تونسدراسات

السياسة الإعلاميّة الرسمية سنة 2010 في مواجهة الأزمة (كيف تفاعلت السياسة الإعلاميّة للرئيس المخلوع مع وقائع الثورة التونسية؟)(1 من 6 )

علي عبد اللطيف اللافي:

 

تنويه :

هذه الدراسة هي مشروع كُتيب كنت أنوي طبعه وبيعه في معرض الكتاب الأخير، ولكن عوائق مادية أساسا و أخرى لوجستية وصحية أعاقت ذلك ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم )،  و أنشره في الموقع تعميما للفائدة وحتى يكون تحت سهام النقد لعلنا نتمكن من تفادي بعض الأخطاء والنقائص والتي يمكن تفاديها ان وجد طريقه للنشر مستقبلا بحول الله …

 

الحلقة الأولى

مشاهد الانتفاض الشعبي و صدمة المنظومة الحاكمة

            في أي دولة بوليسية 1، يبقى البناء قائما إلى آخر لحظة، ويغلب عليه التماسك بل و يظهر لمنظومته الداخلية المغلقة أنه قوي وأن مكوناته متماسكة و مترابطة جدا بحيث لا يظهر الأمر في صورته الحقيقة،  إلا عند سقوط الحجر الأول في المبنى و عندئذ تتداعى كل المنظومة وبرمتها للسقوط المدوي وبطريقة دراماتيكية، وطبعا كان إعلام السلطة في تونس قبل ثورة الكرامة والحرية، غارقا في رفع بعض الشعارات من مثل “المعجزة الاقتصادية التونسية” و “تونس بلد الفرح الدائم”، وما إلى ذلك من المفاهيم والشعارات التي غالطت جزء من الرأي العام الوطني وعديد الأوساط والمنظمات الدولية 2  والتي تفاجئت بسرعة انهيار النظام وملحمة جماهير الشعب الكادحة المعبرة عن مطالبها بشكل أدار رقاب كل العالم كتجسيد حي عن مشاهد الاحتجاج السلمية التي أربكت المنظومة وأساطينها الفكرية والحزبية والإعلامية مما أوقعها في صدمة تجاه شارع محتج لم تتوقع في حساباتها أنه قادر أصلا على الاحتجاج…

أ‌-   النُخب تخطأ التقدير في قراءة حقيقة الأوضاع الاجتماعية:       

        مثلت حادثة احتراق البوعزيزي يوم 17 ديسمبر 2010 تجسيدا مدويا لبداية سقوط كل المنظومة و التي لم تستوعب هول السقوط وبقت غارقة في البحث عن تفسيرات لما يحدث من تطورات والمآلات المنتظرة لما يجري في الجهات والأحياء المحيطة بالعاصمة  حتى أنها تخيلت أو هي حلمت طوال يوم 14 جانفي 2011، أن هناك مسرحية محبوكة يقودها النظام ليجمل صورته، وأن العاصفة ستمر بعد مجرد تغييرات تكتيكية وسريعة ليواصل العزف على نفس الوتيرة التي تعود العزف عليها طيلة أكثر من عقدين من حكمه للبلاد …

  ولكن مسار الأحداث كان يتجه في اتجاه آخر لم تستطع تلك النخب والحاكمة منها خاصة لا تقديره ولا استيعابه، حيث أن ما حدث مساء 17 ديسمبر 2010 لم يكن مجرد إشكال عابر تعودت المنظومة على الالتفاف عليه كما تعودت أن تفعل مرات ومرات، فبعد أن أحرق الشاب محمد البوعزيزي نفسه، نامت سيدي بوزيد ليلتها على أحزانها و في الحقيقة بداية بطولاتها وعودتها لتقود البلاد نحو إسقاط دولة الفساد في نهاية مسار الاحتجاجات، ولكن اليوم الحاسم في المشهد الاحتجاجي كان من الغد أي يوم 18 ديسمبر، فقد أفاقت النخبة من غيبوبتها وخاصة نخبة السلطة الحاكمة بكل أسلاكها الأمنية والسياسية والحزبية، كما أفاقت النخبة المعارضة أنها لم تستجب للمقولة السوسيولوجية “عندما يدخل مجتمع في أزمة يستنجد بنخبته ومثقفيه ليجدوا له الحلول”، حيث أن تلك النخب كانت مُمزقة بين الموالين المستفيدين من العطايا النوفمبرية، وبين المغترب والمسجون والمحاصر حتى في تنقلاته، وبين حبيس الايدولوجيا وحرفية أفكار لم تعد تستهوي شبابا مُعطلا ومهمشا ومقصىً عن القرار، وبالتالي استنجد الشعب بشباب يافع يوم 18 الذي صادف أيضا أنه يوم السوق الأسبوعية في سيدي بوزيد المدينة، وما يمثله من زخم عددي، فردّ الفعل وبقوة، بل وأكد لنخبة العاصمة وبعض المدن الساحلية أي النخبة المركزية، “استفيقوا” 3،بل وجه موضوعيا سؤالا إلى الأذهان “لم تستفيد النخب من محطات تاريخية، على غرار 3 جانفي 1984، وقبلها 26 جانفي 1978؟”، ولا حتى من محطات أقرب زمنيا على غرار أحداث الحوض المنجمي وأحداث بن قردان في رمضان 2010،  وبسرعة بدأت التطورات عبر ردّات الفعل؛ إذ استنجد النظام بوحدات أمنية من الولايات المجاورة منذ مساء اليوم الماضي؛ ليطمس ردّات الفعل مثلما تعوّد منذ عقود وفقا لمنطق الإخماد والترهيب والترغيب، فوقعت الصدامات العنيفة أمام الولاية وفي الأنهج والطرق المؤدية إليها، وتم اعتقال العشرات، ووقع الكرّ والفرّ على مدار اليوم، وبدأت في الليل تحركات لم تتعود عليها القوات النظامية التي بدأ بعض أفرادها يحسون ويشعرون بنهاية النظام من خلال طبيعة التطورات والأوامر، وطبيعة ردّ الفعل الشبابي على الميدان، وبالتوازي تحولت أنباء الوقائع وتفاصيلها إلى الشبكة الاجتماعية وسط بهتة النخب التي استفاقت على تطور الأوضاع والوقائع وضعف النظام رغم مغالطات إعلامه ورجاله، وبان جليا أن النخب المعارضة الراديكالية لا الموالية والمدجنة قد انتبهت سريعا، فقد تسارعت يومها بيانات حزب العمال وحركة النهضة وحزبي “التقدمي” و”التكتل” وغيرهما من التنظيمات السياسية التي كان النظام يتعمّد إقصاءها ومحاصرتها، وبدأت مواقع إخبارية ووكالات أنباء عالمية تنتبه للبلد الذي بدأ صناعة الحديث، وجعل التاريخ ينطلق في حركة جديدة نحو تحرر الشعوب من قيودها بعد تحررها من الاستعمار منذ عقود…

أما النخب الموالية، فقد بقيت على نفس سمفونية الولاء والطاعة، سواء كانت نخب الحزب الحاكم أم بعض حُزيبات صنعت للتجميل والتزويق أم جمعيات قُدّت ورُسمت على المقاس، وما راعها إلا ومن تُواليه وهو يحطُ رحاله بالمملكة العربية السعودية مساء 14 جانفي 2011 أي بعد 27 يوما فقط …4

ب‌-      المشهد بعد احتراق البوعزيزي:

           رغم أن حادثة الاحتراق يوم 17 ديسمبر 2010 قد سبقتها أحداث مشابهة في تونس بأشهر قليلة، حيث أضرم كهل النار في جسده في الشارع بمدينة المنستير، ومرّ الحدث مرورا عابرا، و في سنة 2009 قام شاب تونسي بحرق نفسه أمام القصر الرئاسي بقرطاج، وعتمت السلطة يومذاك على الخبر عبر تواطؤ إعلامي مشبوه من خلال صفحات الصحف الصادرة يوم 18 ديسمبر 2010، وبذلك مثلت لحظة سكب البوعزيزي البنزين على جسده لحظة فارقة ليس في تاريخ تونس المعاصر فقط، بل في تاريخ العرب والمسلمين جميعا الذين عادوا للتاريخ بعد أن خرجوا منه منذ سقوط غرناطة 5،

وظل اسم البوعزيزي الذي تم اختياره عالميا شخصية سنة 2011 يتردد ملء الأفواه، ولم ينقطع ذكره على الإطلاق، وشاع خبره كمفجر للثورة التونسية ليس في داخل تونس فقط، بل في كل أرجاء العالم العربي والإسلامي، وفي كثير من بقاع الأرض كانت الواقعة سببا مباشرا في تغيير وجه التاريخ، فثار الشباب أولا في تونس، ثم في مصر، ثم في كثير من الدول العربية الأخرى، واستلهم كثير من شباب العالم من الثورة التونسية روحها؛ ليعيدوا إنتاجها في عدد من البلدان، وبالتالي تحولت صرخات المحرومين إلى ما يشبه كرة الثلج التي كان حجمها يزداد كلما تدحرجت أكثر، حتى كان يوم 12 جانفي حيث وقعت المظاهرة التي ضمت عشرات الآلاف في صفاقس، ثم نزول سكان العاصمة إلى شارع بورقيبة في مظاهرة مشهودة، ومحاصرة وزارة داخلية المخلوع لها، ونعتها بـــ”الإرهابية” يوم 14 جانفي،  بل لم تغرب شمس ذلك اليوم حتى وجد حاكم تونس نفسه في الأجواء باحثا عن مكان يفرّ إليه ويختبئ فيه. الأكيد أن محمد البوعزيزي ليس كائنا فريدا ولا مخلوقا عجيبا، بل هو واحد من مئات الآلاف من المحرومين نتاج سياسات دولة الاستقلال بعهديها:

+  العهد البورقيبي ببعض إيجابياته وحيفه الاجتماعي والتنموي….

+عهد الدولة البوليسية والنوفمبرية بكل مساوئه وطبيعته البوليسية.

فالبوعزيزي شاب فتش مثل الآلاف عن فرص العمل، وهو ضمن جيش جعلتهم دولة بن علي من اليائسين من الحياة، والأكيد أنه لم يدُر بخلده أبدا أن إقدامه على الحرق سيشعل البلاد والمنطقة العربية بنيرانها، لكن هذا الذي لم يتوقعه حصل فعلا، لذلك فإن حادثته تكتسي دلالة خاصة تتجاوز شخصه وتعانق الرمزية في أقوي تجلياتها، وهو عند الله شهيد وفقا لرأي الفقهاء، فهي تندرج ضمن الاحتجاج السياسي والاجتماعي عبر إحراق النفس، والتاريخ المعاصر للبشرية في كدحها المتواصل شهد حادثتين في ستينات القرن الماضي، عادتا إلى الأذهان منذ انطلاق شرارة الثورة التونسية، الأولى في فيتنام عندما أقدم مواطن بوذي في ردّ فعل طبيعي على القهر والظلم الكاثوليكي للبوذيين، وتوبعت بحالات غير مسبوقة من الاحتراق من عشرات البوذيين، وأما الثانية، فهي في العاصمة التشيكية براغ سنة 1969 بمناسبة الاجتياح السوفياتي، ونفذها المواطن “جام باللاش”. والبوعزيزي التقى مع التاريخ ليستشهد ويقدم روحه لشعب طالما غُيب، إلا أنه انتفض ليصنع أسرع ثورة في التاريخ، وأبدع ثورة من حيث الإلهام، فقد أدارت الرقاب إليها، وكان موته واستشهاده لعنة على الحكام الذين لم يتصوروا يوما أن يحتج مُواطن فرد على حكمهم، فإذا بالبلاد شيبا وشبابا تنتفض من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، تعلن نهاية الحيف وتوقف نزيف النهب والسلب والإقصاء والتهميش، وتعيد لمناطق الداخل ذاتها ووجودها وانتماءها للوطن. وأجج البوعزيزي بذلك ثورات عربية مسترسلة أنجزت بعضها نصرها، وتتقدم الأخرى نحو النصر المنشود، وأجندا البقية قيد التنفيذ من طرف شعوب غيبها التاريخ، فإذا بها تعود إليه طامحة في لعب دورها الحضاري الذي طالما صنعته قبل قرون خلت، فابتلوا بحكام وديكتاتوريات مستحكمة نشرت الفساد والخراب وجعلت المواطنين رعايا في دولة، وخلقت شعب الدولة بديلا عن دولة الشعب…

ت – صدمة النظام و تخبط وسائل إعلامه

            رغم خطورة ما حدث وتبعاته ومآلاته المتوقعة لكل متابع دقيق، ورغم ما ترتب عن الأحداث منذ الأيام الأولى  من خسائر بشرية ومادية فان التونسيين كانوا يتابعون التفاصيل من خلال الصحف والمحطات الإذاعية والتلفزية الأجنبية لأن واعين أن إعلام بلدهم يقف يومها في صف النظام، بينما أثرت طبيعة الصدمة في أداء الإعلاميين والمؤسسات الخاصة والعامة، وهي الصدمة التي ترتب عنها تغييب كل الحقائق وتم الالتزام الحرفي بالإملاءات والتماهي مع الخطاب الرسمي  و رؤيته للوقائع والتطورات حتى ولو كذب نفس ما قاله بالأمس بشكل كلي لو تطلب الأمر ذلك، فقد سارعت صحيفة الصريح اليومية مثلا يوم السبت 18 ديسمبر 2010 إلى نشر مقالة صغيرة لا يكاد ينتبه إليها كل القراء تحت عنوان صغير حجما ومساحة وأهمية، “في سيدي بورزيد بائع متجول ينتحر أمام الناس 6،بينما كذبت الصحيفة نفسها من الغد، عبر نشر تصويب تحت عنوان “لا وجود لحالة انتحار في سيدي بوزيد” 7، ولتتلوها من الغد أي الأحد 20 ديسمبر 2010 مقالة بقلم مديرها صالح الحاجة للتدليل على مناصرة النظام والتماهي معه، “الرئيس بن علي المحامي الأول لكل التونسيين” …8

والخلاصة أنه كلما كانت مشاهد الاحتجاج تمتد من جهة إلى أخرى من شكل إلى آخر أكثر نسقية ووسط متابعة إعلامية عربية و عالمية وبطرق متغيرة ومغايرة وبالتماهي الذي كانت فيه الشبكات الاجتماعية في أوجها في اكتساب العقول والقلوب للمرتادين لتلك الشبكات، وفي الآن نفسه زاد ارتباك النظام وصدمته كمنظومة حكم وكمنظومة دعاية لمقولاته السابقة والتي تحولت في ظرف الأيام الأولى للاحتجاجات إلى منظومة عاجزة على المسايرة والقدرة على الاحتواء والإلتفاف مثلما فعلت طوال أكثر من عقدين، مما زاد الأمر تعقيدا لدى النظام أن الشعارات المرفوعة منذ اليوم الأول كانت صادمة لتركيبته اذ تم استهداف حاشية الرئيس وحاشيته و أصهاره وحزبه في ولاية يعد المنخرطون في هذا الأخير الأكثر ارتفاعا ….

ولكن السؤال المطروح هو كيف تجسد الفشل في مجاراة نسق الأحداث المتسارع وما تفسير حالة الارتباك والاضطراب ، بل وكيف عجز الخطاب السياسي للسلطة عن التعبئة وكيف تم التعامل في مؤسسة الرئاسة مع مضمون الخطابات الأخيرة للرئيس  وهل كانت هناك رغبة حقيقية في التغيير وإطلاق حرية التعبير أم أن المناورة كانت سيدة الخيارات لامتصاص الأزمة؟، وما هو دور شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الشعبي أو ما سماه البعض بإعلام المواطنة وهل سقط النظام ومنظومته الاستشارية في تكريس منطق سياسة رد الفعل وغياب المبادرة الإعلاميّة الفعلية  والحاسمة لتتحول في الأخير لسياسة إعلامية عاجزة وهل كانت المفصل الرئيسي لانهيار النظام السياسي وكل دولته البوليسية؟

  يتبع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- المديني ( توفيق) ، الدولة البوليسية في تونس المعاصرة – المركز العربي الجديد للطباعة والنشر.

2- بن يوسف ( الطاهر) ، الإعلام التونسي من خدمة النظام إلى خدمة الأجندات –  مطبعة فن الطباعة أكتوبر 2013.

3-بشارة (عزمي) ، الثورة التونسية المجيدة ، بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها ، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات ، ط1 جانفي 2012 ص 212.

4-اللافي ( علي ) ، كيف كان يوم 18 ديسمبر يوما مفصليا ، موقع شمال افريقيا للدراسات والتحاليل.

5-اللافي (علي) ، “البوعزيزي احترق ليعود العرب والمسلمون للتاريخ” ، ركن “حديث الثورة”،  نشرية الخبر الإسلامي،  العدد 1 أكتوبر 2012.

6-يومية الصريح، يوم 18 – 12- 2010 ص 04 .

7- يومية الصريح، يوم 19 – 12- 2010 ص 05.

8- يومية الصريح، يوم 20 – 12- 2010 ص 07.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق