تحاليلتونس

بنـقردان.. القصّة الملحمة ونهاية التوحش

محمّد الرقــــــاد:(1)

 

لقد أراد داعش ألا يستيقظ أهل بنقردان في ذلك اليوم إلا وقد تغيّر الوضع، وقد عمّت الفوضى الخلاقة في بلاد حسبوا أنّها هشة رخوة تسهل السيطرة عليها. فتنقاد إليهم رقاب ساكنيها إذا نشروا بينهم القتل والرعب. لقد أرادوها أن تكون موطأ قدم لهم ينطلقون منه في تنفيذ مخططهم الجهنّمي بعد القضاء على كل مخالف أو مدافع عن وطنه وعرضه، لكن في بنقردان ما كل ما يتمنّى داعش يدركه، إذ قابلهم العسكريون والأمنيون ومن التحق بهم من المواطنين بصمود أسطوريّ وبأداء عسكريّ متميّز فانقلب السحر على الساحر وطلعت شمس المدينة مبشرة بأن فوق هذه الأرض شعب حرّ أبيّ جدير بأن يلقب بشعب الجبّارين هو لا يقبل الضيم أو الدنيّة، يقاوم وينتصر فتندحر كل المخططات السالبة لحريّته على تخوم أرضه… تنشأ الملحمة وتسقط أقنعة الشرّ والكره الدفين…وتظل تلك الربوع أيقونة تصنع الحدث فتدار صوبها الأنظار وتشدّ إليها الرّحال.

نهاية منهج إدارة التوحش:

يوم السابع من مارس 2016 يوم لن يمحى من ذاكرة أهل بنقردان، بل من وجدان التونسيات والتونسيين جميعا، في ذلك اليوم كان داعش مبكارا، أراد أن يحتل الأرض والمؤسسات السيادية وعددا من المربعات الأمنيّة والعسكريّة في المدينة، لقد درج هؤلاء الإرهابيون على هذه الوسيلة وهي صناعة بؤرة توتر وحالة فوضى كخطوة تمكنهم من السيطرة على جزء من الأرض ولو كان محدودا في المساحة، هذا الأسلوب معلن في أدبيّاتهم لاسيما الكتاب المعروف “إدارة التوحش”. وهي سياسة متبعة من لدن التنظيم منذ أن تأسس في العراق وما حدث فيها ثم تلاه في سوريا وفي سرت الليبية هو عين المنهج، ما كان لداعش أن يبعث بهذا العدد وبكل ذلك العتاد إلا ليطبّق نفس الأسلوب. لكن على أرض بنقردان سيسجل التاريخ أن ذلك الأسلوب لم يتوطن في تونس ولن يكون،،،

في ذلك الفجر ظنّ الدواعش أنّهم منتصرون، وأنّ المسألة مجرّد جولة قصيرة، بضع ساعات ويكونون قد قضوا على كل من اعترضهم من أمنيين وعسكريين ومدنيين، وقد تمكنوا من الثكنة العسكريّة والمقارّ الأمنيّة وأنّ الأهالي سيأتون طائعين، مهللين، مكبّرين أو مكرهين… فيتمركزون ثم سرعان ما يصل الدعم من الخلايا النائمة أو من وراء الحدود، فيبسطون سلطانهم، يدمّرون ويزهقون الأرواح البريئة ويرفعون الرايات السوداء،، لكن كل ذلك لم يحدث، وخاب مخططهم فما سيطروا على الأرض ولا أحدثوا ثغرا في درع الوطن، وما أربكوا خطط قواتنا الأمنيّة والعسكريّة، لقد جوبهوا ببواسل ووطنيين من أبناء المؤسستين الأمنيّة والعسكريّة والديوانة أحكموا التمركز فردّوا الصاع صاعين، قتّلوا الدواعش ولم يبقوا لهم أثرا، ثم تسارع الأهالي من أبناء الجهة بعدما سرى الخبر بينهم فناصروا القوات وتعقبوا من فرّ من الإرهابيين، في مشهد فريد ما كان ليحدث في الزمن البائد، هي ثقافة جديدة من بركات الثورة. بهذه العقيدة الأمنية والعسكريّة سقط مشروع داعش ومن بنقردان البوابة الشرقيّة لتونس على منظري داعش أن يضيفوا جملة أساسية تلخص ما جرى لكتابهم المرجع فيصبح عنوانه ” إدارة التوحش، هذا المنهج لا يستقيم في أرض الشموخ تونس” ولتلك الملحمة منتجها ولعله كوجيتو جديد “أنا أقهر داعش إذن أنا موجود”.

إنّ ما تمّ في بنقردان في ذلك الفجر يصلح ليكون خطة أمنيّة أو عسكريّة تدرّس في الأكادميات. حريّ بنا أن نفتخر بهذه الملحة… أمّا بعض الأصوات الهجينة التي حاولت أن تستثمر في الدماء الزكيّة فهي نشاز لا سامع لها عند الشعب لاسيما أهلنا الأشاوس في الجنوب، وتلك هي تونس كما كانت مفجّرة للربيع العربي ونقطة الضوء التي أعادت شعوب المنطقة إلى دائرة الفعل الحضاري في شتاء 2011. هي تونس الأبيّة تهدي للعالم انكسار الدواعش واندحارهم ممّا أدّى إلى سقوط نظريّة محوريّة خبيثة في منهجهم الحربي، وتلك هي تونس، شعبها سبّاق إلى الحريّة والديمقراطيّة تواق إلى حياة مزدهرة لا تنافر فيها بين القيم الأصيلة والتعاليم السمحة وبين منجز الحداثة والعقل الإنساني، هو اتساق وتزاوج نوعيّ أنتج حداثة أصيلة، هي جوهر ما توافق عليه التونسيون في دستور الجمهوريّة الثانية،

لن نغفل برهة أنّ هذا المنهج لم يسقط دون ثمن وتضحيات، لقد فقدنا كوكبة من أبناء هذا الوطن، أعزاء على قلوبنا، عسكريين وأمنيين ومدنيين، ولكنّ دماءهم الزكيّة لن تذهب هدرا. لقد ا اختارهم الله ليحيا شعب كامل بعدهم ولكي تسلم سيادة الوطن، وليصل منهج داعش الأرعن إلى مأزق. لا فرق عند هذا الشعب الكريم بين مستبدّ، قاهر وناهب حاول أن يتخفى وراء الحداثة وروح العصر وبين جسم غريب موغل في التشدّد أتى ليفرض رؤيته بالقهر ويسعى إلى تدمير وحدتنا الوطنيّة ويمحو منجزات شعبنا في الحريّة والديمقراطية ولو تسربل بالتديّن… كلها أوجه لعملة واحدة، إنّه الذكاء الذي لا تخطئه فطرة هذا الشعب على مدار التاريخ.

الحريّة والإرادة شرطا الفعل:

الحرّ يكرّ أما العبد فلا يصلح إلا للحلب والصرّ، قالها عنترة بن شداد. وقد تجلت هذه السنة الكونيّة في بنقردان كجزء من أرض تونس الثورة،، تأسست ثقافة جديدة هي ثمرة طبيعيّة ما كانت لتبرز لو لم نعش بركات الحريّة، هنا شعب أصيل متنوّر، قادر على إدارة اختلافاته، ماسك بزمام أمره محقق لسيادته الوطنيّة يعرف أولوياته ويحسن تقدير مصلحته، مازلنا نذكر ما حصل عندما تسلل بعض الانتهازيين والنهّابين محاولا استغلال الاعتصامات والاحتجاجات الاجتماعيّة المشروعة خلال شهر جانفي الماضي، فردّ المحتجون والمعتصمون بصوت عال صريح أن كفّوا ولا تفسدوا نحن أصحاب إرادة لسنا قاصرين ونختار الوسائل والطرائق التي نعبّر بها لبلوغ حقوقنا، لقد ترسخ في شعبنا وعي أصيل لا يمكن للرياح أن تحوّل وجهته النبيلة مهما كانت عاتية، لقد سرى وعي جمعيّ هو درعنا في وجه كل معتد. لقد أصبحت هذه الحالة في تونس لافتة لكل ناظر، وطن الأحرار علامة مميّزة لشعب تونس له الحق في تسويقها واستثمارها إيجابيا جلبا للاحترام من الجميع وتوفيرا لفرص أكثر للتواصل مع الشعوب خدمة لأهداف شعبنا في التنمية والعيش الكريم. لقد هيّأت هذه الخصائص أبناء بنقردان الشجعان لخوض المعركة، معركة إرادات، لكن هيهات أن يتغلب الدواعش الدخلاء فاقدي الإرادة على شعب موحّد أبيّ ملتف حول خياراته الوطنيّة ومصمّم على تحقيق أهداف ثورته.

قراءة في الخطاب الشعبي:

“بلادي قبل أكبادي” “بالروح بالدم نفديك يا علم” “وطني قبل بطني”، لقد تابعنا تصريحات أهالي الشهداء، الأمهات والآباء الأبناء والبنات، اقشعرّت أبداننا ودمعت أعيننا وألفينا أنفسنا صغارا في حضرة تلك الهامات الشامخة، فلا أمّ ثكلى تندب ولا خالة تولول ولا عمّة تصرخ إلا ما تفرضه الطبيعة البشريّة من دموع خفيفة، ربما هناك من بحث عن صورة يلتقطها مخالفة لتلك الروح الانتصاريّة فما عثر عليها، ولو استطاع البعض أن يقتنص ما به ينغص علينا جميعا نخوة الانتصار لما تردّد، وما أمس ببعيد، خاب كل من حاول لأن في تلك الربوع أنفس مؤمنة محتسبة بما قدّره الله، أشاوس مقدامون العطاء مقدّم عندهم على الأخذ وتقديم العمل على الكلام مكرمة، والصبر والجلد عبادة عندهم تعلموه من شظف العيش وقساوة الطبيعة، هو نفس الخطاب أنّى توجهنا عند كل العائلات، سواء كانوا من بنقردان أو ممّن أكرم أحبّتهم بالشهادة في تلك الملحمة البطوليّة دفاها عن الوطن من ملولش أو القيروان أو الحامة أو باجة أو…لقد ضربت الأمهات والزوجات نموذجا في الصبر والتسليم، إنهنّ بحق خنسوات تونس. وحريّ بأرض طيّبة معطاء أن تفخر بهنّ شامخات منتصرات للثورة وللحريّة ولو كان فلذات أكبادهنّ أو أزواجهنّ هو الثمن. نعم لقد كان الثمن غاليا لكن الوطن أغلى وما كان الله قد قدّره ما كان ليخطئنا، إذن لسان حالهم يقول الصبر،الصبر،يا أهل الجنوب الأشاوس إنه بفضل صدقكم وفيض عطائكم، عشتم أعزاء، أحرارا ونطقتكم بلسما فتعلّمنا منكم فصيح الكلم. فلكم أصدق التحايا وللشهداء جنات الخلد..

الجنازة حالة الخشوع وأمل الانتصار:

    لقد كنا جميعا نتابع تلك الجنازة المهيبة، وغدت كل الأعناق في ذلك الضحى مشرئبّة إلى تلك البقاع، كل أهل بنقردان ساروا خلف الجنازة في لحمة فريدة، لكن هذا ليس غريبا على نسيج مجتمعي متماسك لا تزيده المحن والنائبات إلا صلابة. لقد كان مشهدا عنوانه الصمود والإباء والرّضى بما قدّره الله، فعلا التكبير وكان الجمع يتسابقون إلى رفع الجثامين، وكان المشهد لا طرف له ظل ممتدّا لا تدركه الشاشات، من المستشفى المحلي، إلى المنازل ثم إلى المقبرة كان الزحف هادرا مكبّرا، الشهداء وقد تلحفوا بالعلم المفدّى كانوا منارات تضيء درب المشيّعين وقد حدّثني بعض الحاضرين أنّ نسيما خفيفا قد سرى فحث خطاهم دون أن يحسّ الكبير منهم أو المسنّ بالعياء و الفتور وأنّ إحساسا لطيفا لا يدركه الوصف قد دبّ في أفئدتهم وقلوبهم التي تفيض إيمانا واحتسابا، إنها بركات الشهداء، وهل هذا غريب أن يحدث؟ ألم يكونوا أحد عشر كوكبا قضوا في ساحة الوغى منتصرين للوطن والأهل والعرض؟

هذا فصل لكن المشهد لم يكتمل:

     على أرض بنقردان انتهى فصل واحد من المعركة، انتصرنا فيه. لكن يخطئ من يظنّ أنّ المشهد قد انتهى أو أنّ الستار قد أسدل إلى الأبد، الإرهاب لا يخجل من الهزيمة، وهو لا يكل ولا يمل، هؤلاء المتوحشون لا حكمة عندهم بل إرادتهم مسلوبة، هم عبيد وقد باعوا ضمائرهم إمّا لمستحكم أو لجهات لا تريد لأمة العرب والإسلام إلا التخلف والتدمير، لقد تبنّوا أفكارا فاسدة حسبوها عقيدة وقادهم الجهل إلى منهج قوامه الغلبة والسيطرة وقتل الأبرياء، هو مخالف لجوهر الذكر الحكيم ولمقاصده ولمنهج سيّد الخلق الرحمة المهداة للناس جميعا… اليقظة الدائمة هي الحل والتماسك المجتمعي هو السبيل، كل من موقعه ولكل دوره، سلطة ومجتمعا مدنيّا ونخبة ونشطاء، لتكن لنا ثقة في الشباب أكثر فهو عنوان البذل والعطاء، هم صمّام الأمان، لا تبخلوا عليهم بالنصح ولا تبخسوا ما يأتون من أعمال ومناشط يختارونها خدمة للصالح العام وتدعيما لإمكانات مناعة الجهة.

هل هو عزيز على نخبة بنقردان من مربّين ونشطاء وقادة رأي ومثقفين أن يبادروا إلى علاج ما فسد وإلى إنقاذ جيل نشأ في ظل الاستبداد وكبر زمن تجفيف المنابع و تلويثها. المجتمع والدولة سيّان اليوم فكلنا نجني ثمرة فاسدة لسنين عجاف خلت، إنّ أسوأ سرقة هو أن يسرق منّا جيل أو أن تغتال العقول من أصحابها أو تدمّر الأذواق. وأمّا أفظع فساد فهو فساد منظومة القيم وغياب الفضيلة. فهلا قرأنا الدروس جيّدا؟ أم على قلوب أقفالها؟ لنعمل على التحصين الممنهج والعلاج الشامل المتعدّد الأبعاد وهو الكفيل بإصلاح الحال وبتدارك ما فات، لنفكر بأفق أرحب ولنوطّن الجيل على المعرفة وطلب العلم والعمل وخدمة الناس وروح المواطنة ولا نبعث فيهم اليأس أو نرمي بهم – بوعي أو دونه – في محارق تقدّ في دوائر مشبوهة ولا تجلب للشعوب إلا الدمار ولن تؤول بالأمة إلا إلى أحد المنكرين: التخلف أو التجزئة… رحم الله الشهداء وظل الفجر نبراسا ينير الدّرب ويصنع الأمجاد.

المصدر: ”الضمير”

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1)- باحث في الحضارة وحوار الحضارات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق