تحاليلتونس

لتسوية القضايا الكبرى: التحكيم الشعبي عبر الاستفتاء

Afficher l'image d'origine
تعدّ أحد مظاهر التفعيل الواقعي والجدي للديمقراطية أن يتم طرح قضايا شديدة الخلافية، أو ذات تأثير مصيري على التحكيم الشعبي عبر الاستفتاء.

إذ مقابل وجهة النظر المتعاظمة في السياق التونسي، خاصة في أوساط الائتلاف الحاكم (النداء والنهضة) لفرض تغييرات أساسية وجوهرية عبر تقوية السلطة التنفيذية، وحتى منحها مزيدا من الصلاحيات على حساب مجلس نواب الشعب، سنسعى هنا إلى اقتراح آلية الاستفتاء المضمنة في الدستور الجديد، لاختبار التوجهات الكبرى والأساسية لمن هم في السلطة عبر التحكيم الشعبي. 

من البديهي أنه بين محطتين انتخابيتين عامتين يقوم طبعا مجلس نواب الشعب بالحسم في مشاريع القوانين العادية والأساسية. لكن هناك عاملين في السياق الراهن يحتمان العودة إلى التحكيم الشعبي وهو ما يتيحه الدستور التونسي “استثنائيا” (الفصل 82) في مشاريع القوانين أو التحولات ذات العلاقة بالقضايا الكبرى.

الأول، أن مجلس نواب الشعب في حالة شبه شلل بسبب فشل حزب السبسي (الأغلبية في الانتخابات) في إيجاد الذريعة للحفاظ على وتيرة عمل جدية ومنتظمة للمجلس، إذ أثر وضعه على النسق العام لأهم مؤسسة في البلاد، بفعل ما يمنحها الدستور من صلاحيات يجعل نظامنا السياسي شبه برلماني.

وبالإضافة إلى انقسام كتلته وارتباك انتماء عديد النواب المنتمين إليها بين مستقلين ومترددين، تسجل نسب غياب كبيرة، تتراوح بين صفر وخمسة في المئة، بحسب تقارير مرصد “بوصلة”، لهؤلاء النواب الذين كانوا يزايدون في مرحلة الترويكا على وتيرة عمل المجلس التأسيسي.

يضاف إلى ذلك، الظاهرة ذاتها في حزبين من أحزاب الائتلاف الحاكم، “آفاق” و”الوطني الحر”. وبالتالي فإن النسق الضعيف للمجلس، وأيضا النقاشات الأضعف فيه، وسعي الأحزاب الحاكمة للتمرير السريع دون أي تعمق للعديد من القوانين الهامة والمصيرية، يحتم المرور إلى التحكيم الشعبي عبر الاستفتاء عندما يتعلق الأمر بقضايا كبرى وأساسية. 

وهذال يحيلنا إلى العامل الثاني الذي يحتم التحكيم الشعبي أي القضايا الكبرى. فعمليا، نحن لا نزال في مرحلة تأسيس، وهناك ورشات كبرى لتغييرات كبرى سيكون لها تأثير مصيري على البلاد.

ومن ذلك ما يتم الحديث عنه من “إصلاحات” اقتصادية. إذ يمر الائتلاف الحاكم إلى السرعة القصوى في تمرير أجندة قوانين تطالب بها المؤسسات المالية الدولية شرطا أساسيا لأي قروض.

غير أن هذه القوانين تمرر دون أي نقاش جدي في البلاد. مثل ذلك قانون “البنك المركزي” الذي سيجعل أهم أداة مالية للدولة مستقلة، وفقا للنموذج الذي يروج له “صندوق النقد” على أنه صالح لكل مكان وزمان، وتحديدا نموذج “البنك الفيدرالي” الأمريكي.

إذ إن هذا القانون يفرض استقلالية البنك ليس الإدارية فحسب، وهذا أمر إيجابي في المبدأ، بل الأهم، بل عن سياسات الدولة العامة. فضمنيا يجعل خيار عدم اتباع البنك لسياسات تفرض مثلا برنامجا تشغيليا غير مضمونة، وسيصبح البنك في المقابل مسيرا من رئيس مجلس إدارة تختاره الأغلبية الحاكمة، دون أي تحديد لأي معيار سوى إشارة تعويمية لـ”الكفاءة”، في حين يختار هو مجلس الإدارة لوحده، يتضمن ممثلين للبنوك الخاصة.

في الأثناء، يتم تركيز خبراء أجانب، خاصة أمريكيين، وبطلب تونسي، مثلما أشرت في مقال سابق، لمراقبة أداء وسياسات البنك. 

إذا ربطنا هذا بالقانون الذي يتم إعداده، الذي يخص “إنقاذ” المؤسسات المالية، الذي يجعل البنك يتدخل لإنقاذ البنوك، في حين يتم تخفيض الحد الأدنى لرأسمال البنوك إلى خمسين مليون دينار، فإننا إزاء وضع مريب تماما.

إذ إن السيناريو السيئ شديد الاحتمال هنا، هو ألا يتم استيراد منظومة بنكية عصرية، تفتقدها تونس، بل يتم تحويل وضع البنك المركزي التونسي بما يجعله متأثرا بالمؤسسات المالية الدولية، وليس القرار الوطني في السياسات العامة.

من جهة أخرى، سيوجد هامش لعمل لوبيات قريبة ممن يمسك بالسلطة. ومن الواضح أن قرار تخفيض رأس المال الضروري للمؤسسات المالية في إطار الوضع الحالي، أقرب لتبييض الأموال منه لتعصير المنظومة البنكية. 

مثال آخر لمشروع قانون اتفاقية “التبادل الحر الكامل والمعمق بين تونس والاتحاد الأوروبي، ومشروع قانون المصالحة الوطنية” (ALECA)، الذي بدأ التفاوض حوله بين تونس والاتحاد الأوروبي.

ومثلما أشار حزب حراك تونس الإرادة منذ أسبوع، أنه يجب طرحه على استفتاء شعبي لعدد من الأسباب.

ومثلما أوضح بيان للحزب، فإن “المصادقة على هذه الاتفاقية ستضر بقطاعي الفلاحة والخدمات، بعد أن تسببت اتفاقية التبادل الحر المبرمة سنة 1995 في فقدان 40 في المئة من النسيج الصناعي التونسي، نظرا لعدم تكافؤ المؤسسات التونسية مع نظيراتها الأوروبية، من ناحية الرسملة والتطور التكنولوجي والقدرة التنافسية”.

واقترح في المقابل: “التدرج في فتح السوق التونسية أمام المنتجات الأوروبية بمدة تمتد بين 15 إلى 20 سنة، يتم خلالها إرساء برنامج تأهيل شامل، ونقل حقيقي للتكنولوجيا إلى تونس، داعيا إلى ضرورة تعديل العلاقات الاقتصادية التونسية، عبر إرساء علاقة متكافأة مع الاتحاد الأوروربي، تراعي الواقع التونسي، وتمكن من تقليص البطالة، كما يحث الحكومة على الانفتاح على المجموعات الاقتصادية الأخرى في أفريقيا وآسيا والأمريكيتين، وقبلها المنطقتان العربية والمغاربية، ويدعوها إلى تفعيل الإجراءات الحمائية، التي تتيحها منظمة التجارة العالمية لدعم مختلف القطاعات التونسية”. 

وعلى الرغم من أن مشروع الاتفاقية لن يكون جاهزا قبل سنتين من الآن، فإنه من الضروري أن يتم التعامل معها مثل معاهدة استثنائية، ذات تأثير ضخم على الاقتصاد الوطني. ينطبق ذلك أيضا على مشروع “قانون المصالحة” للسبسي، المثير للجدل، الذي اتهمته منظمات دولية بأنه يطبع الفساد.

أيضا، يمكن أن ينطبق ذلك على مسائل خلافية كبرى تتعلق بتنزيل الهوية العربية الإسلامية في المنظومة القالنونية مثل المساواة في الإرث. 

دون هذا التحكيم الشعبي، فإن الاحتقان سيتزايد، ولن تستطيع المؤسسات القائمة المنتخبة أن تحتوي الغضب الشعبي المتنامي، خاصة من شبهة تورط الائتلاف الحاكم في الفساد، وتطبيعه والتساهل مع المتورطين فيه. 

المصدر:  “عربى21”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق