تحاليلتونس

تسعة أسئلة حول تاريخ الإرهاب في تونس

في كل مرة تحدث فيها عملية إرهابية ينبري بعض التونسيين للاستثمار السياسي الفج في الدم عوض الاستثمار في الوحدة الوطنية وتقوية اللحمة الداخلية. يتم التهديد بمحاسبة من كان في السلطة تحديدا بين سنتي 2012 و2014 على أساس أنهم المسؤولون عن الإرهاب. حسنا ضجرنا من هذا التهديد الأجوف الذي يسمم بلادنا. لا مانع من ذلك لنتحاسب بالمعطيات والقرائن والأدلة. لنرفع الأمية السائدة في موضوع تاريخ الإرهاب. سأطرح أسئلة أولية، بدائية أحيانا، ولنحاول الإجابة عليها “حبة حبة” مثلما يقول الإخوة في مصر.

أولا، هل بدأ الارهاب في تونس في ديسمبر 2011 عندما تسلمت الترويكا السلطة؟ وهل انتهى الإرهاب في تونس عندما خرجت الترويكا من السلطة؟

لم يبدأ الإرهاب “السلفي الجهادي” في تونس في دسيمبر 2011 ولم يبدأ بعد الثورة. بدأ هذا النوع من الإرهاب في منتصف التسعينيات في عملية على مركز “سندس” الحدودي في الجنوب الغربي، أدت لمقتل سبعة عناصر من “الحرس الوطني” وانطلقت من الجزائر، شارك فيها تونسيون ناشطون مع “الجماعة الإسلامية المسلحة”. وكان غالبية هؤلاء في تلك الفترة المبكرة منضوين في إطار ما يسمى “الجبهة الإسلامية التونسية”  بقيادة محمد علي الحراث. ثم كانت عملية تفجير الغريبة سنة 2002 التي أدت إلى مقتل عديد السياح.

ثم كانت “مجموعة سليمان” (أو “جند أسد بن الفرات” التابعة لتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”) سنة 2006. التي تسلل بعض عناصرها في البداية عبر الحدود الجزائرية وتوسعت عبر عناصر مقيمة في تونس أساسا من الطلبة، وبقيت تتنقل وتتدرب من منطقة الشعانبي إلى بعض المرتفعات الواقعة جنوب العاصمة بين شهري أبريل وديسمبر، ولم يتفطن إليها إلا أواخر شهر ديسمبر حيث تم مبايعة الأسعد ساسي “أميرا”. ولم يتم كشف المجموعة التي كانت تتمركز وتتدرب على بعد كيلومترات قليلة من قصر قرطاج، إلا بالصدفة بعد اعتراف عنصر تم اعتقاله في مدينة سوسة.

الإرهاب عاد مباشرة بعد الثورة وقبل الترويكا وكانت أهم العمليات عملية الروحية (سليانة)، التي استشهد فيها في ماي 2011 العقيد الطاهر العياري. ثم سجلت عمليات متفرقة خاصة في الجنوب، وتم اعتقال مجموعة “بئر علي بن خليفة” في أثناء تهريبها للسلاح.

أخيرا زاد نسق ووتيرة وخطور الإرهاب بعد خروج الترويكا من السلطة، وتحديدا تحت حكم السبسي وحزب نداء تونس وفي بضعة أشهر تمت أول ضربة في قلب العاصمة في مارس 2015 حذو موقع سيادة، ثم في استهداف نزل “مرحبا” في سوسة كانت أثقل حصيلة (خسائر مادية وبشرية) لأي عملية إرهابية في تاريخ تونس، ثم استهداف قوات النخبة التونسية ممثلة في الأمن الرئاسي في قلب العاصمة على بعد عشرات الأمتار من وزارة الداخلية، وأخيرا منذ أيام تسلل مجموعة من الإرهابيين عبر حدود فيها ساتر رملي، وفي وقت يتوقع فيه الجميع تسلل إرهابيين وأول محاولة للسيطرة على قلب مدينة تونسية.

ثانيا، هل بدأ تصدير الإرهابيين التونسيين إلى الخارج مع الترويكا؟

بدأ تصدير الإرهابيين التونسيين زمن بن علي بوتيرة متصاعدة. من الإرهابيين المبكرين عبد الله الحاجي الذي كان ناشطا في بيشاور في التسعينيات، وقد خلفه بداية 2000 سيف الله بن حسين (أبو عياض) الذي أسس في أفغانستان “الجماعة التونسية المقاتلة” قبل أن يهرب مجددا للباكستان. وقد تم خلال التسعينيات تجنيد  عدد من التونسيين المقيمين في أوروبا (خاصة إيطاليا وبلجيكا) في هذه الشبكات، من بينهم معز بوحوش ومحمد السعيداني. وتميز هؤلاء بالمشاركة تخطيطا وتنفيذا في عمليات الاغتيال ومن أشهرها محاولة اغتيال بابا الفاتيكان في سراييفو سنة 1997 واغتيال محمد شاه مسعود في أفغانستان سنة 2001. كما كانت نسبة الإرهابيين التونسيين في التنظيمات الموالية للقاعدة في العراق منذ سنة 2003 (بدءا بتنظيم “حركة التوحيد والجهاد” بقيادة الزرقاوي) متميزا. وكان هناك ما يشبه الجسر الجوي عبر دمشق وصولا إلى العراق، وأحيانا تحت إشراف قيادات تونسية (“أبو عمر التونسي” مثلا). وقد كشفت “وثائق سنجار” معطيات إحصائية عن هذا الوجود البارز كما ونوعا.

وتخصص التونسيون في إرهاب العمليات الانتحارية واشتهروا بعمليات استعراضية، مثل تفجير مراقد سامراء بداية سنة 2006 التي أشرف عليها المدعو هيثم البدري “أبو فاطمة التونسي”، الذي أطلق العنان للحرب الطائفية بين السنة والشيعة.

ثالثا، هل ترعرع الجيل الحالي من الإرهابيين في المنظومة السياسية والتعليمية للترويكا؟ هل كان بن علي ثم السبسي/ ناجحين أمنيا وتحديدا في التوقي من الإرهاب؟

إذا وضعنا جانبا قيادات “أنصار الشريعة” ومؤسسي جناحه المسلح مثل سيف الله بن حسين ومحمد العوادي وعادل السعيدي وكمال القضقاضي وأحمد الرويسي، الذين تلقوا تعليمهم وترعرعوا أواخر زمن بورقيبة، فإن معدل عمر الجيل الحالي من القيادات التونسية لداعش بين خمسة وعشرين وثلاثين سنة. وعموما إذا دققنا، نجد أن غالبيتهم ولد بين منتصف الثمانينيات ومنتصف التسعينيات. بمعنى أنهم في الغالبية تلقوا تعليمهم الابتدائي والثانوي في أوج مرحلة بن علي وهم نتاج صاف لتلك المرحلة، ولـ”إصلاحات التعليم” الخاصة بها، ولوضع كان يتحكم فيه بن علي وحزبه وزبانيته وعائلته من الألف إلى الياء.

عند نشأة وبداية ترعرع الإرهاب من آخر االتسعينيات، كان بن علي يعنى في أي مواجهات أمنية مع الإرهاب. من المجزرة ضد شهداء الحرس الوطني سنة 1995 إلى الفشل الاستعلاماتي في عمليتي الغريبة وسليمان. وأيضا والأهم في تدفق الإرهابيين التونسيين بين تونس والعراق عبر دمشق، رغم التنسيق المتواصل بين بن علي والأسد. ولم يقم السبسي بأي مبادرات لتحسين أداء وتجهيزات القوات الحاملة للسلاح. بل إن غالبية السلاح الذي انتشر وتم تهريبه إلى تونس كان زمن السبسي، عندما تورط مباشرة في الصراع الليبي.

وعندما تسلمت الترويكا السلطة وجدت القوات الحاملة للسلاح دون التجهيزات اللازمة في تكتيكات مقاومة الإرهاب (المختلفة عن الحرب النظامية)، دون واقيات الرصاص، ودون كاسحات ألغام، ولم يبدأ اقتناء هذه المعدات إلا مع الترويكا.

رابعا، هل الترويكا مسؤولة عن “العفو التشريعي العام” الذي أدى إلى إطلاق أهم قيادات “السلفية الجهادية”، الذين أسسوا “أنصار الشريعة” ثم جناحها المسلح المسؤول عن الاغتيالات؟

بلا شك، إن تأسيس أنصار الشريعة صيف سنة 2011 لم يكن ليتم لولا إطلاق سراح مؤسسيها من خلال “العفو التشريعي العام” الذي أمضى عليه محمد الغنوشي في فيفري 2011 ونفذه الباجي قائد السبسي في مارس 2011. يجب أن نتذكر دائما أن تأسيس أنصار الشريعة وبدء استعراضاتها كانت تحت حكم السبسي، في حين حظرها ومنعها تم في وقت الترويكا. لم يقم المرزوقي بأي عفو عن أي متهم بالإرهاب.

خامسا، هل دخل “شيوخ الإرهاب” إلى قصر قرطاج؟ وهل يمكن، استنادا لتجارب مقارنة، مقاومة الإرهاب دون استيعاب وتوظيف مشايخ دين غير متورطين في الإرهاب، ويؤمنون بسلطة الدولة في المعركة العقائدية ضد الإرهاب؟

لم يدخل قصر قرطاج زمن المرزوقي أي شخص متهم بالإرهاب أو تم اتهامه حتى لاحقا بالإرهاب. استضافة شيوخ محسوبين على التيار السلفي لكن صرحوا برفض العنف إلى القصر، كان يتم ضمن مقاربة موجودة في كل الدول التي حاربت الإرهاب، ونجحت نسبيا في المواجهة العقائدية معه مثل الجزائر والمغرب ومصر. أي توظيف حاملي الفكر السلفي في إحباط الحجج الدينية والفقهية لحامل مشروع الإرهاب. بالمناسبة من المهم أن نتذكر هنا أن أول مظاهرات لمنتسبين للتيار “السلفي الجهادي” استهدفت قياديا في الدولة بعد الثورة وكفرته علنا، كانت تلك التي استهدفت وكفرت الرئيس المرزوقي بداية سنة 2012 عندما هاجم وانتقد وجدي غنيم. لم يقم الرئيس المرزوقي بأي خطاب تصالحي مع خطاب التكفير، وكان نواب حزبه المؤتمر هم أول من قدم مقترح إدراج التكفير كجريمة في الدستور الجديد.

سادسا، هل كانت قيادات الترويكا مستثناة من التهديد بالاغتيال والتصفية من قبل الإرهاب؟
يوجد على لائحة المهددين بالإرهاب علنا وعمليا عديد قيادات الترويكا مثل المرزوقي وبن جعفر والغنوشي والعريض. إضافة إلى وزراء عملوا في إطار حكومات الترويكا ومن أكثرهم تعرضا للتهديد الإرهابي وزير الداخلية في حكومة الترويكا الثانية لطفي بن جدو، الذي وصل الأمر إلى تهديد منزله العائلي في القرصين. تم تثبيت ذلك في تحريات رسمية وفي بيانات علنية لوزارة الداخلية بما في ذلك بعد خروج الترويكا من السلطة. وفي فيديوهات نشرها الإرهابيون بما في ذلك داعشيون.

سابعا، ماهي أهداف الإرهاب ومن كان ضدها؟ من كان يحافظ على هيبة الدولة والاستقرار، ومن كان يزيد في عدم الاستقرار وضرب هيبة الدولة عندما تحدث عمليات إرهابية؟

كانت أهداف الإرهاب في تونس معلنة وواضحة وتم تثبيتها في التحقيقات والتحريات مع المتورطين في الإرهاب، وهي تحديدا القيام باغتيالات واستهداف القوات الحاملة للسلاح لإحداث الفوضى، ثم التوحش بما يسهل السيطرة تدريجيا على الدولة. وعندما تم القيام بذلك سنة 2013 خاصة، قامت المعارضة وعلى رأسها حزب السبسي آنذاك بالتشكيك في “الإرادة السياسية لمكافحة الإرهاب”، بل كانت تشير إلى تواطؤ معه، ونادت علنا باستهداف مؤسسات الدولة واحتلال مقرات السيادة، مثلما يحاول الإرهاب ان يفعل في بن قردان الأيام الأخيرة، والمناداة بحلها وتشجيع مظاهر التمرد عليها خاصة عبر تسييس بعض النقابات الأمنية (مقابل رفض نقابات أخرى ذلك). بمعنى آخر بحسن أو سوء نية تم المساعدة في تنفيذ مخطط التوحش. وفقط تحلي المؤسسات الحاملة للسلاح من جيش وشرطة وحرس وطني بالمسؤولية، منع أي توظيف لها وتشتيت لتركيزها، وقامت بإنجازات أمنية مهمة خاصة في بداية صيف -وأيضا- في بداية خريف 2013. في المقابل تتصرف الأحزاب التي كانت في الترويكا مع الهجمات الإرهابية الحالية تحت حكم السبسي وائتلافه بشكل مسؤول، حيث لم تحمل المسؤولية للسبسي وحده ولم تستغل الإخلالات الأمنية رغم تكرارها وفداحتها للتشكيك في “الإرادة السياسية لمكافحة الإرهاب”.

وفي الوقت الذي أنتجت فيه سنة 2014 استراتيجية متكاملة لمكافحة الإرهاب شاركت فيها مختلف مصالح الدولة، وبدأ التحضير لمؤتمر وطني لمكافحة الإرهاب تجاهل السبسي هذه الاستراتيجية ويصر على مقاربة سطحية ذات بعد أحادي، ويحرص على تفادي أي حوار وطني لمكافحة الإرهاب.

ثامنا، من كان يساهم في تقسيم البلاد ويفصل خريطتها كمجال محارب ومجال متواطئ مع الإرهاب؟
كان الاستثمار الفج في دماء الإرهاب مترافقا لفترة طويلة في خطاب يقسم التونسيين على أساس جهوي. ردد جزء من “النخبة” مقولات تقسيمية فجة على أن هناك “جهات إرهاب” وأن جزءا من الناخبين في جهات محددة يميلون للإرهاب، ودعاهم قياديون في حزب السبسي إلى “العودة للسياق الوطني” وشككوا في وطنيتهم. بعد الهبة الشعبية والوقفة الرجولية لمواطني الجنوب لاسيما في بن قردان ضد الإرهاب، انقلب خطاب هؤلاء دون أي نقد ذاتي.

تاسعا، هل يعني ذلك أن الترويكا لا تتحمل أي مسؤولية؟ وهل مازلت مصرا على أن الإرهاب مسؤولية الترويكا تحديدا؟

طبعا الترويكا أخطأت في عدد من المواضع، لكن خطأها هو امتداد لخطأ من سبقها وهو تحديدا إعطاء فرصة للاندماج في التجربة الديمقراطية لمن ادعى من هذا التيار بالتخلي عن الإرهاب. وأيضا بتجاهل التطورات في ليبيا سنة 2011 وسوريا منذ سنة 2013 ، وعدم استقراء الاستسهال مع تسلح تونسيين في الخارج في أطر إرهابية. وهو أيضا خطأ وقع فيه بن علي.

أما إذا كنت ماتزال مصرا بعد كل النقاط أعلاه على أن الارهاب مسؤولية الترويكا وحدها، فاعلم أن عنادك ودوغمائيتك الأيديولوجية المحفزة على الهستيريا عوض القراءة والتأمل، يفرضون عليك ذلك. وأن استتباعات هذا الإصرار على التشويه وعدم التفكير ليست بهينة.

فأي استثمار في دماء الإرهاب والطعن في النوايا خدمة مجانية للإرهاب وتموقع طوعي في أجندته.

المصدر: “عربى21”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق