجه الى صفة الوزير أو الى السيد عمر منصور. كما أننا لا نعلم الى حد الآن كيف دخلت “المحكمة” ممثلة في وكيل الجمهورية الى الحائط الشخصي للسيدة ر.بن.ع وهل هي مخولة “للتجسس” على كتابات الموظفين !؟ . المهم أننا عرفنا ولأول مرة وعلى لسان “المتهمة” كاتبة القصيدة حقيقة ما نسب إليها:

”تم استجوابي على أن القصيدة تضمنت إهانات للوزير أجبتهم أن الوزير رمزي وهو المنظومة القديمة والكتيبة المرتزقة هم المستفيدين (كذا) من تلك المنظومة وان المدينة الملوثة هي الدولة التي تآكلت بالفساد وان الربيع هو الربيع العربي ولم يسأل احد عن الرضيع فأكملت لهم باقي القصيدة وهي قصة حقيقية“. .

هل يمكن أن نصدق وما دخل وزير العدل وهو لم يذكر!؟ مازالت تلك “المهرطقة المسكينة” تتحدث عن “المنظومة القديمة” (هل تقصد وزير العدل !؟) و”دولة الفساد” و”الربيع العربي” الخ… .  

لقد توضحت المسالة : هم -أي الذين أدانوها- اعتمدوا على قراءة الظاهر والسياق وورطوها مع وزير العدل ومع “القطيع الذي زغرد في حضرة الوزير”!؟ في حين أنها -أي كاتبة القصيدة- اعتمدت على الخطاب الرمزي (وزير العدل الرمزي!) وخطاب الباطن وهو أشبه بخطاب الصوفية على لسان الحلاج أو ابن عربي أو رابعة العدوية ! لكن يبقى التأكيد أن تتبع القصيدة -حتى وان كانت تقصد الوزير- يذكرنا بمحاكم التفتيش التي أنشئت بأوربا في القرن الثالث عشر لمحاربة “الهراطقة “وقمع جرائم البدع والردة، وأعمال السحر!؟

 لكن هل يرضى “الوزير الحقيقي” أن يعاقب باسمه الشعراء وتشنق القصائد !؟

المصدر: “صفحة القاضي احمد الرحموني”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق