تحاليلتونس

العناصر التنفيذية لداعش: مجرمون تائهون

من الشعانبي إلى بروكسال مرورا بالرقة وسرت ينتشر “جيش” داعش. سواء في سرايا نظامية أو خلايا نائمة وعنقودية، وتشكيلات “الذئاب المنفردة” يبرز “بروفيل” محددا اعترضنا بوضوح في دراسة “السلفية الجهادية” بين سنتي 2012 و2014 في إطار المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية. ما يمكن أن نطلق عليهم “عوام” التنظيم وعناصره التنفيذية، “جنوده”، يتميزون بخصائص محددة وهي “المجرم التائه”، ويتمثل ذلك على وجه الخصوص في ثقافة دينية ضعيفة وشخصية هشة سريعة التوتر والانتقال السريع من إجرام الحق العام إلى إجرام الإرهاب. 
خالد البكراوي أحد المتهمين بتفجيرات هذا الأسبوع في بروكسال لم يعرف في سجلات الأمن البلجيكي ارتباطه بأي مجموعات دينية متشددة. وحسب وكالة الأنباء البلجيكية “بيلجا” أنه كان حكم على خالد بالسجن خمس سنوات عام 2011 لإدانته بسرقة سيارات، وذلك بعد القبض عليه وبحوزته أسلحة كلاشينكوف. ونقلت وكالات الأنباء معطيات مماثلة عن شقيقه إبراهيم، الذي حكم عليه في 2010 بالسجن تسع سنوات لإطلاقه النار على شرطيين من رشاش بعد عملية سطو. وقد أطلق سراحه بشروط في 2014. صالح عبد السلام وهو من أهم عناصر “خلية بروكسال” كان معروفا باستهلاكه للمخدرات والكحول، ونشرت إحدى المجلات الفرنسية تردده على حانات الشاذين الجنسيين. 
عدد من المتورطين في الهجمات الإرهابية في  بن قردان مؤخرا كانوا ينشطون في شبكات هامشية للتهريب. وينطبق ذلك مثلا على بعض العناصر التي تنتمي لبن قردان مثل مفتاح “مانيطة” وأيضا محمد الكردي، الذي كان يتخصص مع أخيه في تهريب المشروبات الكحولية. 
مراد الغرسلي الذي أصبح أهم قيادي تونسي في “كتيبة عقبة بن نافع” قبل مقتله قبل عام، كان ناشطا في شبكة عالية للتهريب. وكنت كتبت عنه منذ فترة: “من عائلة تبدو محدودة الإمكانات، واشتغل بعض أفرادها في التهريب بين تونس والجزائر. التهريب أو “الكونترا” مثلما تعرف في المنطقة هي أحد أهم المناشط الاقتصادية فيها، في سياق التهميش السائد في القصرين منذ عقود، وتزايد دور الاقتصاد الموازي، ومن ثم شبكات التهريب، على هامش النظام الكليبتوقراطي الذي سيطرت على مفاصله العائلات النافذة للرئيس المخلوع. الغرسلي الذي انقطع، بشكل مبكر، عن الدراسة عمل أيضا في التهريب، وبقي يتردد بين تونس والجزائر، ويبدو أنه نشط في تهريب السلع العادية، ولكن، أيضا مادة “الحشيش” (الزطلة). وفي هذا السياق، وضمن ظروف غامضة، يبدو أنه تعرض للإيقاف. وعموما، بدا عليه تغير واضح في الفترة القليلة، مباشرة قبل الثورة، حيث تغير سلوكه، وأصبح يظهر تدينا واضحا. وهناك من يشير هنا إلى أن تردده على الجزائر وشبكات التهريب بين ضفتي الحدود، وضعه على الأرجح، في تماس مع عناصر منتمية لتنظيم “القاعدة” التي استقطبته حينها.” 
وهذا يؤكد “بروفيل” الإرهابي التنفيذي (لا أتحدث هنا عن الداعية المنظر) الرائج أي تورط سابق في جرائم حق عام وثقافة دينية ضعيفة، يتم على أساسها الانتقال السريع بذريعة “التوبة” إلى التطرف ثم الإرهاب. في الحالة التونسية هناك شهادات أن انتداب عدد من المنتمين إلى هذه المجموعات لا يتم في المساجد، بل في جلسات خمرية حيث يتم استهداف هذه الشريحة الهشة نفسيا من الشباب. 
الباحث الشاب ماهر الزغلامي قام ببحث في كتاب “السلفية الجهادية في تونس: الواقع والمآلات” (متوفرة مجانا على الإنترنت)، التي قام بها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية (2014) حول الفروق بين مختلف مستويات المنتمين إلى هذه المجموعات بين الداعية و”العوام” والعمر الافتراضي للأخير. ومن ضمن ما يقوله الزغلامي فيما يخص “عوام السلفية” وهم الطرف المعني أساسا بهذا المقال: ” أنّ صف العوام من السلفية باعتباره الصف الأعلى كثافة ضمن الظاهرة في تونس يتميز بعدة خصوصيات، منها أن كثافته كثافة كمية فقط لا نوعية؛ بمعنى أنها غير قادرة على إنتاج نوع من التركز أو التكتل التنظيمي لكثير من الاعتبارات منها: عدم التمكن أو حتى الاطلاع على النصوص المؤسسة للفكر السلفي الجهادي.” يستنتج الزغلامي أيضا سرعة الالتحاق بهذا التيار نسبيا مقابل سرعة المغادرة، مما يعكس الشخصية الهشة التي نتحدث عنها حيث إن: “العمر الافتراضي للسلفي الجهادي العامي التونسي -أي عمر الالتزام بالممارسة السلوكية السلفية- لا يعدو أن يفوق 4 سنوات بحسب ما لاحظناه.” 
في بحث آخر في الكتاب ذاته يركز على التركيبة النفسية للمنتمين للتيار، يستخلص الباحث العربي النفاتي، من خلال دراسة لعدد من العينات، أنهم يتميزون بشخصية “عصابية” ويعرفها كالتالي: “هناك فرق بين العصاب والمرض العصبي، حيث إن المرض العصبي اضطراب جسمي ينشأ عن تلف عضوي، يصيب الجهاز العصبي مثل الشلل النصفي والصرع، ويصنّف العصاب إلى: القلق، وتوهّم المرض، والوهن النفسي، والمخاوف، والهستيريا، وعُصاب الوسواس والقهر، والاكتئاب التفاعلي، والتفكّك.” ويضيف النفاتي أن من أسباب ذلك: “مشكلات الحياة، وخاصّة المشكلات والصدمات التي تعمّقت جذورها منذ الطفولة المبكّرة… البيئة المنزليّة العُصابيّة والعدوى النفسيّة بالعصاب… اضطراب التفكير وبساطة الفهم، وعدم القدرة على الأداء الوظيفي الكامل، ونقص الإنجاز.” ومن المثير أن هذه الأعراض ذاتها يمكن أن تنطبق على مجرمي الحق العام، خاصة في الجرائم المتميزة بالعنف وذات “الطابع الأخلاقي”. 
لا يعني هذا أن “جنود الدولة” قاموا بالضرورة قبل الالتحاق بداعش بأعمال إجرامية، ولكن يعني أن البروفيل الأساسي المميز لهم، أنهم إما قاموا بأعمال إجرامية أو معرضون للقيام بها وأنهم في كل الأحوال، يتميزون بشخصية متوترة سهلة الانتقال والتحول من النقيض إلى النقيض. وهذا تحديدا المطلوب في العناصر التنفيذية لداعش، أي عدم التكفير وتأطيرهم لتفريغ التوتر في أقصى حالاته؛ أي الانتحار المخلف للجريمة أي قتل الآخرين. بهذا المعنى نحن بصدد “مجرمين تائهين” مهما اختلفات البيئة الخصوصية لهم سواء في السياق العربي أو الغربي. 
المصدر:“عربى21”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق