تحاليلتونس

هذا ما تحتاجه المؤسسة العسكرية..

فائزة الناصر:

لا يختلف اثنان أنّ زيادة قوة الجيش ظاهرة صحية للديمقراطية الفتيّة في تونس، بالنظر إلى التحدّيات الأمنية، فبعد أن تم تهميش الجيش في دولة بن علي البوليسية، لم يعد أمام الجمهورية الثانية إلا أن تصحح ذلك الخلل التاريخي بأقدار..

ذكرت دراسة لمركز كارنيغي للشرق الأوسط بعنوان “إعادة النظر في العلاقات المدنية-العسكرية 2014-2015: الحوكمة السياسية والاقتصادية في المرحلة الانتقالية”، والذي يسعى إلى ترقية البحث حول القوات المسلحة في الدول العربية وتحديات مرحلة الانتقال الديمقراطي، أنّ الجيش الذي ظل مهمّشا على مدى عقود في عهد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة وخصوصا في ظل الدولة البوليسية للرئيس السابق زين العابدين بن علي، كان من بين أهم الأسباب التي ساهمت في النجاح النسبي للعملية الانتقالية في تونس. فالجيش التونسي الذي هو الأصغر حجما في العالم العربي، حيث يبلغ تعداده 40.500 فرد في الخدمة الفعلية من أصل عدد سكان تونس الذي يقرب من 11 مليون نسمة كان عاملا إيجابيا في حماية التجربة الديمقراطية وعدم الانتكاس بها.

وبينت الدراسة أنّ ضباط الجيش التونسي كانوا يتقاضون رواتب قليلة ويعانون من قلّة التجهيزات ومحرومين من النفوذ السياسي، وكان السواد الأعظم من الضباط مستائين من بن علي، وكانوا يشعرون بالخذلان لذا كان رحيله يوم 14 جانفي 2011 خبرا سارا بالنسبة لأبناء المؤسسة العسكرية.

وأشار تقرير مركز كارنيغي إلى أنّ إدارة الجيش بعد الثورة انتقلت من الحكم الشخصي للمستبدّين السابقين إلى قنوات أكثر لامركزية، وأنّ تغيّر القيادة السياسية في تونس كان إيذانا بنهاية تمييز الضباط القادمين من المناطق الساحلية الثريّة التي ينحدر منها بورقيبة وبن علي، كما أرغمت التهديدات الأمنية الخطيرة التي تواجهها تونس حكومات ما بعد الثورة على تعزيز ميزانية الجيش وأسلحته وروابطه الدولية وقدراته المؤسّسية ونفوذه السياسي.

أجمعت كل الدراسات التي بنيت على معطيات واقعية دقيقة أنّ الجيش التونسي كان وطنيا ومحايدا وأنه حمى الانتقال الديمقراطي الذي كان مهددا في أكثر من محطة من طرف قوى الردة والجذب إلى الوراء وأنه حافظ على حياده وعلى موقعه كحامي لأمن تونس وشعبها. كما أبلى بالتعاون مع المؤسسة الأمنية بلاء حسنا في التصدّي للجماعات الإرهابية بالإمكانيات المتاحة.

قد تشير التطورات المادية والسياسية إلى أن الجيش التونسي المهمّش تاريخيا، بدأ بعد الثورة يشهد تحسّنا في وضعه، وأنه أصبح أولوية بالنسبة إلى السياسيين وموضع تقدير من جانب السلطات، وقد شهدت ميزانية وزارة الدفاع نموا مطّردا من سنة 2011 إلى سنة 2016، مقارنة بأول ميزانية للجيش، أي زيادة بمعدل 21 في المائة سنويا.

ولكن الأكيد هو أنّ القوات المسلحة لاتزال تعاني من ضعف في التجهيز وفي المعدّات والأسلحة والدعم اللوجستي والرواتب مقارنة بالتهديدات الأمنية الكبرى التي تعيشها بلادنا. وعلى أصحاب القرار اليوم أن يعوا جيدا أنّ تزايد التهديد الإرهابي وتعاظمه يجعلهم مجبرين على تعزيز قدرات الجيش، وزيادة ميزانيته وتحسين أوضاعه الاجتماعية، ورفع مستوى أسلحته وعتاده وقدراته المؤسّسية، إذا كانوا جادين في إنجاح معركتهم مع الإرهاب وفي ردّ الاعتبار لأبناء المؤسسة العسكرية.

المصدر: “الضمير”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق