دراسات

تداعيات الأزمة السورية إقليميّا ودوليّا

سامح راشد: باحث بمؤسسة الأهرام، مصر

      مرّت السياسة الأمريكية تجاه دمشق باختبارات ومنعطفات كثيرة منذ اندلاع الازمة في سوريا… ومن المهم النظر في ملامح تلك التحولات وتحليل دوافعها، واستشراف اتجاهاتها المستقبلية في ضوء مستجدات الأزمة وحسابات ومصالح واشنطن ومختلف عناصر منظومة القرار الأمريكي بشأن دمشق، خصوصا أن الازمة تدخل عامها الثالث الذي سيشهد محطات مفصلية في محددات ومدخلات الأزمة، من استحقاق رئاسيي في سوريا، إلى استحقاق تشريعي في الكونجرس الأمريكي، بالإضافة الى انتهاء المدّة الزمنية المفترضة لتفكيك منظومة الأسلحة الكيميائية السورية. فضلا العوامل والاعتبارات المرتبطة بدروس ونتائج المواقف الامريكية تجاه الدول الأخرى التي شهدت ثورات أو تغييرات في نظم الحكم سواء سلميا أو بالتدخل العسكري.

أوّلا: تطور المواقف الامريكية

في ضوء التجربتين التونسية والمصرية، بدا من الموقف الأمريكي تجاه بدايات الأزمة السورية أن واشنطن أخطأت تقدير حسابات النظام السوري، وغلب على تقديراتها التهوين بل ربما ”الاستخفاف” بقدرة النظام على البقاء والاستمرار بما يغني عن ممارسة ضغوط قوية مباشرة لتحقيق هذا الهدف. كما كشفت مواقف الإدارة الامريكية وتصريحات بعض مسؤوليها، أن تلك المحدودية في قدرات النظام السوري ستدفعه الى تقديم تنازلات سريعة وإدخال إصلاحات تلبي مطالب وتطلعات الشعب السوري. بل إن وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت، هيلاري كلينتون، أعربت غير مرّة في الأشهر الثلاثة الأولى أن بشار الأسد لا يزال ينظر إليه في دوائر السياسة الامريكية (بما في ذلك الإدارة والكونجرس) باعتباره شخصية إصلاحية، بل أقدر على احداث التغيير المنشود مقارنة بزعماء آخرين في المنطقة.

ومع استمرار الاحتجاجات دون إجراءات استجابية فعّالة من جانب النظام، تطور الموقف الأمريكي باتجاه التصعيد والضغط على النظام سياسيا واعلاميا واقتصاديا عبر فرض عقوبات على مؤسسات وشخصيات نافذة. بالتوازي مع تحفظ شديد عن فكرة ممارسة ضغوط عسكرية مباشرة. وكشفت الإدارة الامريكية علنا أنها ليست في وارد التدخل أو اتخاذ إجراءات عسكرية ضد نظام بشار الأسد. وأن التفكير في هكذا خطوة يتطلب مسبقا دعما وتفويضا من الأطراف الإقليمية المعنية مثل الجامعة العربية. ولوحظ على الخطاب الأمريكي خلال العام الأول من الأزمة حفاظه على عدم اغلاق باب الحوار مع النظام. مع بعض الاستثناءات مثل اتهام كلينتون للأسد بفقدان الشرعية. لكن إدارة أوباما كانت تسارع الى استدراك هكذا مواقف حتّى أن كلينتون نفسها تراجعت عن ذلك الموقف بعد أيام قليلة.

طوال العامين الأولين من الأزمة (2011 و2012) لم يتغيّر الموقف الأمريكي المتحفظ على التدخل العسكري بمختلف أشكاله. واستمر التصعيد النسبي المتذبذب متمثلا في العقوبات ومحاولة استصدار قرار من مجلس الامن لإدانة النظام وتحميله مسؤولية العنف الدائر في سوريا. لكن التطور الحقيقي كان في زيادة الاعتماد على المواقف الإقليمية خصوصا الجامعة العربية في إدارة الازمة وممارسة ضغوط حقيقية على دمشق. سواء من خلال تحركات الأمين العام لحثّ الرئيس السوري على تغيير موقفه أو من خلال بعثة المراقبين العرب، ثمّ لاحقا من خلال اخلاء مقعد سوريا في الجامعة وبعدها الاعتراف الضمني بالكيانات المعارضة ومنح الائتلاف الوطني السوري المعارض الحق في تمثيل سوريا بالجامعة.

لعبت واشنطن دور المساند والداعم لتلك التحركات مع السعي في الوقت ذاته لدى روسيا بغرض الضغط على دمشق لقبول الحوار مع المعارضة وتحقيق إصلاحات حقيقية تتضمن الحد من مركزية واحتكار السلطة.

   كان واضحا على السلوك الأمريكي تجاه دمشق طوال السنوات الثلاث الماضية أن سقف السياسة الامريكية هو التصعيد السياسي دون تحرك فعلي خشية خلط الأوراق والانزلاق الى مواجهة أخرى بينما دروس وتجارب العراق وأفغانستان ومؤخرا الحرب ضد القذافي لا تزال ماثلة أمام صابع القرار الأمريكي، فضلا عن أن الوضع السوري أكثر تعقيدا وخطورة وبالتالي صعوبة.

بهذا المسلسل تطور إدارة واشنطن للازمة من الضغط السياسي غير المباشر وترك عملية اسقاط النظام للتفاعلات الذاتية الداخلية، الى الضغط عبر وكلاء. يتقدمهم كيان سياسي للمعارضة يطرح نفسه بديلا للنظام وبالتالي يسحب منه الشرعية تدريجيا. بالإضافة الى تهيئة السياقات القانونية اللازمة لنزع الشرعية عن بشار عبر تقويض أو اجهاض المبادرات الرامية الى تسوية الازمة أو ضبط سلوك الأطراف خصوصا على الأرض. وهو ما بدا واضحا من التعاطي مع مهمة بعثة المراقبين العربية. الامر الذي يرتبط بدوره بإيكال بعض استحقاقات إدارة الازمة الى أطراف أخرى مثل الجامعة العربية التي اضطلعت بالفعل في تلك الفترة بدور مهم ليس فقط في إدارة الازمة والضغط على دمشق بأشكال متفاوتة، لطن أيضا في تخفيف الأعباء السياسية عن واشنطن وغيرها من العواصم الكبرى خصوصا في مواجهة المطالب الشعبية الداخلية وكذلك مطالب تنظيمات المعارضة في الخارج بالتدخل العسكري المباشر أو على الأقل الحصول على دعم عسكري للفصائل المسلحة التي تقاتل ضد النظام.

ورغم أن واشنطن اضطرت بالفعل خلال العام الثاني من الازمة الى تقديم دعم مباشر للمعارضة وأسهمت في تعبئة جهود الدول الحليفة لدعم المعارضة سواء ماليا أو عسكريا بدرجات متفاوتة، إلا أن هذا التطور جاء مدفوعا بالحرص على تجنب انكسار المعارضة بشكل نهائي، ومواجهة الدعم الإيراني والروسي المتزايد ومتعدد الاشكال لنظام دمشق. مع الاحتفاظ بجوهر الموقف الثابت منذ بداية الازمة وهو ضرورة احداث إصلاحات وتغييرات سياسية دون المساس بالقوام العام للدولة السورية أو الانزلاق الى فوضى شاملة أو حتى مواجهات عسكرية مفتوحة بين أطراف الازمة سواء الأطراف الداخلية المباشرة أو تلك الخارجية المنغمسة فيها من الخارج.

وتجسدت ملامح تلك السياسة الامريكية بجلاء في العام الثالث للازمة (2013) حيث انتقلت واشنطن من مربع محاصرة النظام السوري الى الضغط على المعارضة لقبول الحوار مع النظام في إطار دولي متمثل في مؤتمر ”جنيف-2″. بعد أن كان “جنيف-1” قد عقد في نهاية يونيو 2012 بين الأطراف الدولية المعنية بالأزمة بما فيها روسيا، وتمّ التوصل خلاله الى صيغة سياسية لتشكيل حكومة واسعة الصلاحيات واحداث تحول ديموقراطي تدريجي. غير أن المواجهات المسلحة ورغبة النظام والمعارضة في تحقيق انتصارات على الأرض قبل تنفيذ مقررات جنيف-1، حالت دون انفاذه لأكثر من عام. ومع استمرار المواجهات دون نصر حاسم، مع تقدم نسبي ملحوظ لقوات النظام في مناطق حيوية واستراتيجية مهمة، وجدت واشنطن أن العودة الى صيغة جينيف ربما تكون مخرجا مناسبا من الانسداد الذي أصبح يحيط بالأزمة سياسيا وعسكريا. وحولت واشنطن اتجاه ضغوطها السياسية من النظام الى المعارضة، لإجبارها على المشاركة في المؤتمر والتخلي عن شروطها المسبقة خصوصا تنحي بشار الأسد قبل أي تفاوض، وأسهم في تغيير موقف المعارضة تحول نهج إدارة الازمة من جانب النظام من التشدد وسياسة حافة الهاوية الى المرونة وتفويت الفرص. وهو ما تجسد في التخلي عن الأسلحة الكيميائية، وقبول المشاركة في جنيف-2 دون شروط مسبقة، مما منحه مزيدا من القوة السياسية في موقفه التفاوضي، ووضع المعارضة في موقف حرج أذا استمرت في رفض المشاركة وعدم تقديم بدائل سياسية مقبولة.

ثانيا: دوافع ومحددات القرار الأمريكي

مبدئيا، يصعب الجزم بأن واشنطن كانت – أو لم تكن – مستعدة مسبقا لموجة الثورات والاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت بعض الدول العربية مع مطلع عام 2011. الامر الذي ينعكس بدوره في غموض والتباس يحيطان بتفسير دوافع وحسابات الإدارة الامريكية إزاء تطورات الازمة السورية خصوصا في بداياتها. بيد أنه وبالنظر الى مجمل النهج الأمريكي في التعاطي مع مجريات ومآلات “الربيع العربي”، يمكن القول إن ثمّة معادلة صعبة طالما حاولت واشنطن تحقيقها، تتلخص في احداث التغيير السياسي الذي تتطلع اليه الشعوب، مع الحفاظ على مستوى مقبول من الاستقرار في الأوضاع الداخلية والإقليمية بشكل عام. ومن ثم يمكن اعتبار كلمة السر الامريكية في مواجهة الثورات العربية هي (اسقاط الحكام لا اسقاط الدول). ربما لا يتفق هذا المنطق مع كثير من التفسيرات السياسية العربية التي ذهبت الى أن ثمّة رغبة أمريكية محمومة لتقويض بنيان الدول العربية وتفكيكها لإعادة تركيب المنطقة ككل وفق حسابات ومخططات خاصة بها أو بها وبإسرائيل معا. بل تذهب بعض التحليلات العربية الى حدّ تحميل واشنطن مسؤولية الثورات العربية باعتبارها ”مؤامرة أمريكية” على الشعوب العربية. غير أن تتبع السلوك الأمريكي تجاه موجة ”الربيع العربي” لا يثبت صحة تلك التفسيرات التآمرية. حيث بدا واضحا في غير حالة أن واشنطن غير حريصة – أو على الأقل غير قادرة – على المضي قدما في خيار الإطاحة بالنظم القائمة. والحالة السورية تمثل نموذجا يجسد ذلك الوضع. فبعد ثلاث سنوات من اندلاع الازمة واستمرار الحراك الثوري الشعبي بل وتحوله الى حرب أهلية بمستويات متعددة، لم تتخذ واشنطن في أي من مراحل الازمة، خطوات عملية من شأنها اسقاط النظام الحاكم في دمشق، أو حتى السماح للقوى المعارضة بإنجاز تلك المهمة.

فقد أثبتت تجربة الدعم الأمريكي القوي لثورتي تونس ومصر ثم الإطاحة بالقذافي ومباركة تغيير علي صالح في اليمن، أن خيار الديمقراطية قد لا يكون هو الخيار الأمثل من منظور المصالح الامريكية الجيواستراتيجية، وهو أمر يثير جدلا واسعا حاليا في أروقة السياسة ومراكز التفكير الاستراتيجي الامريكية. ولم يتم حسم الامر بعد، الا أن القرار التنفيذي يميل في النهاية الى تحقيق المصالح ولو على حساب القيم والمبادئ السياسية أو حتى الأخلاقية.

ومن ثم، يمكن القول إن واشنطن لم تتبنى عمليا خيار الإطاحة بالنظام السوري بالقوة، خشية تعرض مصالحها وكذلك أمن إسرائيل للخطر بفعل اتساع نطاق الازمة وتحولها الى حرب داخلية إقليمية ودخول عناصر وجماعات جهادية مسلحة على خط القتال ضد النظام.

لكن بالتوازي مع تلك الاعتبارات المرتبطة بالمصالح القومية وإدراك صانعي القرار لها، هناك أيضا دوافع وحسابات أمريكية داخلية. فالبيئة الداخلية بمستجداتها كانت حاضرة بقوة في تحولات السياسة الامريكية تجاه سوريا. ورغم تعرض إدارة أوباما من اللحظة الأولى في ازمة سوريا لاتهامات بالتردد والضعف في التعامل مع نظام بشار الأسد، الا أن البيت الأبيض تعاطى مع تلك الاتهامات في سياق لعبة التضاغط المستمرة بين الجمهوريين والديمقراطيين، خصوصا مع اقتراب موعد اجراء انتخابات التجديد النصفي للكونجرس هذا العام (2014). فضلا عن الهاجس الذي أصبح يقيد بوضوح قرارات الإدارة الامريكية وتوجهاتها الخارجية بشكل عام، وهو هاجس الانزلاق الى حرب أو مواجهة مسلحة ستستنزف مزيدا من الموارد الاقتصادية وربما البشرية. وزهو امر أصبح خطا احمر أمريكيا، خاصة في ظل المشكلات الاقتصادية المتفاقمة والضغوط الشديدة التي تتعرض لها إدارة أوباما في سياساتها المالية بصفة خاصة.

ثالثا: خيارات صعبة

رغم أن المواقف الامريكية لم تتغير جوهريا منذ بداية الازمة السورية عنها حاليا، الا أن المشهد الحالي للازمة يحمل وضعا جديدا يختلف كثيرا في معطياته وتداعياته المحتملة عن بدايات الازمة. ومن ثم يواجه القرار الأمريكي تحديات ومحاذير بعضها قائم منذ بداية الازمة، وبعضها الآخر جديد ظهر بفعل تطورات الازمة وتفاعلات أطرافها. ومن التحديات القديمة أن نطاق الازمة ليس سوريا داخليا وحسب وانما خارجي بمستوييه الإقليمي والعالمي. بيد أن تطورات الازمة على مدى ثلاث سنوات أكدت بغير شك أن الازمة السورية قد أصبحت بالفعل أزمة دولية بامتياز، بل لم يعد النطاق الداخلي فيها بشقيه السياسي والعسكري سوى ساحة لتفاعلات وتضاغطات أطراف خارجية لكل حساباتها ومصالحها وادواتها في التأثير والتدخل. وهو ما تأكد من تخلي واشنطن عن الاعتماد على الساحة الداخلية في توجيه مجريات الأزمة ودفع بشار الأسد الى الخروج من المعادلة أو تقديم تنازلات جوهرية. لذلك يمكن بسهولة رصد ما يمكن وصفه بتجاهل امريكي شبه كامل للتفاعلات الداخلية الخاصة بالأزمة سواء سياسيا أو عسكريا، ليس بمعنى تجاهل التأثر بها واخذها في الحسبان، وانما من مدخل الكف عن محاولة تغييرها أو احداث نقلة بها. ويلاحظ في هذا السياق تواري الحديث عن تسليح المعارضة لحساب الحلول السياسية التفاوضية مع النظام. والتي يجري الاعتماد فيها بشكل واضح على الأطراف الخارجية سواء الدول الأخرى المنخرطة في الازمة، أو كيانات المعارضة الخارجية التي رغم انقسامها وتشتتها لا تزال موضع تعويل أمريكي / غربي. ربما يعزى ذلك الالتفات الأمريكي عن الداخل الى المكاسب الميدانية التي حققتها قوات النظام السوري في الأشهر الأخيرة، ما يعني أن قدرة أي طرف معارض داخلي على التأثير قد تضاءلت أكثر مما هي عليه أصلا منذ بداية الأزمة، خصوصا أن المعارضة السياسية الداخلية مشوبة بكثير من علامات الاستفهام ومثار شكوك في ارتباطها أو على الأقل تأثرها بمواقف النظام وخضوعها لمقتضيات وجودها بالداخل.

بالإضافة الى ذلك، كان الدور الخارجي في الأزمة يزداد تدريجيا بمرور الوقت من الجانبين، الداعم للنظام والمناوئ له. ورغم أن الإدارة الامريكية ظلت لما يزيد عن عامين بعد بداية الازمة تتعامل مع الأدوار الخارجية الداعمة للنظام بانتقائية، فكانت ترفض التعاطي المباشر مع الدور الإيراني وتكتفي بروسيا طرفا مشاركا في إدارة الازمة، إلا أن عاملين مهمين غيّرا وجهة التعاطي الأمريكي نحو الاعتراف بالدور الإيراني بل واشراكها بشكل مباشر في الاتصالات والمشاورات الخاصة بإدارة الازمة ومساعي تسويتها.

هذان العاملان هما تطورات الوضع على الأرض واستعادة النظام السيطرة الميدانية على كثير من المناطق الاستراتيجية المهمة، بمساعدة إيرانية مباشرة وغير مباشرة (عبر حزب الله). والمخاوف الامريكية والغربية الناجمة عن سيطرة بعض الفصائل الجهادية الإسلامية المسلحة على مناطق أخرى، بما دفع واشنطن دفعا الى تعديل بوصلة انتقائيتها في التعامل مع الأدوار الخارجية، لتجنب ظهور كانتونات جهادية سنية مسلحة في الأراضي السورية. وساعدها على ذلك وقوع أعمال عنف مسلحة وتصفية جسدية على خلفية مذهبية بين بعض تلك الجماعات الجهادية السنية وبعض التجمعات من العلويين سواء من المدنيين أو المقاتلين المدافعين عن النظام. وكان من شأن تلك المستجدات أن بلورت تدريجيا لدى إدارة أوباما، تحولا إيجابيا في التعاطي مع فكرة افساح المجال أمام ايران للعب دور أو بالأدق للإعلان عن حضورها القائم أصلا وقبولها طرفا أساسيا معترفا به ضمن أطراف الازمة.

من القيود التي ازدادت حدتها أيضا على القرار الأمريكي بشأن مستقبل سوريا. تفاقم غموض البدائل المحتملة في المستقبل القريب، اذ أصبح مستقبل سوريا أكثر غموضا وخطورة في آن واحد بعد انكشاف الانقسام المتعدد بين فصائل المعارضة على أكثر من محور (معارضة الداخل مقابل الخارج / المعارضة السياسية مقابل الفصائل المسلحة / الوطنية والقومية مقابل الطائفية والاممية) الأمر الذي يحد كثيرا من قدرة الولايات المتحدة على إيجاد بديل أو حتى وضع خارطة طريق واضحة لسوريا بعد الأسد، أو بالأحرى بعد الأزمة أيّا كانت مآلاتها.

ويتفرع عن هذا التحدي للسياسة الامريكية حزمة من المعضلات أو بالأدق المعادلات التي ينبغي على واشنطن حلّ ألغازها قبل صياغة توجهاتها المستقبلية إزاء دمشق. من أول وأهم تلك المعادلات ما يمكن وصفها المعادلة الإسرائيلية، بما تتضمنه من انعكاسات للأزمة السورية وما بعدها على مصالح واستقرار وأمن إسرائيل. بالطبع كانت إسرائيل حاضرة دائما في الحسابات الامريكية تجاه سوريا، وكان العامل الإسرائيلي أحد أبرز أسباب إحجام واشنطن عن التدخل المباشر في الازمة والامتناع عن الدفع باتجاه التخلص من نظام بشار الأسد بشكل عاجل. لكن مفاعيل هذا العامل أصبحت أكثر إلحاحا وحضورا في الخشية من الإطاحة بالأسد لحساب قوى معارضة غير متجانسة بل والموالي منها لواشنطن غير مسيطر فعليا على الأرض، بينما المسيطر منها يمثل خطرا على إسرائيل، في ضوء الخلفية العقيدية لمواقفها السياسية ومفهومها الاممي للدولة.

بالإضافة الى العامل الإسرائيلي هناك أيضا العامل الإيراني، وبعد أن كانت إيران قوة دفع سلبية في التقييم الأمريكي لمجريات الازمة، أصبح الدور الإيراني قابلا للتحويل الى فرصة وعاملا إيجابيا بالنسبة لواشنطن، في ضوء اقتراب الطرفين من تجاوز معضلة الملف النووي. وبالتالي ليس مستبعدا أن تشهد الازمة السورية في المرحلة القريبة تعاونا إيرانيا ولو جزئيا مع واشنطن. ويبقى بين الطرفين التفاوض والتفاهم حول حدود وأسس التعاون المحتمل بما لا يتعارض مع حسابات ومصالح الطرفين، وهو أمر ليس عسيرا في ظل وجود نقاط التقاء متعددة أبرزها الخشية من اسقاط النظام السوري الحالي، والرغبة في تجنب وقوع سوريا تحت سيطرة إسلاميين متشددين (سنّة)، وكذلك الحرص المشترك على عدم انفجار الأوضاع الإقليمية والتورط في حرب إقليمية أو مواجهات مفتوحة عابرة للحدود، إذ ليس لدى واشنطن ولا طهران استعداد ولا قدرة على تحمل أعباء هكذا حرب لا عسكريا ولا سياسيا ولا اقتصاديا.

وبعد أن كانت الازمة السورية أحد مداخل التوافق الأمريكي الإيراني في الملف النووي، أصبح ذلك التوافق بدوره عامل تهيئة وعاملا مساعدا على تحويل العلاقة بينهما في الازمة من تناقض كامل في المصالح والمواقف الى تقاطع ولو جزئي في الأهداف ومن ثم الوسائل والبدائل المحتملة للتسوية.

في ضوء تلك التعقيدات التي تحيط بخيارات واشنطن تجاه سوريا يمكن القول إن ما قد تبدو تحولات في المواقف الامريكية إزاء الازمة السورية، ليست كذلك في حقيقتها. فقد ظلت حسابات واشنطن محكومة باعتبارات داخلية وخارجية قيّدت فرصتها في التحرك بحرية سواء سياسيا أو عسكريا. وإن كان هذا هو الحال منذ بداية الأزمة، إلا أن تفاعلاتها وتطورات مواقف أطرافها خصوصا النظام السوري والمعسكر الداعم له، سمحت لواشنطن بالحفاظ على مواقفها داخل الإطار ذاته، وتجنب الاضطرار الى خوض مواجهة مسلحة مباشرة أو حتى السماح باتساع نطاق المواجهات داخل سوريا.

وعلى تلك الخلفية وأخذا في الاعتبار أن ثمة استحقاقات متوقعة خلال العام الجاري (2014) من أهمها الانتخابات الرئاسية السورية وموعد انتهاء من تفكيك برنامج الكيماوي السوري، فضلا عن تزايد احتمالات عقد مؤتمر ”جنيف-2″ المقرر له 22 يناير الجاري، المتوقع أن تمضي السياسة الامريكية قدما في محاولة الدفع بالأزمة نحو حلول وتسويات سياسية تضمن حدا أدنى من الاستقرار في سوريا وحولها في الإقليم. وحال تعثر تلك الحلول فإن تعليق الموقف برمته وتأمين عدم انفلات الأزمة عسكريا خارج نطاقها الراهن سيكون هو الحد الأدنى الذي ستتمسك به إدارة أوباما حتى اشعار آخر، أو بالأدق حتى نهاية ولايته الرئاسية الثانية.

 

المصدر: ”شؤون عربية – العدد 156 – شتاء 2013″   

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق