تحاليل

داعش.. من هي داعش؟

حسن بن حسن: (*)

كيان غامض وحراسة مشدّدة للغموض الذي يلف هذا الكيان؛ لا أحد يعرف من هي القيادات العسكرية الكبرى لداعش، كل قيادات الفصائل المسلحة على كثرتها وتنوعها في سوريا والعراق معروفة ومرصودة إلا قيادات داعش. البغدادي والمفتون والذين يظهرون في المشهد ليسوا سوى ديكور خارجيّ للتّعمية. السّلطة الحقيقية بيد آخرين. من هم؟ حين تفاوضت بعض الفصائل مع قيادات عسكرية من داعش فوجئوا بأنّ البغدادي ومن حوله لا وجود ولا أثر لهم في المفاوضات والقرار وأن الذين يتفاوضون معهم ضباط كبار بعثيّون من الجيش العراقي المنحل، هؤلاء لا يظهرون أبدًا في المشهد ولا تتحدّث وسائل الإعلام عن أحدهم إلا إذا قتل. القيادة الفعلية لداعش فكرًا وتخطيطًا عسكريّا ودعاية هم ضباط بعثيّون لائكيّون، ومع ذلك نادرًا ما تشير وسائل الإعلام الغربية أو دوائرهم السّياسية إلى ذلك.

كيان غامض: 

هناك إصرار على إظهار داعش في مظهر إسلاميّ وعلى حجب القصة الحقيقية لتشكيلها، وعلى إبقاء قيادتها الفعلية وراء الأضواء، لماذا؟ لأن داعش لا تؤدي الوظائف المنوطة بها إلا في هذا الغموض. حراسة الغموض شرط للفاعليّة التّدميرية لهذا الكيان الشّيطاني وشرط، وهو الأهم لصناعة صورة همجيّة ظلامية للإسلام والمسلمين يعسر تصحيحها لعقود قادمة. سئل قائد القوات الأمريكية أمام الكونجرس في سبتمبر عام 2014 عن حقيقة داعش فقال إنه لا يعرف وإنهم لم يصلوا بعد إلى العناصر الضّرورية التي تمكّنهم من الفهم، من يصدّق ذلك؟

توجيه الاتهام نحو الوجهة الخطأ شرط آخر لفاعلية هذا الكيان الإرهابي؛
حين تكون هناك جريمة تكون أفضل طريقة للتّغطية على المجرم الحقيقي وفسح الطريق أمامه لارتكاب جرائم أخرى هي توجيه الاتهام نحو وجهة خطأ. وحين تكون الجريمة ظاهرة جماعيّة مركّبة ومعقدة تكون أفضل طريقة لضمان استمرارها هي إبقاء أسبابها العميقة محتجبة وتحويل وجهة النظر نحو أسباب وهميّة ومزيّفة أو تلبيس الجريمة للقوّة المستهدفة بها نفسها.

وحين تعمل طائفة من المرضى نفسيّا في تونس عقب كل جريمة إرهابية على صرف النظر عن التناول الجدّي العميق لأسباب الإرهاب وتسارعُ مسعورةً لإلصاق التّهمة بحركة النهضة وللاستثمار السّياسي الرّخيص في جراح الوطن فليس لذلك إلا معنى واحد: التّعمية الإراديّة على الأسباب الحقيقيّة للجريمة والانتشاء باستمرارها وتوهّم الاستفادة السّياسية منها.

أمران آخران يحجبان حقيقة هذا الكيان ويرغمان النّظر على التركيز على الوجهة الخطأ ويحولان دون الأسئلة الجوهرية: الصفة الإسلامية المزعومة المجسّدة في شكل قطع سلوكي ومظهري حادّ مع المجتمع، وبشاعة القتل ووحشيته والاستخفاف الكبير بالحرمات والدماء.
من هي داعش؟

سنحاول تحديد هوية هذا الكيان عبر الإجابة عن السؤال: ما هي الوظائف التي تؤدّيها داعش في المنطقة؟ وإلى من توجّه سلاحها؟ أوثق طريق للتّحديد الدقيق لهوية كيان مسلح هو معرفة الوظائف الفعلية التي يؤدّيها وإلى من يوجه سلاحه؟

ما هي الوظائف التي تؤدّيها داعش في المنطقة؟

داعش تؤدي مجموعة من الوظائف كلها تصب في مخططات أعداء لعروبة والإسلام لإظهار الإسلام على المسرح العالمي كجامعة للرذائل، جامعة الرّذائل تتجسد اليوم في كيان دموي مقيت لم يحلم خصوم المسلمين قط بمثله.

– داعش لأوّل مرّة في التاريخ الحديث تفجر الإسلام السّني من الدّاخل تفجيرًا حقيقيّا، اشتغل الأمريكان والصهاينة مبكّرًا على تفجير الجرح السّني الشيعي و نجحوا في ذلك، وأما تفجير الإسلام السّني نفسه من الداخل وبمسوغات دينية مزيفة فكان يبدو بعيد المنال، وهو اليوم حاصل.

– داعش جسّدت كل التّهم التي حاولت طائفة من المستشرقين إلصاقها بالإسلام على مدى قرون في وجود حيّ ملموس: الوحشيّة وتوسع الإسلام بالسيف، الإكراه في الدين، اضطهاد المرأة، الاسترقاق، معاداة الفن والثّقافة والحضارة، انتهاك الحرمات، استباحة الدّم الحرام، صناعة نمط اجتماع قروسطي متخلف مفزع لا شيء فيه يتحرّك الخ… كل ذلك أصبح واقعا حيّا ملموسًا.

 مهزلة أفكار الخلافة والدّولة الإسلامية وتحويلها إلى نكتة ومحوها من دائرة الأفكار الجادة الجديرة بالاشتغال المعرفي عليها، وإصابة فكرة الدّولة الإسلامية في مقتل.
–  داعش اليوم تهدم السقف الوطني ومضلّة المشترك الوطني في كل المناطق التي توسّعت فيها، تمزّق أوصال الأوطان وتستهدف الأواصر الاجتماعية وتزرع الثارات والأحقاد وتكفر من يعمل على قيمة المواطنة وبناء سقف يظلّ كل أبناء الوطن، وتعتبر الدّيمقراطية وقيمها نواقض للإيمان تبيح دماء المقتنعين بها المتطلعين إليها.

–  داعش أنشئت لتصادر حلم الرّبيع العربي بالحرّية والدّيمقراطية و لملء الفراغات الفكريّة للرّبيع العربي بهوس إيديولوجي ليس له نظير في التّاريخ إلاذ هوس الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى الذي كانت محاكم التفتيش إحدى ثماره. داعش يُراد لها أن تكون رصاصة قاتلةً للرّبيع العربي.

–  داعش تفعّل المخزونات الدّوغمائية للغرب تجاه الإسلام وتفعّل الذاكرة التّاريخية المريضة وتقطع الطّريق أمام الاندماج الايجابي للمسلمين في الغرب الذي قطع أشواطًا، وتحوّلُ العرب والمسلمين في أوروبا إلى مُواطنين من درجة دنيا يلتصقون بالجدران.

داعش تحجب الأزمة الفلسفيّة والمعنويّة التي يعيشها الغرب منذ النّصف الثاني من القرن 19 والاحتياجات الدّلالية المصيريّة التي يتوقف عليها مصير الحداثة وتثبّت السّياسي الغربي بيسر شديد في موقع القيادة الأخلاقية والحضارية للعالم. فإذا كانت داعش إحدى تعبيرات الإسلام فهل يمكن للمسلمين أن يمدّوا أعناقهم للمنافسة الحضارية؟ والغرب المعتل المريض الذي أشعل أبشع الحروب في التاريخ وأنتج الأنظمة التوتاليتارية وحرس الأنظمة الاستبداديّة في كل مكان، سيتوهّج مرة أخرى كمشروع وحيد للعالم.

– داعش توجه سلاحها في سوريا نحو الفصائل المقاومة للنظام السّوري، وتتوسع على حسابها ولم تشتبك مع النظام إلا اشتباكات محدودة وعارضة، بل غالبا ما كان يتمّ تعاون عسكري ميداني ضدّ فصائل المقاومة.

داعش تهجّر أهل السنة في العراق وسوريا تهجيرًا جماعيا كثيفا، وتفرّغ مناطقهم تمهيدا لنوع من التقسيم، ويبدو أن إحدى وظائفها الرّئيسية إعداد المربع الجغرافي الفقير الذي سيحشر فيه أهل السنة.

– داعش لم توجه سلاحها أبدًا نحو مناطق القوة الشّيعية ولا العلويّة ولا الكردية الحقيقيّة. محارقها الكبرى كلها في المناطق السّنية وضدّ المقاومة الشّريفة.
–  داعش لم توجّه رصاصة واحدة إلى رأس الأفعى، أي الكيان الصهيوني مع أنه على مرمى حجر ومع أن داعش تمتلك ترسانة من الأسلحة لا تمتلكها بعض الجيوش العربية، بل إن داعش تهدّد وتتوعّد حركة حماس وقادتها وتضعهم على قائمة أهدافها. داعش تلعب من النّاحية الموضوعيّة والفعليّة دور كلب الحراسة للكيان الصهيوني.
هذه بعض الوظائف التي تلعبها داعش وتبدّد الغموض حول حقيقة وهوية هذا الكيان الجهنّمي.
غير أنّ هذا كله ينبغي أن لا يغفلنا عن السؤال: كيف أصبح وجود هذا الكيان ممكنًا؟ كيف نجح في تأطير عشرات الآلاف من الشّباب المغرّر بهم والزّج بهم في أكبر عمل تدمير ذاتي شهدته الأمة في تاريخها؟

المصدر : ”الضمير”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) أكاديمي تونسي مقيم في قطر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق