دراساتليبيا

ليبيا : من يريد عرقلة السراج وحكومته التوافقية؟ 1

 Afficher l'image d'origine

 علي عبد اللطيف اللافي:

تطورات وانعكاسات الوضع الليبي على المنطقة خلال الأشهر القادمة ستكون كبيرة، ذلك ان السؤال الأهم والأساسي بعد مباشرة حكومة السراج لعملها منذ اسابيع ومن العاصمة طرابلس تحديدا، من هي الأطراف التي تسعى لعرقلتها  وهل تنجح في تجاوز الكثير من العراقيل لاعادة توحيد الشعب الليبي وتجاوز خطر الحرب الأهلية؟ 

1- هل يمكن فعليا اعادة الامور لنقطة البداية؟ 

              رغم مباشرة حكومة السراج لمهامها واستلامها بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية وتمتعها بدعم دولي كبير، فان عودة الامور إلى النقطة الصفر، تبقى ممكنة ولكنها صعبة  نتاج تسارع الخطوات الايجابية  إضافة إلى إصرار القوى الدولية الكبرى على نجاح الحكومة  واستمرارها  في القضاء على مظاهر الفرقة والصراع وعزمها على محاربة الإرهاب،  ولكن تبقى عمليات عرقلتها ممكنة الحدوث نتاج تعقيدات الوضع وتشابك المصالح بين أطراف داخلية وخارجية، ولكن القُدرة على إفشال التوافق الليبي مرتبط بتطورات إقليمية ودولية عديدة:

أ- سنة 2016 هي سنة الانتخابات الأمريكية بما يعني عدم السماح لإرباك الاوضاع، ذلك انه لو  تفجر الملف الليبي من جديد فسيصبح أمرا عصيا على أي طرف دولي بما فيها الولايات المتحدة  ايقاف تطور الاحداث في أي اتجاه كان …

ب- تعدد الأطراف التي لا تريد للحكومة النجاح وهذه الأطراف هي أكثر من أن تعد في الداخل الليبي، اضافة لقوى إقليمية واخرى دولية، لها دوافعها  الذاتية والموضوعية …

ت- تطورات الأحداث في سورية واليمن إضافة إلى مدى تدعم نجاح الانتقال الديمقراطي في تونس…

ث- أجندات فسيفساء الدولة العميقة في تونس ومصر، باعتبار أن نجاح أجنداتها مرتبط بفشل التوافق في ليبيا  بل أن القوى الإعلامية والأمنية والسياسية الممثلة للثورات المضادة، تعمل كل حين وكل يوم على إفشال السراج وحكومته في بسط نفوذها…

ورغم أهمية العوامل سالفة الذكر، فانه يُمكن الجزم أن العرقلة التامة أمر صعب المنال، وان العوامل السالفة الذكر قد تكون مُربكة للحكومة ولكنها لن تكون قادرة على إفشالها عمليا وذلك بسبب :

أ- أن أغلب القوى الدولية ترغب في نجاح السراج وتسعى لدعمه بغض النظر على الاختلاف على الاجندات المستقبلية في ليبيا…  

ب- الدول الأوروبية حسمت أمرها في الدعم الكلي للسراج وذلك بهدف ان تتحكم حكومته في الهجرة غير الشرعية لان الدول الأوروبية وعلى عكس ما يعتقد البعض ليست ضد الهجرة بل في تحديد من يهاجر تحديدا ومدى علاقاته بالظاهرة الإرهابية و الإجرامية من عدمه …

ث- سيبقى الدور الجزائري حاسما في استقرار الاوضاع في ليبيا بل وستكون الجزائر حصنا منيعا ضد أي إرباك لمسارات الدول المغاربية  …

ج- ألهمت التجربة التونسية، القوى الدولية والفاعلين السياسيين في ليبيا وخارجها وأنه يمكن بناء حكم تشاركي وتوافقي مبني على نتائج الانتخابات في البلدان العربية وخاصة المغاربية بالذات….

2- من يريد عمليا إعاقة حكومة السراج؟

عديدة هي الاطراف الت تسعى جاهدة كما بينا اعلاه لإرباك الوضع الليبي وإعاقة حكومة السراج:

أ- أطراف دولية: عوامل عديدة وتطورات لاحقة قد تجعل القوى الدولية تتراخى في الدعم، أو في الانجرار وراء اطراف إقليمية تسعى لإرباك ليبيا مجددا، وهو أمر وارد بناء على تجارب سابقة خلال العقود الماضية أو من خلال استقراء السياسات الدولية في التجربتين العراقية والسورية، إضافة لذلك ستبقى مواقف الإيرانيين والروس مثيرة للجدل حيث أن سياساتهما تجاه الملف الليبي يكتسيها نوع من الغموض بغض النظر عن التصريحات الدبلوماسية المعلنة…

ب- أطراف إقليمية: عديدة هي الأطراف الإقليمية التي تسعى لإرباك الاوضاع في ليبيا مجددا بغض النظر عن مواقفها الدبلوماسية المعلنة:

+ النظام المصري: وهو نظام غير مُرتاح لنجاح السراج، خاصة أن حكومته ليست تحت رعايته و ولن يستأثر بعطايا برامجها وخاصة الاقتصادية منها، خاصة بعد الحسم شبه النهائي في الجنرال  حفتر،بعد ان وقع عمليا إخراجه شبه النهائي من اللعبة السياسية في ليبيا….

+ الإمارتيون:  رغم أن الاماراتيين يبقوا دائما مرتبطين بالتوجه الخليجي ولن يكونوا معارضين واضحين للسياسيات الأمريكية والأوروبية بل هم فاعلين فيها بشكل من الأشكال، فإنهم لن يكونوا مرتاحين لنجاح الحكومة بسبب تواجد إسلاميو ليبيا في تركيبتها، ولن تكون رؤيتهم للتعامل معها بعيدة عن رؤيتهم لحكومة الحبيب الصيد في تونس…

هذا بالاضافة الى جهات دولية ربما لا تريد استقرارا في ليبيا ومنطقة المغرب العربي لاسباب مختلفة.

ت- أنصار القذافي:  هم اولا ليسوا وحدة متكاملة، وبعضهم من خلال قراءتهم للوضع الحالي أنه يمكن عودة نظام القذافي بكامله والبعض الآخر يعتبر أن تنفيذ وصية العقيد في أن يقع ترتيب الأمور لصالح سيف الإسلام، وفي هذه النقطة بالذات ينقسم أنصار القذافي إلى طرفين، الأول يرى في سيف منقذا للبلاد والطرف الثاني يرى في ذلك تكتيكا أوليا في طريق عودة نظام القذافي باعتبار أن الغرب في تحليلهم طبعا ليس أي إشكال مع سيف الإسلام بل هو ورقة غربية قديمة، أما الطرف الثالث من أنصار القذافي فهو يرى في نجاح السراج سبيلا أن تسترد بعض قبائل محسوبة عليهم حقها وانه لا يجب معاملتها بناء على قربها السابق من الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، وهؤلاء يرون أن المصالحة الحقيقة هي في بناء جديد يدفن آلام الماضي…

ث- التيارات المتشددة:

         فسيفساء التيارات الجهادية في ليبيا معقدة ومتشابكة ومتطورة ومتحولة واغلب مكوناتها ترى في السراج وحكومته ضربا لأجنداتها السياسية والميدانية:

+  داعش في ليبيا:  رغم أن “داعش” في ليبيا ليست طرفا واحدا أو وحدة متكاملة تنظيميا بل هي فسيفساء تختلف من حيث الجهة المُمولة والداعمة لوجستيا ومن حيث الامتداد الجغرافي[2]، فــ”داعش سرت”، هي خليط بين داعشيين تونسيين ومصريين  وموريطانيين وسودانيين،  يسود غموض حول الجهات الداعمة لهم وبين بقايا مرتزقة نظام القذافي و أنصاره في الجنوب الليبي، بينما داعش في صبراطة (قبل البدء في تفكيكها في فيفري الماضي)، هو تنظيم مُركب ومدعوم لوجستيا من طرف عدد من القوى الإقليمية وبعض أجهزة   الأجنبية والمنظومات القديمة لعدد من الأنظمة العربية التي أسقطتها ثورات الربيع العربي، ورغم و هو تواصل موضوعي لتنظيم تونسي كان يٌدعى “شباب التوحيد”[3] ، أما داعش درنة فهي مجوعات ليبية كانت تنتمي لشبكات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أو تنظيم القاعدة المركزي بقيادة أيمن الظاهري  وتبنت فكر داعش وبايعتها منذ ظهور البغدادي …

والخلاصة أن كل هذه التنظيمات لا تتحكم في مصيرها وأجنداتها وأنها مجرد أداة توظيفية وأنها مخترقة في مؤسساتها القيادية ويمكن أن يقع توجيهها لاحقا لعدد من الأهداف من بينها إرباك حكومة التوافق أو لخدمة أجندات وأهداف خارج ليبيا يُرتب لها مستقبلا من طرق قوى إقليمية ودولية …

+ بقية تنظيمات الجهاديين الليبيين: المقصود هنا هي التنظيمات التي تبنت الفكر الجهادي سواء سابقا (بغض النظر عن تقييماتها وتطوراتهأ)، أو تتبناه حاضرا فالمعروف في ليبيا أن أول التنظيمات الجهادية و أبرزها في تاريخ ليبيا المعاصر، هي الجماعة “الليبية المقاتلة”[4] والتي سرعان ما حدثت داخلها تباينات حول العلاقة بتنظيم القاعدة قبل أحداث 11 سبتمبر 2001، وحول رؤيتها لفلسفة “الخيمة والعمود” وحدث هذا التباين من جديد داخل الجماعة اثر مجزرة بوسليم سنة 1996، واثر المراجعات التي قادها الدكتور علي الصلابي قبل وبعد أحداث ثورة 17 فبراير فقد حدثت عمليا، تباينات أخرى تنظيمية حيث ظهرت “الحركة الإسلامية للتغيير” والتي تطورت لاحقا إلى حزبين بناء على تقييمات متباينة للوضع الجديد في قراءة للواقع السياسي بعد ثورة 17 فبراير حيث قاد عبد الحكيم بلحاج حزب “الوطن” بينما قاد بعض من رفاقه السابقون حزب الأمة الوسط، في ما تشكلت تنظيمات أخرى في شكل مجالس شورى في كل من بنغازي و درنة وسرت، و تباينت رُؤاها حول التطورات السياسية والخلافات بين فرقاء فبراير، وباستثناء الملتحقين من أنصار القاعدة السابقين  بــ”داعش” (وأساسا في درنة)، فان أغلب التنظيمات الأخرى إما مارست الحياد تجاه الصراعات، أو انضمت لمساندة فجر ليبيا ميدانيا وليس سياسيا بالضرورة  أي أنها ضد حفتر  وليست  مع خصومه  السياسيين… 

3- أي مستقبل لتطور الأوضاع في أفق 2016؟

            بغض النظر عن التجاذبات وصعوبة المهمة بالنسبة للسراج والبعثة الأممية وتعقد تفاصيل المشهد الليبي ومفرداته العديدة والمتعددة في أفق الاسابيع والأشهر القادمة، فانه يمكن التأكيد على أن نجاح التوافق الليبي أمر محسوم بينما عمل الحكومة سيعرف صعوبات عدة ومزالق عديدة وتحديات كبرى وعوائق لا تحصى ستسعى أطراف عدة إقليمية و ربما دولية إضافة إلى أطراف في الداخل الليبي، إلى العمل على توسيعها، حيث أن تلك الأطراف ستلعب كل ما بقي لها من أوراق لإفساد المشهد الجديد وخلط الأوراق، أو ربما أعقد مما كان عليه الوضع في اكتوبر 2015 او حتى اعقد من وضعية أوت 2014 …

ولكن من الأكيد أيضا أن تطورات المشهد الإقليمي و طبيعة الموقع الجغرا – سياسي لليبيا وقربها ومن السواحل الأوربية وطبيعة التحديات الاقتصادية في دول الجوار الليبي ستدفع الجميع نحو الدفع لإنجاح عمل حكومة التوافق الليبية بل ومساعدتها في تنفيذ برامجها وإجراء انتخابات تغلق باب الصراعات الميدانية والعسكرية…

ولكن الحكومة ستجد نفسها  امام  تحديات جسيمة على المستوى  الأمني  و بناء و قيادة المؤسسات السياسية والعسكرية وترتيبات الحدود مع الدول المجاورة والعمل على إنهاء الصراع الممتد أكثر من سنتين بين التبو والطوارق، ولكن أمل الشركات العابرة للقارات في الاستثمار في ليبيا ورغبة عديد العواصم الكبرى في إعادة النشاط لسفاراتها في طرابلس من أجل الظفر بعقود لكبرى شركاتها في بلد قد يصبح لاحقا وبسرعة كبيرة دبي2 باعتبار امتداده الجغرافي وثرواته الباطنية الرهيبة و طول شواطئه الساحلية وقلة عدد سكانه إضافة للصحراء الممتدة  نحو وسط القارة الإفريقية…

المصدر : صحيفة الفجر الاسبوعية ، بتاريخ 13 ماي 2016

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]   هذا المقال هو مختصر وملخص  لدراسة تحليلية نشرت في موقع شمال افريقيا  للدراسات والتحاليل ( www.almagharebi.net)،    تحت عنوان “ليبيا : هل يمكن اعادة الامور لنقطة البداية ؟”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق