تحاليلتونس

السّياسة الخارجيّة التونسيّة و التدخّل العسكري المحتمل في ليبيا

محمد المؤدب: 

لقد قيل و كتب الكثير في شأن موقف تونس من تدخّل عسكري قد تشنّه بلدان أجنبيّة على الخلايا الإرهابيّة بالشقيقة ليبيا و على رأسها تلك التابعة لتنظيم الدولة الإسلاميّة أو الموالية لها. و لم تكن مواقف السياسة الخارجيّة التونسيّة تجاه ذلك الاحتمال بالوضوح و الانسجام المطلوب ليبدّد الغموض الحاصل لدى المواطن التونسي و كذلك الليبي و حتّى لدى العديد من السياسيّين و متابعي الشأن العام بالمنطقة. و لقد زاد في تذبذب السياسة الخارجيّة التونسيّة و تخلّيها عن ثوابتها التاريخيّة إلى حدّ التناقض، مع الإعلان عن موقفها من تصنيف “حزب الله” تنظيما إرهابيّا، إثر اجتماعي وزراء الدّاخليّة ثمّ الخارجيّة العرب و تناقضه مع التّصريحات الرسميّة و التي جاء آخرها على لسان رئيس الجمهوريّة يوم 30 مارس المنقضي في حواره مع صحفي عدد من الإذاعات، حين وصف حزب الله “بالوطني و المقاوم لاسترجاع الأراضي اللبنانيّة من إسرائيل و نحن ندعمه في ذلك”!!! كان على القائمين على السّياسة الخارجيّة توضيح الموقف التونسي تجاه الوضع في ليبيا عامّة و بالأخصّ من التدخّل العسكري الأجنبي المحتمل، مع التقيّد بثوابت السّياسة الخارجيّة التونسيّة باعتبار قدرتها على ضمان مصالح البلاد و تناسبها مع إمكانيّاتها و خياراتها الكبرى. لذلك، و قبل التطرّق لما يمكن أن يكون عليه موقف تونس من التدخّل العسكري الأجنبي المحتمل في ليبيا، رأيت من المفيد التّذكير باقتضاب، بتلك الثّوابت التي تبدو في هذه الفترة غائبة عن القائمين على مصالح الدّولة.

لقد ارتكزت السياسة الخارجيّة التونسيّة، منذ الاستقلال، على المبادئ الثّابتة التاليّة و التي لازالت صالحة لأيّامنا هذه :

1.علويّة المصلحة الوطنيّة : من البديهي أن يكون المقياس الأوّل و الرئيسي في ضبط أيّ موقف للسّياسة الخارجيّة للبلاد هو مدى ضمانه للمصالح الوطنيّة و حمايتها، طبعا على المدى القريب و خاصّة البعيد. هذا مع الإشارة إلى أنّ تصدّر مبدإ علويّة المصالح الوطنيّة كلّ الاعتبارات الأخرى، يحدّد في الواقع السّياسات الخارجيّة لكلّ بلدان العالم، و هو ما يفسّر عدم تردّد الدّول في الحياد، و لو لحين، عن مبادئ أخرى مبدئيّة و نبيلة كانت من أشدّ المدافعين عنها. و على ساستنا توخّي ذلك التمشّي البراغماتي في تحديد موقف بلادنا من التدخّل العسكري الأجنبي المحتمل في الشقيقة ليبيا، إذ على سبيل المثال لا أعتقد أنّ هناك من يعترض على التدخّل الجوّي و قصف المجموعة الداعشيّة، في فيفري

الفارط بصبراطة، أي على أقلّ من 100 كلم شرق حدودنا. و من لم يستقرّ موقفه بعد إزاء تلك العمليّة، عليه محاولة استقراء ما حصل لاحقا في بنقردان في 7 مارس و علاقته بالوضع السائد في ليبيا و بمخطّطات الدواعش الذين تمّ قصفهم تجاه بلادنا بالتحديد.

2.عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة للغير ( للبلدان الأخرى ) : يعني ذلك في قضيّة الحال، عدم اصطفاف تونس مع أيّ من الأطرف الّليبيّة ضدّ الأطراف اللّيبيّة الأخرى بل على تونس السعي، في حدود الإمكان، للتوسّط بين الجهات المتنازعة لتقريب وجهات نظرها و بلورة حلّ يحظى بموافقة جلّ الفرقاء و يخدم مصالح ليبيا و يبعدها عن الاقتتال و الدمار. و بطبيعة الحال، يبقى للّيبيّين حقّ اختيار الأطر السياسيّة الّتي يعتبرونها مناسبة و من يرونه أجدر بإدارة شؤونهم و غيرها من الخيارات، على أن تلقى كلّ خيارات الشعب الّليبي من الدّولة و الشعب التونسيّين لا القبول و الاعتراف فقط، بل كلّ الدعم السياسي و المساندة و إن طلب منها كذلك، المساعدة على تجسيدها في الواقع.

و في قضيّة الحال يبقى، مبدئيّا، للّيبيّين حرّية قرار طلب المساعدة مهما كان نوعها، حتّى العسكريّة، ممّن يرغبون فيه للتخلّص من الإرهاب. و لا يمكن لتونس مبدئيّا و عمليّا إلاّ الاصطفاف إلى جانب خيارات ليبيا، دولة و شعبا. إلاّ أنّه بحكم التأثيرات المباشرة لأيّ تدخّل عسكري أجنبي في ليبيا على بلادنا، خاصّة إذا تواصل التدخّل لفترة طويلة و شمل اجتياحا بريّا على نطاق واسع، فلن تعترض تونس على الخيارات الليبيّة إلاّ في حدود انعكاسات ذلك التدخّل سلبا على بلادنا. و هذا موقف، على الجميع، تونسيّين و ليبيّين و حتّى الدول المتدخّلة عسكريّا ذاتها، تفهّمه و أخذه بعين الاعتبار. و يبقى على الدبلوماسيّة التونسيّة بيانه للجهات المعنيّة بوضوح مع التواجد و المساهمة في دوائر المحادثات للتّأثير على مجرياتها و على القرارات النهائيّة حتّى تكون هذه في خدمة المصالح الوطنيّة. فيبقى الشّأن شأنا ليبيّا داخليّا لا يجوز لتونس التدخّل فيه ما لم يمسّ بالمصالح التونسيّة الحيويّة و بأمنها.

3.التمسّك بالشرعيّة الدوليّة: يقصد بالشرعيّة الدوليّة قرارات المنظمّات الدوليّة التي تنتمي لها تونس و على رأسها منظمة الأمم المتّحدة. و بالنسبة لمسألة التدخّل العسكري الأجنبي في ليبيا، فيستوجب أيضا موافقة السلطات اللّيبيّة المعترف بها دوليّا على القرار المتّخذ، مع أنّ هذه النقطة الأخيرة ذاتها، السلطات اللّيبيّة المعترف بها دوليّا، لازالت بصدد البحث عن اعتراف داخلي ليبي. كما يجدر التذكير بأنّ قرار مجلس الأمن الدولي عدد 1973 الصادر في مارس 2011 لازال سائر المفعول و يمكن بموجبه للدول الغربيّة التدخّل عسكريّا في ليبيا، حال طلب ذلك من السّلطات الّليبيّة المعترف بها. و كان صدر ذلك القرار إثر طلب من السلطات الليبيّة المعترف بها دوليّا آنذاك، كما كان حظي بدعم

عدد من المنظمات الدوليّة الأخرى، كمنظمة المؤتمر الإسلامي، الجامعة العربيّة و الاتحاد الإفريقي. و بذلك لا يسع تونس، في تلك الحالة، إلاّ التفاعل إيجابيّا مع القرارات الأمميّة و الرغبة الليبيّة، مع السعي دائما للحفاظ على المصالح الوطنيّة.

4. التشبّث بالطرق الدبلوماسيّة و السلميّة لحلّ النّزاعات: لاعتبارات و اختيارات مبدئيّة و سياسيّة و براغماتيّة تمليها إمكانات البلاد و أولويّاتها، دأبت تونس على اعتماد الدبلوماسيّة و الحوار و الطرق السّلميّة لحلّ النّزاعات. و ذلك ما ميّز السّياسة الخارجيّة التونسيّة طيلة الستّين سنة الماضيّة و أضفى عليها درجة عاليّة من المصداقيّة و بوّأ البلاد مكانة محترمة بين الأمم. و قد يتطلّب التشبّث بالطرق السلميّة لفضّ النزاعات، ألاّ تحشر البلاد نفسها في أيّ تّحالفات عسكريّة، إذ يحدّ ذلك آليّا من إمكانيّات العمل الدبلوماسي و لعب دور الوسيط. و للتّذكير، فباستثناء انضمامها المفاجئ مؤخّرا، للتحالف الدّولي ضدّ داعش و للتّحالف الإسلامي ضدّ الارهاب، لم يسبق لتونس الانضمام لأيّ حلف عسكري، و لم يمنعها ذلك من بناء علاقات تعاون عسكري وثيقة مع الدّول الصديقة كلّما كان ذلك يخدم المصلحة الوطنيّة.

ذلك باقتضاب، تذكير بالثوابت التي حدّدت منذ سنين السياسة الخارجيّة التونسيّة و التي كانت وراء نجاحاتها.

أمّا في قضيّة الحال، كان يجب أوّلا الفصل بين الخلافات الليبيّة-اللّيبيّة الدّاخليّة من جهة و التي على تونس، كما سبق بيانه، التقيّد إزاءها بمبدإ “عدم التدخّل في شؤون الغير”، و بين مسألة الحرب على الإرهاب التي تعني أمن تونس بصفة مباشرة، من جهة ثانيّة. ففي الحالة الثانيّة، الحرب على الإرهاب، يبلغ الخيار السّلمي حدوده، إذ فرضت هذه الحرب على البلاد فرضا من طرف تنظيمات هي لا تؤمن أصلا لا بالدّول القائمة و لا بالمنظومة الدوليّة و لا بقواعد العمل الدبلوماسي، فهي تقتصر على أبشع طرق التقتيل و التدمير كمنهج تعامل مع كلّ من يختلف معها. و بذلك تنحصر خيارات التعامل مع أولائك الإرهابيّين في استعمال القوّة للقضاء عليهم بالمعنى العسكري للكلمة و لا شيء غير ذلك، فحتّى القبض على بعضهم أحياء، و رغم إيجابيّته من الناحيّة الإستعلاماتيّة، يثير جدلا قانونيّا واسعا حول صفتهم و أطر التعامل معهم. و لم يبقى لتونس في التّعامل مع مسألة الحرب على الإرهاب، سوى اعتبارها حربا مفروضة عليها من كيانات إرهابيّة تهدّد كيانها و أمنها بصفة مباشرة، أمّا انتشار عدد هامّ من تلك التنظيمات و انطلاقها من الأراضي الليبيّة، لا يجعل المسألة شأنا ليبيّا داخليّا لا يجوز التدخّل فيه، بل هو شأن تونسيّ بالأساس، يستوجب تعاونا دوليّا، بدءا مع الشقيقة ليبيا لمحاربته و على الإخوة الليبييّن تفهّم تحرّكات تونس من هذا المنطلق.

فبالنسبة للحالة الليبيّة عامّة و التدخّل العسكري الأجنبي المحتمل ضدّ الجماعات الإرهابيّة بصفة خاصّة، و اعتمادا على الثّوابت المشار إليها أعلاه ، يمكن للموقف التونسيّ أن يتبلور بأكثر وضوح كالآتي:

* تونس ليست في نزاع و لا حرب لا ضدّ الدّولة الّليّبيّة و لا ضدّ الشعب اللّيبي،

* إلاّ أنّها، تونس، في حرب مفروضة عليها ضدّ الإرهاب و بالتالي، من حقّها الدّفاع عن نفسها و هي فعلا تشنّ حربا حقيقيّة على الجماعات الإرهابيّة مهما اختلفت تسميّاتها و مشاربها و أينما تواجدت، أي حتّى تلك التي تهدّد أمنها انطلاقا من القطر اللّيبي،

* فحرب تونس هي حرب ضدّ الإرهاب و لا ضدّ أيّ طرف أو جهة من الشّعب الليبي. و من الناحيّة العمليّة، فهي مستعدّة للتعاون مع أيّ حكومة ليبيّة، معترف بها في الداخل و دوليّا، ضدّ الإرهاب باعتباره عدوّا مشتركا. و من الطبيعي أن تسعى تونس للقضاء على الخلايا الإرهابية المتحصّنة كذلك بالتّراب الليبي، طبعا في أطر الشرعيّة الدوليّة. فلا أعتقد أنّ هناك ليبيّا واحدا يعترض على عمليّة عسكريّة مثيلة للّتي حصلت في صبراطه و القضاء على الدّواعش و هم بصدد التخطّيط لتنفيذ عمليّاتهم البشعة، على الأرجح، على التراب التونسي و إن لم يكن كذلك فعلى التراب الليبي،

* و أخيرا و بالنسبة للتدخّل العسكري الأجنبي المحتمل في ليبيا، فلا يمكن لتونس، إلاّ أن تكون ضدّ أيّ تدخّل أجنبي ضدّ ليبيا، شعبا و أرضا و ممتلكات، لكن لا يمكنها أن تعترض على أيّ عمل عسكري يتمّ بموافقة السلطات الليبيّة و في إطار الشرعيّة الدوليّة، شريطة أن لا تتعدّى أهدافه، القضاء على التنظيمات الإرهابيّة مصدر تهديد مباشر لأمن تونس.

لم يعد يخفى على أحد لا من التونسيّين و لا من اللّيبييّن أنّ أمن أيّ من كلا البلدين مرتبط كلّ الإرتباط بأمن البلد الثّاني و كذلك الشأن بخصوص استقرارهما و ازدهارهما. ذلك ليس بحكم الجوار الجغرافي فقط بل كذلك بحكم الروابط التاريخيّة الاجتماعية لمئات الآلاف من العائلات المتصاهرة و لموجات تنقّل مواطنيهما في الإتّجاهين، بدءا من التي حصلت في اتجاه تونس زمن الاستعمار الايطالي لليبيا، وصولا للجوء أكثر من مليون ليبي لتونس خلال ثورة 2011 الليبيّة، و لازال يعيش مئات الآلاف منهم من مختلف المشارب السياسيّة بيننا إلى هذه اللحظة، علاوة على حجم المصالح التجاريّة المشتركة. ذلك مع التّأكيد على غياب أيّ نزاع ترابي أو حدودي أو غيره بين البلدين، حيث حسم آخرها، مسألة تحديد الجرف القارّي، بالاحتكام لمحكمة العدل الدّوليّة في أواخر سبعينات القرن الفارط. و بذلك، على الإخوة اللّيبيّين الإقتناع التّام و النّهائي بأنّ تونس ليست في حرب و لا حتّى في مجرّد نزاع مع الدّولة الّليبيّة أو مع اللّيبييّن، إلاّ أنّها فعلا في حرب مفروضة عليها من جماعات إرهابيّة يخطّط العديد منها في هذه الفترة بالذات للإعتداء على تونس انطلاقا من التراب الليبي و من حقّها الدّفاع عن نفسها. ذلك علاوة على أنّ الإرهاب اليوم يشكّل

عدوّا مشتركا لكلّ من ليبيا و تونس و عليهما الإسراع بالتنسيق بينهما للقضاء عليه بكلّ السّبل المتاحة، نعم حتّى بالتعاون العسكري مع دول تخوض نفس الحرب. و إن رأت الشقيقة ليبيا دعوة المجتمع الدولي لمساعدتها عسكريّا في إطار الشرعيّة الدوليّة للتخلّص من ذلك العدوّ، فلا أرى مبرّرا لتونس ألاّ تؤيّد ذلك الخيار، مرّة أخرى على أن لا يستهدف التدخّل العسكري الأجنبي ليبيا دولة و شعبا.

و بصفة عامّة، على الدّولة التونسيّة إضفاء المزيد من الانسجام على مواقف سياستها الخارجيّة الّتي تميّزت في هذه الفترة بالتّذبذب و الغموض، حتّى يكون كلّ الفرقاء الليبيّون على بيّنة منها سعيا للحيلولة دون زرع الفتنة بين الشعبين التونسي و اللّيبي و المساس بمصالحهما الحيويّة، سواء العاجلة أو الآجلة.

– حفظ الله تونس –

المصدر: ”مغرب نيوز”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق