تونسدراسات

من أجل حزب اشتراكي موحد و جديد في تونس: (مشروع للنقاش حول وحدة اليسار)

بيرم ناجي: 

إهداء: الى شهداء و جرحى الثورة التونسية


مقدمة:

برزت منذ مدة ، خاصة بعد ثورة 14 جانفي، فكرة توحيد اليسار الاشتراكي التونسي في جبهة سياسية و هو ما تحقق تقريبا في “الجبهة الشعبية”. و بعد ذلك بدأت بعض الأصوات تطالب من حين لآخر بالتوحد في حزب يساري تونسي واحد. و بعد نشري لمقال ” الوصايا العشر اليسارية الجديدة: مديح الانتهازية الثورية”(1) طلب مني أحد الرفاق القياديين في أحد الأحزاب اليسارية الكبرى التونسية المساهمة في هذه المسألة فقبلت الفكرة بترحاب لأنها حلم شخصي أيضا أفكرفيه منذ أواسط العقد الماضي. و لكن عندما سألت الرفيق هل توجد فكرة أولى لديهم أنطلق منها نفى ذلك و قال لي انه أعجب بمقالي المذكور أعلاه- رغم بعض التحفظات في شكل الخطاب” و طلب مني أن أكون “كاسحة ألغام ” تحطم “القوالب الجاهزة” و “المخططات المسبقة” ففهمت أن هنالك معوقات هامة داخل بعض الأحزاب .
و لكنه أضاف ” قم بذلك ولكن على شرط أن تفعل من داخل الفكر الماركسي” فكان جوابي ان فكرة ضرورة القيام بهذا “من داخل الفكر الماركسي” قد تكون هي نفسها من “القوالب الجاهزة” التي تعرقل تفكيك “المخططات القديمة” و انه ربما يكون محبذا – لكسر الألغام- الانطلاق من العلم في عموميته و من الاشتراكية في عموميتها. و أنا في الواقع ،رغم قناعتي التامة بضرورة بقاء الماركسية النقدية و الثورية رافدا أساسيا من روافد اليسار، أكاد أعتقد انه من المستحيل تقريبا توحيد اليسار في حزب واحد من داخل الفكر الماركسي لأن بنية النسق الماركسي- (اللينيني – التروتسكي – الماوي خاصة ) و ميراث الماركسية و الماركسيين التونسيين التاريخي الطويل و الثقيل لن يسمحا بذلك.
ترددت بعدها في كتابة العمل “المطلوب مني” لأنني لا أعتبر نفسي ماركسيا أرثوذكسيا و قد لا أكون ناجعا في المهمة المطلوبة اذن . و لكنني قلت في نفسي لعله يكسح الألغام الماركسية العقائدية التقليدية نفسها و لعل اليساريين المستقلين مثلي ، وما أكثرهم حول الجبهة الشعبية، يستفيدون نسبيا منه و يفيدون به المنتمين الى الأحزاب اليسارية التقليدية فيساعد ذلك على تجددها ولو جزئيا في انتظار توحدها فقررت نشر البحث التالي.
لقد قررت المساهمة في المشروع من منطلقين: نظري و عملي:
نظريا، أنا مقتنع انه من الضروري التوحد انطلاقا من العلم الأرحب من “المادية الجدلية و المادية التاريخية” الذين اعتبرهما رصيدا نقديا و ثوريا عظيما يمكن التفاعل معهما تجاوزيا ولكن ايجابيا .و مع ان هذا المنطلق قد يصعب مسألة “كسح الألغام” الا أنني لا يمكن أن أنخرط في مشروع الا اذا كنت من أشد المقتنعين به و المتحمسين اليه.
عمليا ،أنا أؤمن بذلك الشعار القائل “طالب بالأقصى عساك تحصل على الأدنى” و لذلك سأطالب بأقصى ما أراه ضروريا من توحد كل الاشتراكيين و سأكون سعيدا لو ساهمت بتحقق و حدة بعضهم فقط و لا غير.
هذه اذن مقترحاتي المختصرة التي أرجو أن تكون مفيدة في بدء النقاش على الأقل. و أرجو أن يتم ذلك كله على صفحات موقع ” الحوار المتمدن” حتى يكون متاحا لكل الرفاق التونسيين التفاعل معه و عساه أن يفيد الرفاق اليساريين العرب أيضا و الذين سنكون سعداء جدا لو تفضلوا بمشاركتهم ليساهموا في توحدنا في تونس و في توحدهم في أقطارهم بانتظار التنسيق التنظيمي المشترك المأمول .

أولا: في ذهنية و مسلكية التوحيد:

ان وحدة اليسار التونسي في حزب واحد اليوم مسألة على غاية من الأهمية تفرضها ضرورات موضوعية و ذاتية كثيرة لعل أهمها الخطر الاسلامي. لكن البدء في نقاش الوحدة يتطلب منا جميعا أمرا مهما للغاية يمكن وصفه بما يشبه “القطيعة الابستيمولوجية” الضرورية للتجديد و التوحيد.
فاذا تركنا جانبا مسألة التوحد الجبهوي. فان فكرة توحيد اليسار كانت دائما ترتبط بفهوم “الهيمنة الفكرية و السياسية و التنظيمية” لتوجه ما على التيارات الأخرى على قاعدة “النضال ضد الانتهازية” و “بلشفة الأحزاب” وغيرها من الأفكار. واذا كان المفكرون في حزب يساري موحد لا زالوا يؤمنون بهذا فأقل ما أقوله لهم انهم غير معنيين بهذا المقترح تماما.
ان توحيد اليسار الاشتراكي في حزب واحد يتم التفكير فيه أيضا ، في بعض الأحيان، من باب تلفيقي في فترات الضعف أحيانا .و ليس هذا هدفنا رغم ان الظروف الحالية قد تدفع اليه في الوطن العربي. و لكن هذا النوع من الوحدة لا يعمر طويلا اذا ازداد الضعف أو تنامت القوة لأنه غير مبدئي.
اننا نعتقد انه اذا كانت هنالك رغبة حقيقية في بناء حزب يساري موحد قابلة للحياة فعليها أن تكون جديدة مقارنة بالتصورات الوحدوية القديمة و أن تعتمد على الأقل على أساسين لا غنى عنهما:
-أساس نظري: جوهره تركيبي تأليفي يقطع مع فكرتي الهيمنة و التلفيق في نفس الوقت. و لكن هذا التصور التركيبي – التأليفي الجديد يحتاج الى تجديد فعلي للمنظور اليساري ( الباراديغم) بحيث يكون المنظورالجديد تجاوزا ايجابيا لكل التصورات السابقة يهضمها ايجابيا دون تلفيق و دون تغليب أحدها على الآخر بحيث نحصل على تصور جديد تماما و لكنه يتطلب تضحيات من الجميع فكريا و سياسيا و تنظيميا بل و نفسيا.
اذا اكتفينا بالميل النفسي الى الوحدة فقط فسنفشل .و اذا شعر بعضنا انه يتنازل أكثر من غيره في سبيل الوحدة فقد نفشل. اما اذا صغنا تصورا يتنازل فيه الجميع لخلق شيء جديد تماما و لكنه مشترك فعليا فعندها يمكن أن نتقدم و ننجح لأن التوحد في السياسة كما في العشق – وليس في الحب العذري ولا في الزواج- لا يقبل الخضوع .و اليساريون الحقيقيون عشاق حرية عنيدون حرونون لا يخضعون حتى لبعضهم البعض كلما تعلق الأمر بقيم العقل و العدل و الحرية.
أساس عملي: نعتقد انه التصور التشاركي الديمقراطي بين الجميع أحزابا و منظمات و حلقات و أفرادا لا يؤدي بالأقوياء الى الهيمنة و الاقصاء و لا بالضعفاء الى السلوك “الدخولي”.
اذا جمعنا بين الأساسين ، وهذا يتطلب في البداية استعدادا نفسيا و ذهنيا حقيقيا يقطع ايجابيا مع “المخيال” اليساري القديم، فانه من الممكن وقتها البدء فعلا في بناء حزب اشتراكي موحد جديد على أسس اشتراكية ديمقراطية تتطلب الآتي حسب رأينا.

ثانيا : في تعريف المشروع:

لا معنى لحزب اشتراكي تماما اذا كان ليس معاديا للرأسمالية مناضلا من أجل تجاوزها باتجاه نظام اشتراكي انساني جديد.
ان هذا الحزب لن يكون شكلا جديدا من الاشتراكية الدمقراطية التي تنتهي بقبول الرأسمالية. هذه هي الفكرة الأساسية الأولى التي لا تنازل عنها و التي تمثل القاسم المشترك بين الجميع. في المقابل ليس مطلوبا من مناضلي هذا الحزب الاتفاق حول مواصفات ما بعد الاشتراكية. ان الرأسمالية العالمية مازال لديها من العمر الكثير و ان النضال في سبيل الاشتراكية على المستوى العالمي قد يستغرق قرونا و ليس من المفيد نظريا و عمليا في شئ الآن انقسام الاشتراكيين حول ملامح مجتمع ما بعد الاشتراكية الشيوعي مثلا . و لكن الحزب الاشتراكي الجديد لن يمنع الشيوعيين من دخوله اذا قبلوا أرضيته الفكرية و برنامجه السياسي و مبادئه التنظيمية بل بالعكس فانه يتوجه اليهم هم بالأساس ليتحدوا لأنهم راس حربة النضال ضد الرأسمالية منذ أكثر من قرن ونصف. ان المهم الآن هو توحيد كل الاشتراكيين ضد الرأسمالية التي تواصل وتعمق و تجدد الاستغلال الاقتصادي و التمييز الاجتماعي و الاستبداد السياسي و الاغتراب الثقافي و الظلم الامبريالي الاستعماري.
ان الانتصار المؤقت للرأسمالية و الهزيمة المؤقتة للاشتراكية ليسا أزليين. ان الرأسمالية ليست “نهاية التاريخ” و ان تناقضاتها الكبرى لا تزال موجودة رغم تحولها الكبير خاصة مع العولمة .و ان دراسة تلك التناقضات تتطلب تجديدا ايجابيا لعلم الاقتصاد السياسي و الاشتراكية العلمية معا.
ان العالم لا يزال يعرف التناقض بين راس المال والعمل و بين الرأسماليين فيما بينهم و بين الامبريالية و الشعوب المستعمرة و التابعة و بين الراسمالية و الاشتراكية العائدة بتجربة خصوصية في أمريكا اللاتينية رغم تغير كل هذه التناقضات معا في المضمون و الشكل و بصورة كبيرة جدا.
ان الانهزام المدوي للاشتراكيات التاريخية لم يمنع تمرد نصف قارة بكاملها ضد الرأسمالية العالمية و ان في ذلك لدليل ليس فقط على نبل الهدف بل على امكانية تجديد تحققه و ان بطرق جديدة.
لم تنهزم الاشتراكية فقط لأنه كان عندها مشاكل في النظرية و في التطبيق بل كذلك بفعل التدخل الرأسمالي العالمي .و ليس المطلوب اليوم الاكتفاء بجلد الذات النظرية أو العملية و لا بالتحليل التآمري الخارجي للتاريخ. ان المطلوب هو النقد الذاتي النظري و العملي لتحمل المسؤولية دون نسيان دور الرأسمالية في هزم الاشتراكية التاريخية .و كل تركيز أحادي على جانب دون آخر هو هروب من جوهر المسألة.
لم تكن النظرية خاطئة بكاملها و لكنها لم تكن صحيحة بكاملها. و لم تكن التجربة خاطئة بكاملها و لكنها لم تكن سليمة بكاملها .و لم تنهر الاشتراكية فقط لأسباب داخلية أو فقط لأسباب خارجية أيضا.
ان القائلين بأن النظرية كانت صحيحة و لكن التجربة وحدها كانت خاطئة واهمون مثل القائلين بأن انهيار الاشتراكية كان فقط لأسباب داخلية أو فقط لأسباب خارجية.
ان محاولات الرأسمالية لتدمير أي نفس اشتراكي ، مهما كان رديئا، بديهية و لذلك فعلى الراغبين في التفكير في حزب اشتراكي جديد أن ينتبهوا أولا الى المشاكل النظرية و العملية الذاتية و يشرعوا في معالجتها حتى يجددوا و يدعموا المناعة الاشتراكية ضد الخطر الرأسمالي. و ان أهم هذه المشاكل على الاطلاق هي الدوغمائية النظرية و العملية و نتائجها المرتبطة بالوحدة الايديولوجية العقائدية المطلقة في الحزب الواحد و الطبقة العاملة و سياسة الحزب الواحد و بيروقراطية الدولة و عبادة الانتاج الضخم و نمذجة التجارب الاشتراكية القومية و فرضها عالميا مما أدى الى أزمات داخل الحركة الاشتراكية العمالية و في كل بلد اشتراكي وداخل المعسكر الاشتراكي بسبب صراعات بين الفوضوية و الماركسية ثم بين الماركسية و الاشتراكية الديمقراطية ثم بين الستالينية و التروتسكسية و بين الروس و اليوغسلاف ثم الصينيين و الألبانيين ،الخ.
اذا كنا نريد تأسيس حزب اشتراكي موحد فيجب أن يكون جديدا و “لنبدأ التنظيف أمام بيتنا أولا” .و لكن فلنفعل ذلك في خضم النضال المشترك ضد الرأسمالية و “دون رمي الرضيع مع الغسيل الوسخ”. و ان هذا يتطلب منا سلسلة من القطائع النظرية و البرنامجية السياسية و التنظيمية ومعها البشرية أيضا طالما ان “الانسان هو أثمن رأسمال” و ان ” البشر هم صانعو تاريخهم”.
و قبل المرور الى القطع الأول المطلوب لا بد من اضافة الأمر المهم التالي :
ان الاشتراكيات التاريخية كلها تقريبا، وخاصة الشيوعية منها، أعلنت نفسها اشتراكيات بروليتارية تحديدا بسبب تحليلها لدور البروليتاريا الصناعية. و لكننا نعتقد ان ذلك كان “خطيئة كبرى” نظرية و عملية. ان الاشتراكية البروليتارية هي خطيئة المرحلة الصناعية المضادة في تطور الرأسمالية و هي الخطيئة التي لم ترتكبها البورجوازية التي لم تصغ ، مثل الاشتراكيين ، أنساقا مغلقة تمدح البورجوازية الصناعية دون غيرها من البورجوازيات الزراعية و الربوية و التجارية و المالية و الخدماتية و غيرها. ان البورجوازية بكل شرائحها تحمي الرأسمالية و ان الاشتراكية يجب أن تتوجه الى كل العمال دون تمييز في نضالها ضد الرأسمالية سواء كانوا عمال الانتاج المادي أو الخدماتي أو الفكري. بل انها يجب أن تعيد الاعتبار الى العاطلين عن العمل قبل غيرهم لأنهم لا ينالون من الرأسمالية حتى “شرف الاستغلال”.
أن الاشتراكية الجديدة عمالية بالمعنى العام المرتبط بكل العمال الأجراء الذين يستغلهم رأس المال بمختلف أشكاله و الذين يختلفون عن أصناف أخرى من الأجراء الآخرين بكونهم يرتبطون مباشرة بعمليا ت تنفيذ الانتاج و التبادل و الاستهلاك بينما أصناف أخرى من الأجراء ترتبط بعمليات تصميم و ادارة تلك العمليات لصالح البورجوازية . و ان هدف الاشتراكية الجديدة هو كسب هؤلاء الأخيرين ( المهندسون و الاداريون و غيرهم) و معهم العاطلون عن العمل و الفئات الفقيرة و المتوسطة من الحرفيين و التجار و الفلاحين بوصفهم جميعا ضحايا الرأسمالية الكبيرة.
ان الطبقة العاملة طبقة موحدة و لكنها متنوعة التركيبة الاجتماعية و متحولة تاريخيا مع تحول الرأسمالية و هي في عمومها القوة التي لها المصلحة الأكبر في الاشتراكية .و لكنها لن تستطيع القيام بذلك الا اذا تكونت حركة عمالية جديدة توحد بين قسم هام من المثقفين و التقنيين و الاداريين مع عموم العمال و العاطلين عن العمل و الفئات الفقيرة و المتوسطة.
ان الاشتراكية البروليتارية هي شكل تاريخي من أشكال الحركة العمالية مثلما اليبيرالية الصناعية هي شكل تاريخي من اليبيرالية البورجوازية. ان ماركس و برودون هما آدم سميث- دافيد ريكاردو العمال و لكن البورجوازية التاريخية و الطبقة العاملة التاريخية أمران آخران.
مثلما تحولت البورجوازية تحولت الطبقة العاملة و البروليتاريا التي وصفها ماركس تكاد تنقرض في بعض البلدان المتقدمة تكنولوجيا و ماليا و خدماتيا و ذلك ميل عام في كل بلدان العالم ولو بدرجات متفاوتة.
ان الاشتراكية الجديدة هي اشتراكية عمالية جديدة متأقلمة مع تجدد الرأسمالية و مع تجدد الطبقة العاملة على حد السواء .و هي لا تخون البورجوازية الصغيرة كطبقة بكاملها بل تدعوها الى التحالف الديمقراطي مع العمال ضد البورجوازية الكبيرة التي هي سبب البلاء الأول و ذلك ضمانا لوحدة عالم العمل الجسدي و الذهني التي بدونها لا تقوم لمجتمع قائمة.
لهذا فان الدفاع اليوم عن الاشتراكية و معارضة الرأسمالية يجب أن يتجددا تماما في الرؤية و الوسائل و الا فانه سيصبح شعبويا بروليتاريا يشبه الشعبوية الفلاحية التي كانت سائدة سابقا و لذلك لا بد من القطائع التالية.

ثالثا: في القطع النظري:

أن أول ما يجب القيام به هو القطع النظري الذي يجب ألا يفهم منذ البداية انه عدمي وعكس الوصل .
ليس مطلوبا من الحزب الاشتراكي الموحد أن يتبنى الماركسية – بكل اشكالها – مع انها تبقى الخزان النظري و العملي الاشتراكي الأساسي. و ليس مطلوبا أن يتبنى الفوضوية ،الخ بل المطلوب أمر آخر جديد يستفيد مما سبق فلا يلغيه و لا يقدسه.
ان الحزب الاشتراكي هو أساسا حزب سياسي و ليس مدرسة فلسفية أو كنيسة أو طائفة. لكن الحزب الاشتراكي يؤمن بالعلم كأفضل مرشد للعمل .و لذلك فان مرجعيته النظرية هي العلوم الطبيعية و الصحيحة من ناحية ( مع انفتاح على تنوع العلوم و مدارسها حتى في الميدان الواحد) و العلوم الانسانية و الاجتماعية- ولكن النقدية- من ناحية ثانية. أي تلك التي تساعد على فهم المجتمع نقديا و تغييره ثوريا في اتجاه اشتراكي انساني جديد.
ان الحزب الاشتراكي الجديد يستند الى العلوم في تنوعها و انفتاحها و نسبيتها و نقديتها الانسانية و عليه ألا يعبد أية فلسفة أو نظرية بعينها ليحولها الى منظومة نسقية مغلقة تشبه العقيدة.
ان العلم الطبيعي نفسه يحتمل الاختلاف في النظريات داخل ميدان واحد كعلم الأحياء أو الفلك أو غيرهما و يعيش و يتطور بفضل تنوع و تحاور تلك النظريات داخله و يتجاوزها ايجابيا باستمرار فما بالك بالفلسفة وعلوم الانسان و الاجتماع. ليس قدرا على هذا الحزب أن يكون ماركسيا لينينيا أو تروتسكيا أو ماويا أو فوضويا بردونيا أو غير ذلك. ان المطلوب منه هو الاستفادة من كل العلوم الطبيعية و كل النظريات الفلسفية و الاجتماعية النقدية و الثورية لفهم الطبيعة و المجتمع و تحويلهما اشتراكيا لصالح الانسانية.
ان الحزب الاشتراكي الجديد ، بهذا المعنى، ليس حزبا يساريا عقائديا كلاسيكيا بل هو أقرب الى فكرة الحزب العلماني و لكن الاشتراكي. أي المستند الى العلوم الطبيعية والفلسفة و العلوم الانسانية و الاجتماعية النقدية و الثورية .
ليس مطلوبا ان يستند الحزب على المادية الجدلية و المادية التاريخية حصرا ، مع انه يستفيد منهما، بل أن يستفيد من كل النظريات المادية – و العلم مادي بطبيعته- و من الجدلية و البنيوية و نظريات التعقيد و الشواش و الاحتمال و التحليل النسقي المفتوح و كل المنهجيات العلمية المتنوعة التي تحاول كلها الاحاطة بالواقع الطبيعي و الاجتماعي ماديا و علميا.
المهم هو الانفتاح على كل الانتاج العلمي الطبيعي من ناحية و الفلسفي و الاجتماعي ، الذي تحتل الماركسية و الفوضوية مكانة مرموقة فيه، من ناحية ثانية.
ليس المطلوب اليوم تحويل ماركس الى نبي حامل للحقيقة المطلقة و الرسالة الخالدة و لا النظر الى لينين و تروتسكي و ماو وروزا و كأنهم حواريين أو خلفاء راشدين الى درجة النظر اليهم أحيانا كما ينظر البروتستانتي الى النبي عيسى من خلال كالفن و كما ينظر الشيعي الى الرسول محمد من خلال الامام علي. فليكن الاشتراكيون داروينيين أو داروينيين جددا ، مثلا، و ليكن من صفوفهم من يستفيد من ماركس و برودون و فرويد و رايش و من ليفي شتراوس و سارتر وادغار موران و من بورديو و من شومسكي و فايراباند و نيغري و من هشام جعيط و عبدالله العروي و ادوارد سعيد بل و من موسى و عيسى و محمد و بوذا و زرادشت و غيرهم و لكن من منظور علمي أولا وعلماني ثانيا و اشتراكي ثالثا.
ان الحزب الاشتراكي الجديد ، لو قام بهذا، سيفسح المجال فعلا للفكر الاشتراكي كي يصبح “الوريث الشرعي لخير ما أبدعته الانسانية ” وقد يلف حوله ، دون نزعة عضوية لينينية –ستالينية – جدانوفية ،و لا حتى غرامشية ، بعضا من خيرة العقول التونسية في العلم و الفلسفة و الفكر عموما.
ان الحزب الجديد يجب أن يكون ، من الناحية النظرية، “عالما ( بكسر الميم) جماعيا” ، و ليس “مثقفا جماعيا” كما جرت العادة على تسميته كلاسيكيا ،و ذلك بمعنى انه ليس مطلوبا من مفكري و مناضلي الحزب ان يتفقوا على نظرية واحدة في الطبيعة و المجتمع و الفكر و منهج واحد للبحث فيصبحون “مثقفا جماعيا” .بل عليهم أن يكونوا عالما جماعيا يسمحون ، مثل العلماء، بتقديم فرضيات و نظريات و مناهج علمية مختلفة في فهم و تحويل الطبيعة و المجتمع و الفكر مع الاتفاق الديمقراطي على نفس البرنامج السياسي العام. و اذا تحول الحزب الى عالم جماعي فانه سوف يسمح ليس فقط بتنوع الفرضيات و النظريات و المناهج بل كذلك بعمليتين أخريين ، مع المحافظة على وحدة البرنامج السياسي، و هما:
– – عدم تحنيط أي مجهود نظري تأليفي تاريخي مثل التأليف الماركسي المادي الجدلي و التاريخي بين الفلسفة و العلوم و الممارسة الاجتماعية بل السماح بمحاولات تأليفية جديدة ولكن على قاعدة علمية فلسفية نقدية و ثورية جديدة.
– – عدم رفض التخصص النظري و العلمي بل تشجيعه الى أقصى حد طالما انطلق من فرضيات و نظريات و مناهج علمية و نقدية ثورية، مهما اختلفت.
– بهذا يسمح الحزب الاشتراكي الجديد بالتفاعل الجدلي الأكثر رحابة و مرونة بين نزعتي التأليف الموسوعية و التخصص الدقيقة و عندها فقط يصبح جزءا من حركة الابداع الانساني النظري و العلمي و العملي الثورية و يكف عن التحول الى حزب يعلن تبني العلم و الحرية نظريا و يمارس الشمولية فعليا.
– و لكن هذا يتطلب أيضا قطعا في مستوى البرنامج السياسي الاشتراكي الجديد.

رابعا : القطع البرنامجي الاشتراكي:

ان القطع الثاني الواجب تحقيقه بعد القطع النظري هو القطع السياسي الاشتراكي من خلال برنامج اشتراكي ديمقراطي انساني جديد.
ان أخطر فكرة عانى منها اليسار هي نمذجة تجارب معينة و عبادة سياسات محددة و تحويل كل الاجتهادات الى مبادئ جامدة أدت الى الصراعات بين ستالين و تيتو ثم بين ماو و السوفيات ثم الألبانيين و الصينيين و قبل ذلك بين التروتسكية و الستالينية و وصل الأمر الى درجة التقاتل حتى حول نسق تسريع الانتاج الزراعي كما حصل بين ستالين و بوخارين الخ.
ان أهم فكرة يمكن التمسك بها هي انه من الممكن في الواقع توخي سياسات مرنة و عملية في التحويل الاشتراكي تعترف بالمبدأ الديمقراطي حتى لا تتحول الاشتراكية الى دكتاتورية شمولية و لكن دون السقوط في الليبيرالية التي تؤدي الى سيطرة الرأسمالية. و على سبيل المثال يمكن التفكير في البرنامج الاشتراكي كما يلي:
ان نقطة انطلاق هذا البرنامج لا بد أن تعتمد التصور الديمقراطي الانساني من أجل مشركة مبادئ حقوق الانسان العالمية و ذلك بتحويلها من مبادئ نظرية ،تبرع البورجوازية في التنكر لها عمليا، الى حقيقة واقعية. ان الحزب الاشتراكي الجديد يناضل من أجل تعميق دمقرطة التمتع بحقوق الانسان في الرأسمالية نفسها و لكنه، بسبب كونه لا يحمل أوهاما حول الرأسمالية، يسعى الى ارساء النظام الاشتراكي الديمقراطي الانساني الذي يعترف نظريا و عمليا و للجميع بكل حقوق الانسان المعروفة، بما في ذلك حق الملكية ، ناهيك عن الحيازة،و يخضعها فعليا الى المصلحة العامة أكثر ما يمكن ، و من أجل ذلك لا بد أن يرتكز البرنامج السياسي الاشتراكي على المبادئ التالية باختصار:
-اعتماد طرق ثورية ديمقراطية “جديدة” لتحقيق المجتمع الاشتراكي الانساني محورها الثورة السلمية من خلال الانتخاب و الاضراب العام و العصيان المدني و تجنب الثورة المسلحة التي قد تتحول الى كارثة أحيانا بالتحول الى حرب أهلية طويلة و مدمرة و كذلك التي عادة ما تعطي السلطة للبيروقراطية العسكرية و المخابراتية و الأمنية .و لكن حمل السلاح قد يصبح ضرورة في حالة التدخل الخارجي المسلح من أجل تحرير الوطن. كما ان الثورة السلمية تتطلب شرطا أساسيا و هو النضال منذ الآن من أجل دمقرطة المؤسستين الأمنية و العسكرية من خلال الاعتراف بحق الانتخاب و التنظم النقابي لرجال الأمن و الجمارك و حق الجنود في المشاركة في ادارة الثكنات من خلال ممثليهم و غير ذلك من الاجراءات الممكنة.
-الاقرار بالديمقراطية السياسية الاشتراكية و ضمان كل الحقوق و الحريات السياسية و الاعتراف بالتعددية السياسية في الاشتراكية لكل الأحزاب الاشتراكية أولا و حتى لغيرها شرط عدم استعمالها العنف للتغيير و عدم الارتباط بالخارج. و كذلك الاعتراف بالتعددية الاجتماعية للتنظيمات و الجمعيات و غيرها و كل هذا سيساعد على توفير الحرية و التداول السلمي الاشتراكي على الحكم.
من ناحية ثانية لا بد من المراوحة بين الديمقراطية التمثيلية على المستوى الوطني و الديمقراطية المباشرة على المستويات المحلية من ناحية ثانية أو اعتماد مبدأ التمثيل المزدوج وطنيا نصف النواب تمثيليا و نصفهم بالتفويض من الهيئات المحلية الخاضعة للديمقراطية المباشرة و الذين يمكن سحب الثقة منهم بسهولة و اعتمادهم في مراقبة الممثلين الوطنيين و ربطهم مباشرة بالمؤسسات الانتاجية لمختلف الطبقات الشعبية أو غير ذلك. و لا بد من توسيع مكانة الاستفتاء الشعبي في التشريع و الحد من الامتيازات المالية للنواب بربطها بالأجر العمومي الأوسط مثلا و كذلك توسيع مبدأ المساءلة و تسهيل آليات سحب الثقة من النائب الخ.
من ناحية ثالثة لا بد من اعادة صياغة المهام التنفيذية للدولة باتجاه الحفاظ على استقلالها و لكن بتبسيطها و الحد من طابعها المركزي لتشجيع اللامركزية السياسية و المراوحة بين التسيير الاداري المركزي و التسيير الذاتي و تطوير المراقبة العمالية و الشعبية من أسفل و عبر حرية الاعلام و مكونات المجتمع المدني الاشتراكي.
رابعا المزج بين القضاء الرسمي و القضاء الشعبي ( و تجنب تجربة المحاكم الشعبية الكارثية) من خلال الاكتفاء بآلية التحليف مثلا و الحفاظ التام على استقلال السلطة القضائية من خلال مجلس القضاء الأعلى الذي ينتخب من القضاة وبمساهمة السلطة التشريعية و بشرط وجود اغلبية منتخبة قضائيا.
بصفة عامة تجنب فكرة الدمج بين السلط التشريعية و التنفيذية و تجنب تجربة المحاكم الشعبية التي سادت في الاشتراكيات التاريخية و لكن عدم الاكتفاء بالبرلمانية البورجوازية بل المزج الخلاق بين الشكلين و لكن بمحتوى اشتراكي ديمقراطي جديد.
-تجنب عبادة الانتاج الكبير اقتصاديا و تشجيع الاقتصاد التعاوني المسير ذاتيا و عدم الغاء الملكية الصغيرة و المتوسطة و تحديدها و مراقبتها من خلال آليات تحديد الملكية و الأسعار و الأجور و الضرائب التصاعدية و المراقبة العمالية .أي بآختصار السماح بازدواج الملكية الاشتراكية مع الملكية الصغيرة و المتوسطة التي عايشت كل انماط الحياة الاقتصادية التاريخية دون أن تسيطر مع الحرص على تجنب السياسات المتطرفة تجاه الطبقات الوسطى و استعمال آليات التحفيز و الاقناع لضمان تواصل التحالف العمالي الفلاحي الحرفي التجاري البسيط و المتوسط.
– الاقرار التام بمبادئ الحقوق الاجتماعية الضامنة للمساواة و الرافضة لأي شكل من التمييز الاجتماعي على أساس الجنس أو اللون أو الدين أو القومية أو أي عنصر آخر و اعتماد آلية التمييز الايجابي مؤقتا كلما كان ذلك ضروريا بهدف الاقتراب الأقصى من المساواة التامة بين الجميع على قاعدة الاشتراكية الانسانية.
-الاقرار بكل الحقوق الفكرية و اللغوية و الثقافية و الدينية للجميع و ذلك باقرار حريات حقوق التعليم وحريات الفكر و التعبير و الصحافة و النشر و الطباعة و التوزيع و الاخبار و الاتصال و الاختراع التقني و البحث العلمي و الابداع الفني و تجنب السياسات الثقافية الشوفينية و الشمولية و غيرها في اطار ديمقراطية ثقافية اشتراكية.
-اقرار سياسة بيئية جديدة تكون موجهة لمنوال التنمية الاشتراكي الديمقراطي الانساني الدائم و العادل و الشامل بحيث توضع المسائل البيئية في جوهر البرنامج باعتبارها مسائل تنظم علاقة الانسان بالطبيعة و بالمجتمع و قد تصبح مسألة حياة أو موت بالنسبة للانسانية جمعاء بسبب التطور العلمي و التكنولوجي الحديث.
– اعتماد سياسة خارجية أممية انسانية فعلا لا تهدف الى فرض نماذج اشتراكية و طنية على الآخرين و لا تقبل الخضوع للخارج و اعطاء المثال على ذلك من خلال سياسة قومية و ثقافية ديمقراطية اشتراكية انسانية مع الأقليات القومية و الثقافية المحلية.

ان النتيجة الأساسية التي يمكن أن نخلص اليها هو انه من الممكن الاستفادة من ناحية من الارث الديمقراطي الليبيرالي الذي به نقاط ايجابية كبيرة من و من الارث المشترك للاشتراكيات التاريخية التي كثيرا ما تصارعت حول مسائل سياسية عملية وحولتها الى مبادئ محنطة أدت الى انشقاقات داخل الدولة الاشتراكية الواحدة و في المعسكر الاشتراكي ككل.
ان الاشتراكية الجديدة عليها ان تسلك سلوكا مبدئيا في المشركة الديمقراطية و أن تسلك براغماتيا و عمليا في ما دون ذلك حسب الخصوصيات التاريخية للبلدان و حسب موازين القوى و غيرهما.
و لكن المشكل بين اليساريين التونسيين لم يظهر فقط في تصور الاشتراكية و العلاقة بتطبيقاتها بل كذلك في البرنامج الوطني الديمقراطي.

خامسا: البرنامج الوطني الديمقراطي الجديد:

اذا أردنا توحيد اليسار الاشتراكي التونسي اليوم فلا بد اذن من تجديد رؤيتنا للمهام الوطنية الديمقراطية على الأقل من الزوايا التالية:
يجب تجاوز فكرة الربط الميكانيكي بين “طبيعة المجتمع” و “طبيعة الثورة”.ان اليساريين في أوروبا مثلا يتفقون جميعا حول “طبيعة المجتمع” الراسمالية و “طبيعة الثورة “الاشتراكية و لكنهم منقسمون بسبب الدوغمائية و الخطية الاشتراكية القاتلة.
و اننا نختلف حول “طبيعة المجتمع” و مع ذلك نتوحد أخيرا في “الجبهة الشعبية” من حسن حظنا و هذا يجب البناء عليه الآن و فورا.
ان الاختلاف حول توصيف تونس كبلد شبه مستعمر أو تابع و حول مدى ثقل العلاقات الاقتصادية ما قبل الرأسمالية في الريف يمكن قبوله في نفس الحزب اذا تم الاتفاق بمرونة حول نفس البرنامج السياسي. و هذا ممكن بشرط التفكير بطريقة جديدة براغماتية عملية ثورية. المهم هو أن الجميع متفق حول ضرورة تحقق الاستقلال الوطني التام و الاصلاحات الديمقراطية الجذرية المطلوب تحقيقها في المجتمع .و ليس مطلوبا أن يكون ذلك الاتفاق نفسه مطلقا الا اذا كانت ذهنيتنا ما تزال يسارية تقليدية.
ليس المهم الاتفاق حول وزن العلاقات ما قبل الرأسمالية في الريف بل المهم الاتفاق حول ضرورة كسب الفلاحين ( مهما كان عددهم و العلاقات التي يعملون فيها) الى الثورة و تقديم برنامج زراعي ثوري و لكنه مرن يراوح بين التأميم و التقسيم و تشجيع الانتاج التعاوني و الانتاجين الفقير و المتوسط حسب ضرورات اقتصادية سياسية عملية. اذ لا معنى أبدا للمعارضة المبدئية بين التأميم و التقسيم و بين الانتاج التعاوني و الانتاج الصغير و المتوسط. ان المهم هو عزل كبار الملاكين العقاريين في الريف و كسب البقية للثورة.
ليس المهم الاتفاق النظري حول توصيف درجة التبعية و شكلها في البلد بل المهم الاتفاق حول كيفية تصفية التبعية عمليا بالمرونة الممكنة في الظروف الدولية المعقدة التي نوجد فيها.
ليس المهم الاتفاق النظري حول عمق الاصلاحات الديمقراطية الممكن تحقيقها مبدئيا في ظل “نظام لا وطني و لا ديمقراطي و لا شعبي” بل المهم هو الاتفاق حول النضال الفعلي من أجل تحقيق أكثر ما يمكن تحقيقه من تلك الاصلاحات و التوحد من أجل ذلك.
ليس المهم الاتفاق النظري المطلق حول الحدود الدقيقة الفاصلة بين الوطني و الديمقراطي بل المهم الاتفاق العملي السياسي حول ربط هذين النضالين ببعضهما دائما و لكن بكامل المرونة المطلوبة حسب تطور الأحداث.
ان الحزب الاشتراكي الجديد لا بد أن يتبنى برنامجا مرحليا وطنيا ديمقراطيا يجمع بين جذرية الهدف و مرونة الوسائل و التحالفات المؤدية الى تحقيقه .و ليختلف المختلفون نظريا مثلما أرادوا طالما بقي خلافهم النظري حوارا رفاقيا لا أحد يدعي فيه امتلاك الحقيقة المطلقة و لا يعرقل النضال المشترك من أجل تحقيق تلك الأهداف.
ان أهم دليل على ما نقوله مثلا هو التالي :
لقد كنا دائما نختلف حول وزن العلاقات ما قبل الرأسمالية و نوعها في الريف التونسي و كان البعض منا يركز على أهمية مسألة الفلاحين بينما يركز الآخرون على دور عمال الزراعة في الريف. و لكن لا هؤلاء و لا أولئك نجح الى اليوم في أن يكون له موطأ قدم في الريف و لا بد اليوم من تعويض الصراع النظري حول الريف بالتوجه العملي اليه لتثويره ما أمكن طالما أنه لا أحد يناقض بين العامل الزراعي و الفلاح الفقير و المتوسط. فحتى من يطالبون من الرفاق التروتسكيين بالثورة الدائمة لا يطرحون سوى برنامجا انتقاليا لها لا يعادي لا الفلاح الفقير و لا المتوسط.
ان الصراعات بين أنصار نمط الانتاج الآسيوي و شبه الاقطاعي و الرأسمالي التابع لم تساهم الا في الحفاظ على الخطية و الحرفية الحلقية الضيقة و لم تؤد بأي طرف الى عمل شيء ما في الريف. فلنغير زاوية النظر و العمل و لنذهب الى الريف و نتصل بسكانه الذين لا يكاد يهمهم خلافنا النظري في الاقتصاد السياسي و لندفعهم الى الحراك الثوري الديمقراطي الفعلي و ليناقش المنظرون برفاقية تلك المسائل بشرط ربط النقاش بمقتضيات النضال الفعلي في الريف و ليس بالاقتتال حول تأويل هذه الجملة أو تلك عند أحد الآباء المنظرين.
ان فصائل اليسار التونسي تكاد تقتتل ،مع الأسف، من حين لآخر حول تسميات وتفاصيل المهام الاشتراكية و الوطنية الديمقراطية المطلوبة في تونس و لكن مثل العشاق المتفانين في النضال خدمة للحبيبة الواحدة و لكن المختلفين فقط حول القصائد التي ينظمونها في مدحها ، و هي أحيانا مجرد قصائد في الحب العذري، مما دفعها الى الزواج من غيرهم في السابق و هي تكاد تتحول اليوم الى جارية عند نخاسي العصر.
لا بد من الانتباه ان الاصلاحيين الموحدين الذين ينجحون في تحقيق اصلاحات و لو جزئية تحقق بعض حاجيات الشعب أنجع سياسيا من الثوريين المناضلين فعليا و لكن المتفرقين و المختلفين حول أيها أجمل من بين المدائح الشعبية و الشعارات الثورية.
فلنكف عن هذا الحب شبه العذري للثورة و الوطن و لنكن موحدين تنظيميا في حزب واحد و عمليا من خلال برنامج واحد في مصلحة شعبنا ووطننا مهما اختلفت رؤانا في نظريات الحب الثوري لهما.
ان اليسار التونسي ، من بين كل الحركات السياسية التونسية، هو أكثر من برع في وضع الشعارات الثورية الى حد الآن. و لكنه كان دائما الخاسر الأكبر .و اننا اليوم لسنا في حاجة الى شعارات جديدة بل ، و نحن في ظرف استثنائي، الى برامج علمية دقيقة يشارك فيها خبراء حقيقيون في كل الميادين من الطاقات اليسارية و الوطنية و الديمقراطية و بالتالي علينا ان نفكر في مايلي:
– نحن لا نختلف في ضرورة تجذير الاستقلال الوطني و لكن علينا تقديم برنامج مرن لذلك في ظل العولمة المعقدة التي ليس من السهل فيها تقديم برامج وطنية كلاسيكية و بالتالي فلنتحد جميعا حتى نفصل ذلك و نضغط مع شعبنا من أجل افتكاك أكثر ما يمكن من الرأسمالية العالمية.
– نحن لا نختلف حول ضرورة تحرير الريف و لكن علينا أن نألف بين كل البرامج الزراعية بمرونة وفق حاجيات سكانه و ما يقتضيه الاكتفاء الغذائي الوطني من المواد الزراعية.
– نحن لا نختلف حول ضرورة اصلاحات ديمقراطية جذرية لصالح العمال و سكان المدن من الفئات الفقيرة و المتوسطة و لكن لا بد اليوم من دراسة دقيقة لساعات العمل اليومية أو الأسبوعية التي من الممكن المطالبة بها للعمال مثلا ( من الخطل المطالبة في تونس الآن بأسبوع عمل من 35 ساعة مثلا) و غيرها من الاصلاحات.
– نحن كلنا مع أوسع ما يمكن من الاصلاحات الديمقراطية السياسية في المجتمع و من الغباء تعويض النضال الفعلي من أجل ذلك بالتطاحن النظري المسبق حول ما هو قابل للتحقيق الآن. فلنناضل معا من أجل تحقيق أقصى ما يمكن و ما لن يتحقق يبقى شعارا مرفوعا لما يأتي من مراحل.
– نحن لا نختلف حول المساواة الاجتماعية التامة بين الناس فلنتوحد في النضال لتحقيق ذلك و لننجز أكثر ما يمكن منه و الباقي نواصل من أجله النضال لاحقا.
– نحن كلنا مع ثورة علمية و فكرية و فنية و علينا أن ننفتح على كل الطاقات الابداعية الوطنية بسياسة ثقافية وطنية و ديمقراطية و انسانية محورها الحرية الفكرية و العلمية و الفنية و الدينية من أجل الارتقاء بالمستوى الثقافي العام لشعبنا.

ان الاختلاف في الخطط و الوسائل حتمي و ضروري و لكن ذلك لا يمنع من الاتفاق الديمقراطي حول برنامج اشتراكي ديمقراطي جديد و برنامج و طني ديمقراطي جديد لا ينسجن في الشعارات بل يبحث عن تفصيل السياسات و المقترحات العملية الدقيقة التي تنال احترام المنافسين قبل الأصدقاء . و لكن كل ذلك يتطلب ذهنية تنظيمية جديدة.

سادسا: في المسألة التنظيمية:

ان القطع الثالث الواجب تحقيقه هو القطع التنظيمي الذي يمكن تلخيصه في ما يلي:
ان الحزب الاشتراكي الموحد و الجديد المناضل ثوريا ،و لكن جماهيريا و سلميا من أجل تحقيق أهدافه ،يجب أن يكون متميزا بصفتين على الأقل هما تفضيل الديمقراطية و العلنية.
ان الحزب الجديد يفضل التنظيم الديمقراطي الحزبي على المركزية و يفضل النشاط العلني على السري إلا في الحالات القصوى الحيوية التي تظهر بسبب الغطرسة الأمنية و العسكرية للدولة أو عند الخوف على المناضلين من المجموعات الفاشية و الارهابية اليمينية الخارجة عن القانون.
ان الحزب الاشتراكي الجديد يجب أن يكون ديمقراطيا تنتخب كل هيئاته القيادية من القاعدة و ينظم مؤتمراته دوريا و يسمح لكل الأفراد و المجموعات و التيارات داخله بالتعبير عن رايها و حتى بتكوين جرائدها و مواقعها الالكترونية الخاصة و غيرها ( و هذا أمر لم يعد يتحكم فيه أحد أصلا بفضل الثورة التكنولوجية الاتصالية ) طالما لا يؤدي ذلك الى تفتيت الحزب و طالما تلتزم الأقليات بالقرارات الأغلبية .و هو يضمن لتلك الأقليات الوصول الى المناصب القيادية و غير ذلك. و على هذا الحزب الاستفادة من شبكة الاتصال الحديثة للمراوحة بين الطابع الهرمي الديمقراطي و الطابع الشبكي الأفقي في التنظيم. اذ لا معنى اليوم لتنظيمات يتم تصورها كلاسيكيا كما كانت متمحورة حول الجريدة المركزية و اللجنة المركزية. ان وسائل الاعلام و الاتصال الحديثة تمكن كل مناضل من تكوين “جريدته “الخاصة من خلال فايسبوك و تويتر و المدونات الشخصية و غيرها و بذلك فان الديمقراطية التنظيمية اليوم يجب أن تستفيد من هذه الثورة ايجابيا و تتجنب سلبياتها التي من بينها الميل الى المرئي و المختصر المكثف و العزوف عن القراءة المعمقة و التسرع في ردود الأفعال الافتراضية و اختلاط المفاهيم و كثافة الأخبار و المعلومات التي بها جزء كبير محرف و مشوه و غير ذلك. لا بد اذن من المراوحة بين الطابعين العمودي و الشبكي و بين وجود وسائل اعلامية مركزية و أخرى جهوية و محلية و فردية و السعي للتنسيق المنظم لكل ذلك بكل ما يلزم من مرونة.
كما ان الحزب الجديد يعمل في العلن داخل صفوف الشعب و حتى داخل أجهزة الدولة حث يسمح القانون خاصة و ذلك للمساعدة على دمقرطة تلك الأجهزة منذ الآن و تدريجيا و الانتقال بها الى الديمقراطية الاشتراكية المنشودة.
من ناحية أخرى، لا بد لهذا الحزب أن يتبنى رؤية مرنة جدا في مسألة العضوية الحزبية. لا بد ان يراوح بين مفاهيم العضوية الحزبية القديمة القائمة على الانخراط و دفع معلوم العضوية و النشاط داخل هيكل تنظيمي و بين مفاهيم أخرى كالقبول بخطة العضو الملاحظ و بالعضوية الشرفية و يرحب بالمستقلين الذين يريدون البقاء مجرد أصدقاء للحزب (خاصة عند المثقفين) و المواطنين الذين يريدون الاكتفاء بالتصويت له لا غير و المحافظة على حريتهم التنظيمية أو غيرهم.
كما ان الحزب ، اتساقا مع ما سبق، يجب أن يشجع القيادة الجماعية و يفصل بين وظائف الأمانة العامة و الناطق ( أو الناطقين ) الرسمي باسم الحزب لأن الناطق الرسمي سوف يلتزم باعلان قرارات الحزب الصادرة عن هياكله القيادية فيضمن الحزب انعقاد تلك الاجتماعات و لا يرتهن باجتهادات الأمين العام الشخصية .و يجب عليه أيضا أن يشجع تقسيم العمل و الالتجاء الى الخبراء المختصين في المجالات المختلفة و منها خبراء الاتصال الحديث لأن كل عمل تعبوي و تحريضي اليوم ، في مجتمع الاتصال و الاعلام ، لابد أن يخضع ، اضافة الى المساءل البرنامجية ، الى تقنيات الاتصال الحديث المهمة جدا في التأثير و الاقناع و التعبئة، الخ.
ان هذا الحزب يجب أن يكون مثالا تنظيميا لمجتمع المستقبل ما أمكن و لا يجب أن يعيقه على ذلك شيء الا القمع المحتمل المسلط ضده و الذي يجب أن يكون حافزا على ابداع “ديمقراطية سرية” بديلة (بأقصى ما يمكن من الحيطة ان لزم الأمر) ولكن انتقاليا فقط بهدف العودة الى الحياة التنظيمية العلنية و الديمقراطية.
ان أهم ما يجب الانتباه اليه اذن هو ضرورة تجديد المفهوم التنظيمي للحزب و القطع مع الحزب الشديد المركزة و الهرمية و وحيد الخط الذي ينتهي الى البيروقراطية و عبادة الأشخاص في القيادة.

سابعا : في الموقف من الحركات و الأحزاب السياسية الأخرى:

تنقسم الحركات السياسية الكبرى في تونس ( و الوطن العربي) عموما الى أربعة أطياف هي الحركة الاسلامية و الحركة الليبيرالية و الحركة القومية و الحركة الاشتراكية اليسارية .و تتكون كل واحدة من أحزاب و تنظيمات سياسية متنوعة نسبيا و يمكن تلخيص الموقف منها بعمومية كما يلي:

أ-الحركة الاسلامية:

هي في عمومها حركة وطنية محافظة من نوع خاص. (2) وطنية بمعنى خاص لأنها تدافع عن “الوطن الاسلامي” (وليس الوطن العربي أو التونسي و لكن هذا قد لا يناقض ذاك دائما و بالضرورة) . و هي تدافع عنه بدرجات معينة و بطرق خاصة تختلف حسب التنظيمات داخلها و هي أحيانا تتخذ مواقف غير وطنية و تبرز في صفوفها ميول تبعية تماما. كما ان هذه الحركة محافظة من نوع خاص بسبب الطابع الديني السياسي الذي يجعلها رجعية في مواقفها من قضايا اجتماعية عديدة . ان هذه الحركة قد تتكون من أربعة أقسام صغرى هي أقصى التيار الاسلامي (الاولترا ايسلاميسم مثل السلفية الجهادية ) و الاسلام المتطرف( الاكسترام اسلاميسم مثل حزب التحرير) و التيار الاسلامي اليميني (مثل النهضة) و التيار الاسلامي المعتدل الأميل الى الوسط و المقترب من التيارات الليبيرالية ( مثل حزب الاصلاح و التنمية سابقا) و قد يظهر تيار آخر “اسلاميا يساريا” يقترب من التيارات القومية و اليسارية الحديثة ويطرح “الاشتراكية الاسلامية” مثلا لكنه ضعيف جدا في الوطن العربي حاليا و كاد أن يعبر عن ذلك “الاسلاميون التقدميون” في تونس سابقا.
يمكن التعامل مع هذه الحركة ، في عمومها، و للضرورة القصوى في حالة طرح المسألة الوطنية بحدة مثل الاحتلال كما تدل على ذلك التجربتان الفلسطينية و اللبنانية رغم خصوصيتهما النسبية. و لكن التعامل معها في خضم النضال الديمقراطي يكاد يكون صعبا للغاية ، الا مع بعض الفصائل من أجل أهداف جزئية دقيقة جدا كما بينت تجربة “تحالف 18 أكتوبر ” في تونس حيث ظهر ان النهضة لا تبحث سوى عن حرية شكلية للأحزاب و لكنها تقف ضد التغيير الديمقراطي العام بينما يمكن العمل مع التيار الوسطي المعتدل خطوات أبعد نسبيا حسب الظروف الدقيقة.
أن الطيف العام من الحركة الاسلامية يعادي الديمقراطية الحديثة بدرجات متفاوتة و هو ليس حليفا ديمقراطيا في الغالب بسبب معاداته أهم قيم الديمقراطية و الحداثة ناهيك عن قيم اليسار الثورية.
كما ان أقساما كبيرة من هذه الحركة الاسلامية، في حالات عديدة، قد تقدم مواقف و تمارس سياسات معادية لمصلحة الوطن خاصة اذا شعرت بقوة الحركات الوطنية الأخرى و تجذر النضال الوطني بالتوازي مع النضال الديمقراطي و كذلك بسبب سهولة ارتباطها بدول اسلامية في المنطقة لها علاقات تبعية تامة أو نسبية مثل السعودية و قطر و تركيا.و لكن حركات اسلامية أخرى ، رغم طابعها غير الديمقراطي، قد تلعب أدوارا وطنية عظيمة مثل ما يفعل حزب الله في لبنان أو الجهاد الاسلامي في فلسطين ، مؤقتا.
ان الموقف من الحركة الاسلامية اذن يجب الا يهمل تحليل الطابع العام لهذه الحركة و لكنه لا يجب أن يقف عند ذلك بل ان يرتبط بالظروف التي تمر بها النضالات الوطنية و الديمقراطية في المنطقة ..و ان أخطر موقف يساري يجب تجنبه هو الذي يوجد عند بعض اليساريين العلمانيين المتطرفين الذين يسحبون تقييمهم الالحادي الشخصي عن الدين على الحركات الاسلامية و يقومون بتعميم فكرة كونها حركات عميلة و رجعية دون تفريق بين الايديولوجيا و السياسة من ناحية و بين تلك الحركات من ناحية ثانية. لكن القيام برد فعل في الاتجاه المعاكس سيكون خطيرا بدوره. ان أكثر الاسلاميين نضالا وطنيا قد يطرحون نموذجا للسلطة أقرب الى الثيوقراطية مثل حزب الله بسب تصوره الشيعي الخاص و قد يطرحون نماذج أنظمة أوطوقراطية تعطي للخليفة سلطات مطلقة مثل حزب التحرير ،الخ. و لذلك فيجب تجنب الموقف المقابل أيضا .

ب-الحركة الليبيرالية:

اذا كانت الحركة الاسلامية هي في الأصل أقرب الى الطبقات و الشرائح ما قبل الرأسمالية و لكن مع تطور هيمنة الرأسمالية تصبح أقرب الى الأجنحة المحافظة منها و من الفئات المتوسطة و الفقيرة التقليدية، فان الحركة الليبيرالية هي في أصلها تمثل الحركة الوطنية (القومية) الاصلاحية الأقرب الى البورجوازية الحديثة و الفئات المتوسطة القريبة منها.
ان هذه الحركة قد تلعب أدوارا وطنية مهمة و لكن بحدود مصالح البورجوازية غالبا و هي لذلك حركة وطنية اصلاحية يمكن أن تساهم في انجاز اشواط هامة من الاستقلال الوطني و لكن يصعب عليها كثيرا القضاء على التبعية جذريا.
كما يمكن لهذه الحركة الانخراط في النضال الديمقراطي و المساهمة في ارساء نظام ديمقراطي ليبيرالي طالما لم يتعارض مع مصالحها (الهند مثلا) و لكنها قد تختار نماذج أنظمة ” قيصرية- بونابارتية” أو غيرها كما حصل في تونس مع بورقيبة.
ان هذه الحركة قد تساهم في النضال الوطني و الديمقراطي و لكنها قد تعرقله أيضا لدواعي مختلفة و منها من يلعب أدوارا “كومبرادورية” و منها من يفضل نموذج “الاستبداد المستنير” على الطريقة الكمالية و غير ذلك من الاحتمالات.
انه من الممكن اذن التحالف مع هذه الحركة حسب الظروف التي يمر بها النضال الوطني و الديمقراطي سواء في جبهات وطنية أو بمجرد تنسيق و ذلك ضد النفوذ الأجنبي أحيانا و ضد خطر الحركة الوطنية المحافظة الاسلامية أحيانا أخرى. و لكن التحالف معها يجب ان يخضع لضرورات تطوير النضال الوطني أو النضال الديمقراطي حسب الظروف و لكن بشرط المحافظة على الاستقلال التنظيمي و نقد هذه الحركة باستمرار حتى يتجذرالنضال دائما.

ج-الحركة القومية العربية:

وهي في الوطن العربي تتكون خاصة من أحزاب قومية اشتراكية عربية ( الناصرية و البعثية) أقرب الى الشعبوية منها الى النزعة العمالية الاشتراكية. و قد توجد حركات مشابهة لا تتبنى الخطاب القومي بل القطري الوطني مثل بومدين في الجزائر .
ان هذه الحركة هي عبارة عن تحالف قسم من المثقفين و الشرائح الوسطى مع عموم الطبقات الشعبية و تعبر عن ذلك باشتراكياتها العربية المعادية للتيار الاشتراكي العالمي ذي النزعة العمالية.
ان هذه الحركة وطنية ثورية في عمومها تسعى فعليا الى الاستقلال الوطني و القومي و القطع مع الاستعمار و لكنها قد تميل يمينا باتجاه التيار الوطني الاصلاحي البورجوازي أو التيار الاسلامي الوسطي و تمزج بينهما. و لكن أقساما منها قد تميل يسارا باتجاه الحركات اليسارية و لنا في تجربة الجبهة الشعبية الفلسطينية خير دليل اذ حولها جورج حبش ووديع حداد من حركة القوميين العرب الى اليسار.
ان هذه الحركة تتذبذب – و لكن بدرجة أقل من سابقاتها- في حزمها الوطني-القومي و لكنها في المسائل الديمقراطية قد تفضل نموذج الحكم العسكري أو نظام الحزب الواحد أو غيرهما.
لذلك فانه من المهم التحالف مع هذه الحركات على قاعدة المهام الوطنية-القومية و الديمقراطية و نقد تذبذبها النسبي ونقد تصوراتها القومية المتطرفة التي أدت أحيانا الى سياسات قومية ضارة بسبب هضم حقوق القوميات و الأقليات القومية غير العربية و كذلك ميولها الانقلابية التاريخية.

د-الحركة الاشتراكية العمالية:

وتتكون من مجموع الأحزاب اليسارية الاشتراكية و الشيوعية التاريخية و هي ليست فقط تيارات وطنية ثورية بل اشتراكية أممية ثورية رغم كل المشاكل النظرية و العملية التاريخية التي ذكرناها سابقا.
ان الحزب الاشتراكي الجديد هو جزء من هذه الحركة الاشتراكية العمالية و يطرح على نفسه التحالف الاستراتيجي الاشتراكي معها في اطار “الجبهة الاشتراكية العمالية الموحدة” و هو لذلك يتحالف معها أيضا في مراحل الثورات الوطنية الديمقراطية حتى النهاية. لكن الحزب الاشتراكي الجديد لا يتناسى ان الحركة العمالية الاشتراكية نفسها ، مثل كل حركة سياسية، قد تعرف ميلا باتجاه اليمين كما حدث مع التيارات الاشتراكية الديمقراطية التاريخية التي تحولت الى تيارات بورجوازية مثلما قد تعرف ميلا الى اليسار المتطرف (الألوية الحمراء) أو أقصى اليسار الفوضوي أو الشيوعي الذي يرتكب باسم العمال و الاشتراكية الأخطاء التي نقدناها سابقا.
ان الحركة العمالية الاشتراكية يجب ان تتجنب التصورات الاشتراكية المستبدة القائمة على فكرة عبادة البندقية و نظام الحزب الواحد و المركزية البيرقراطية للدولة و غيرها من الانحرافات التي أضرت بالقضية الاشتراكية الانسانية.
ان التحالف الرفاقي مع مكونات الحركة الاشتراكية العمالية هو المبدأ الأساسي و لكن مع نقد مكونات اليسار التاريخي ودعوته الى تجديد نفسه على قاعدة اشتراكية ديمقراطية انسانية جديدة تقطع مع الرأسمالية و مع أمراض الاشتراكية و الشيوعية في نفس الوقت و تجنب الاشتراكيين نتائج تصوراتهم وممارساتهم القديمة التي أضروا بها الى بعضهم البعض بحثا عن الأرثوذكسية و النقاوة الدوغمائية المرتبطة بذهنية التقديس و التخوين و المؤدية الى التصفية السياسية و الجسدية بين الرفاق أنفسهم حتى داخل الحزب الواحد.
ان الاشتراكية عليها أن تجدد نفسها اذ لا يكفي أن تعلن تبنيها للعدل و المساواة بل عليها أن تعتمد من الوسائل ما لا يناقض قيمها الكبرى و الا فان الاشتراكيين أنفسهم هم من سيفشلون الاشتراكية من جديد بتغليبهم عقلية الدكتاتورية البروليتارية على الديمقراطية الاشتراكية في الحزب و الطبقة و الدولة و المجتمع و العالم.

ثامنا :الموقف من التنظيمات و الحركات الاجتماعية:

لا بد أن ينظر الحزب الاشتراكي الجديد بعين جديدة تماما الى التنظيمات و الحركات الاجتماعية سواء في الراسمالية أو في الاشتراكية نفسها.
ان هذا الحزب يجب أن يثمن و يحترم استقلالية التنظيمات و الحركات النقابية و النسوية و الطلابية و الثقافية و البيئية و الانسانية و غيرها.
انه لا يسعى الى تحويلها الى منظمات تابعة للحزب مع انه يسعى للتواجد داخلها كما يتواجد الجميع. و لكنه لا يعمل على الحاقها بل يشجعها على أن تبقى تنظيمات مدنية جماهيرية ديمقراطية مستقلة و مناضلة كل في ميدانه توحد منخرطيها في مجال اختصاصها مهما كانت توجهاتهم السياسية.
انه يثمن أشكال النضال غير الحزبي و يحترم اختيار مناضلي هذه التنظيمات في الاكتفاء بالنضال الجمعياتي المدني النقابي و الحقوقي و النسوي و غيرها و يعتبر أن ذلك لا ينقص من قيمتهم بل يشجعهم على ذلك اذا احترموا هم أيضا من يختار النشاط السياسي الحزبي.
ان تنوع و اختلاف التنظيمات و النضالات بين السياسية الحزبية ( أو الجبهوية) و النقابية المهنية أو النسوية أو غيرها لا يضر بالنضال السياسي بل يثري النضال الانساني الشامل المتنوع الأبعاد .و ان الحزب الجديد يدعو الى احترام خصوصية هذه التنظيمات و الحركات الاجتماعية ليس فقط في النظام الرأسمالي بل و كذلك في الاشتراكية.
يجب أن تقبل الاشتراكية الجديدة التنظيمات و الحركات الاجتماعية المستقلة عن الأحزاب الاشتراكية فعليا حيث تبقى تنظيمات المجتمع المدني ضرورية لكبح جموح المجتمع السياسي الى الاستبداد و خاصة ميله الى نظام الحزب الواحد الشمولي المدجن للنقابات و التنظيمات الاجتماعية الأخرى.
ان الحزب الاشتراكي الجديد يقطع تماما مع الذهنية اليسارية القديمة الهادفة الى الهيمنة على المجتمع المدني و يعمل على ارساء تصورات و ممارسات جديدة تماما تتسق مع فكرة تعدد الأحزاب و تعدد التنظيمات الاجتماعية لأنه لا يزعم انه يقدم التصورات الأمثل و لا انه يمارس السياسات الأسلم التي ستخدم كل الفئات الاجتماعية دائما و أبدا.
ان كل حزب اشتراكي في المعارضة أو في الحكم قد يخطأ في تصوراته و ممارساته و يجب على الأحزاب الأخرى و التنظيمات الاجتماعية الأخرى ان تنقده و تناضل ضده لتقديم تصور اشتراكي آخر و للدفاع عن مصالح الفئات الاجتماعية الجزئية حتى ضد الحيف الاشتراكي المحتمل وقوعه أيضا بقطع النظر عن النوايا الحسنة.

ان الحزب الاشتراكي الجديد يعتبر ان الاشتراكية التي تمنع تعدد الأحزاب –الاشتراكية على الأقل- و تنوع التنظيمات الاجتماعية للمجتمع المدني هي اشتراكية مستبدة يدعي أصحابها انهم يملكون الحقيقة المطلقة و أنهم لا يخطئون في الممارسة تماما بدعوى العلمية و البروليتارية ، ولكن “وحدهم الموتى لا يخطئون”.
ان الموقف الجديد من التنظيمات الاجتماعية و الحركات الاجتماعية المرتبطة بها يجب ان يتأسس على موقفين جديدين هما :
تقديم التعاون السياسي النقابي أو الثقافي أو البيئي، الخ على فكرة الهيمنة الأحادية السياسية الحزبية أولا و تثمين تنوع أشكال النضال و التنظيم على حساب المبالغة في التسييس الحزبي و الخطي للتنظيمات و الحركات الاجتماعية ثانيا و لكن دون نسيان النقد المتبادل و الاستقلال و ذلك خدمة للتثوير الديمقراطي المستمر للمجتمع حتى في ظل الاشتراكية نفسها بما يحافظ على حقوق الجميع.

تاسعا: حول المسألة الدينية :

لا بد من الاشارة ببعض من التفصيل الى الموقف من الدين في الحزب الموحد الجديد بسبب مشكل حقيقي كان و لا يزال موجودا في أوساط البعض من اليسار التونسي ،حتى و ان خفت حدته في المرحلة الحالية نسبيا ، وخاصة لأننا نعيش “العصر الذهبي “لحركات الاسلام السياسي التونسية .
أولا:
ان الحزب الاشتراكي الجديد ، كما قلنا ، هو حزب يعتمد العلم و العلمانية الاشتراكية و هو لذلك يفصل داخله بين القناعات الدينية الشخصية لأعضائه و حياة الحزب.
اننا أنصار لحرية المعتقد مهما كان و لحرية عدم الاعتقاد و حرية تغيير المعتقد و من حق المؤمنين و اللاأدريين و الملاحدة الانتماء للحزب و الوصول الى أعلى رتب القيادة داخله.
ان الحزب، في منشوراته و مواقفه و ممارساته الرسمية ، يدافع عن العلم الذي لا يمنع من ايمان العلماء الشخصي، و عن العلمانية التي لا تعني الالحاد و عن الاشتراكية التي تبحث عن اعادة تنظيم ثورية انسانية للعلاقات الاجتماعية و لكنها لا تضع نصب عينيها لا تأسيس “مملكة الله” على الأرض و لا “جمهورية العقل” الوضعي.
ان كل عضو في الحزب حر في الايمان بما يريد و ممارسة قناعاته الدينية كما يريد في حياته الشخصية .أما عند ممارسة مهامه الحزبية_، وضمانا للمساواة بين جميع الأعضاء و لاحترام برنامج الحزب، فانه يطلب من العضو تحييد قناعاته الايمانية أو الالحادية الشخصية أكثر ما يمكن و الاكتفاء بالخطاب العلمي و السياسي العلماني الاشتراكي. و اذا كانت للعضو قراءة علمانية مؤمنة لمعتقده الشخصي أو علمانية ملحدة لمعتقد غيره فهو حر في التعبير عنها و ذلك يلزمه هو ولا يلزم الحزب. ان من حق العضو ان يعلن ذلك بكل حرية شرط الا يناقض البرنامج السياسي للحزب و ان يقترب ما أمكن من أرضيته الفكرية.
ان من حق أعضاء الحزب أن يكونوا مؤمنين اشتراكيين و لاأدريين اشتراكيين وملاحدة اشتراكيين و التعبير عن ذلك داخل الحزب وخارجه على مسؤوليتهم الخاصة أما الحزب نفسه فانه يلتزم حصرا بالخطاب العلمي و العلماني و الاشتراكي دون اشارات عقيدية.
كمثال على هذا نقول ما يلي: يمكن في نقاش حول المرأة( أو الاستغلال الراسمالي) لمسلم اشتراكي أن يبدأ بالبسملة و يستشهد بما يراه هو نسوية اسلامية(أو اشتراكية اسلامية) و يمكن لملحد اشتراكي في نفس النقاش ان يدافع عن موقف الاشتراكية من المرأة ( ومن الملكية الاشتراكية) بالاحالة الى الحاده الشخصي. كل من هذا و ذاك حر في التعبير عن رأيه الشخصي الذي يجب ان يقدم كرأي شخصي تصريحا و الذي لا يناقض برنامج الحزب. أما الحزب نفسه فيدافع عن المساواة بين الجنسين و الاشتراكية و لا يحتاج لا الى حجج دينية و لا الحادية بل الى حجج علمية و علمانية اشتراكية انسانية لا غير.
أما اذا شكك المسلم في المساواة بين الجنسين فانه قد يرفت من الحزب ليس لأنه مسلم بل لأنه ضد أهم مبادئ الحزب في المساواة. و اذا قام الملحد بالتشكيك في مبدأ العدالة الاشتراكية( و ما أكثر الملحدين في البورجوازية) فانه قد يرفت هو الآخر ليس بسبب الحاده بل بسبب كونه ليبيراليا بورجوازيا.
ان ما يهم الحزب هو التزام أعضائه ، مهما كانت قناعاتهم الدينية الشخصية، ببرنامجه السياسي الذي يحتوي عادة على أرضية فكرية عامة. أما ما عدا ذلك فأمر شخصي خاص بالانسان و يهم حياته الشخصية لا غير.
ان الحزب الاشتراكي الجديد ليس الحاديا اشتراكيا و لا ايمانيا اشتراكيا و لكن أعضاءه يمكن ان يلتحقوا به لأنهم يعتقدون ان الاسلام ( مثلا) اشتراكي في جوهره أو أن الالحاد جعلهم يفضلون الاشتراكية. و لكن المؤمنين و الملاحدة الذين يفضلون الخيار الرأسمالي لا مكان لهم في الحزب.ان المسألة اذن ليست مسألة عقيدة بل مسألة موقف من الحياة العامة برمتها. و لذلك فان الحزب لا يهدف الى نشر الالحاد أو الايمان بل يتبنى الرؤية العلمية و العلمانية و الاشتراكية في الطبيعة و المجتمع و يناضل ضد كل أشكال التدين و الالحاد التي تعارض هذه المبادئ .و من المؤمنين و الملحدين على السواء من يبرر الاستغلال و التمييز و الاستبداد و الاغتراب و أكبر دليل ما يقوم به البورجوازيون المؤمنون و الملاحدة على حد السواء.
ان الاشتراكية لا تعني الالحاد و ان الرأسمالية لا تعني الايمان كما ان الايمان لا يعني العدالة و الالحاد لا يعني الظلم و قديما قال المسلمون ” ان الله ينصر الكافر العادل على المسلم الظالم”. ان كل ظلم – مسلم أو ملحد- مرفوض و كل عدل – مؤمن أو ملحد- مقبول. و لذلك فان الحزب الاشتراكي مع العدل الاشتراكي العلماني أي عدل الملاحدة و المؤمنين و اللاأدريين الجماعي ضد الظلم الراسمالي مهما كان فكر أو دين الظالم. كما ان الحزب هو مع العلم الطبيعي و الاجتماعي النقدي الذي يبدعه المؤمنون و الملاحدة على حد السواء و ضد الجهل و العلم المحافظ الرجعي الذين قد ينتجهما الملحد و المؤمن على حد السواء و ما أكثر العلماء البورجوازيين الملاحدة و المؤمنين الذين يعرقلون التمتع بالعلم و التكنولوجيا بسبب البحث عن الربح مثلا و ينتجون فلسفات و نظريات اجتماعية تبرر ذلك.
فليكن واضحا اذن ، نحن لسنا ضد الاسلاميين المتطرفين لأنهم مسلمون ونحن ملاحدة و لا ضد الالحاديين المتطرفين لأنهم ملاحدة ونحن مؤمنون . نحن ضدهم لأنهم يبررون باسم الدين أو باسم الالحاد ما نناضل ضده تحديدا : الظلم بكل انواعه. و ان كانوا هم مسلمين أو ملحدين فنحن مسلمون ومسيحيون ويهود و ملحدون … و لكن علمانيون و اشتراكيون.
ثانيا :
أما بالنسبة الى الموقف من الظاهرة الدينية نفسها فالحزب يعتمد في قراءته( بل قراءاته) للأديان على علوم الأديان الحديثة. أي انه يشجع كلا من علم النفس الديني و علم الاجتماع الديني و علم الأنتروبولوجيا الدينية و وعلم تاريخ الأديان وعلم الأديان المقارن و غيرها بوصفه حزبا يعتمد العلم الحديث في فهم كل الظواهر الطبيعية والاجتماعية و يترك لأعضائه الحرية في قناعاتهم الدينية أوغير الدينية الشخصية.
ان علوم الأديان الحديثة هي علوم “وضعية” علمانية بمعنى انها تفصل بين القناعة الشخصية للباحث و بين مقتضيات البحث العلمي الهادف الى الموضوعية. ان الحزب هنا يصبح “عالما جماعيا”( في استعارة لعبارة غرامشي حول المثقف الجماعي). و بما ان العلوم لا تناقش ، مثلا، المسائل الماورائية بحثا عن صحتها أو خطئها (لأن ذلك غير ممكن على العلم المادي و الاجتماعي التاريخي غير القادر على اثباتها أو دحضها لأنها غير قابلة للتجربة و الاختبار الموضوعي و تكتفي بالبحث عن معناها داخل السياق الاجتماعي التاريخي عند الفاعلين الدينيين و الاجتماعيين عموما) فان الحزب ، على هدي العلم ، يعتبر ان الماورائيات هي موضوع ايمان و ليست موضوع بحث علمي و بما انه لا يتدخل في ايمان المواطنين الشخصي فانه يكتفي بالتشجيع على البحث العلمي الموضوعي في الظاهرة الدينية الذي يتشارك فيه المؤمن و اللاأدري و الملحد كما تدل على ذلك الميولات الدينية المتنوعة لعلماء الأديان الحديثة. و بما ان الحزب منفتح على كل العلوم الطبيعية و الاجتماعية النقدية فانه يشجع على كل بحث علمي يمكن من معرفة الطبيعة و المجتمع و الفكر موضوعيا و نقديا و ليس من اهتمامه كحزب تطوير “العلوم الدينية “التقليدية ( النقلية) و لكنه لا يمنع أعضاءه من ذلك بما لا يناقض برنامجه السياسي. فاذا كان أحد أعضاء الحزب مسلما ( مثلا) و يريد التأليف في التفسير أو علوم الحديث أو علم الكلام ألخ فهو حر في ذلك و لكن الحزب ليس ملزما باعتبار تأليفه من المنشورات الرسمية الا اذا رأى ان ذلك يخدم توجهه الفكري و برنامجه السياسي في الدفاع عن العلم ( في تنوعه فالحزب لا يفرض اتباع التفسير ضد الفهم مثلا) والعلمنة و لكن الديمقراطية غير المستبدة و الاشتراكية العمالية ولكن الانسانية التي تعترف بكل الحقوق والحريات الانسانية.
ثالثا:
ان الحزب المناصر للعلم و العلمنة و الاشتراكية هو نصير بالتالي لأهم مبادئ العلمانية الديمقراطية المعتدلة. و أهم فكرة يجب توضيحها هنا هي الفرق بين العلمنة الديمقراطية و العلمنة المستبدة. يظهر هذا عند الخلط بين تعريفين للعلمنة : الفصل بين المؤسسة الدينية و المؤسسة السياسية أم الفصل بين الدين و الدولة عموما.
ان العلمنة المتطرفة و المستبدة توسع مجالها خارج اطار العلاقة بين المؤسستين الدينية و السياسية لتمس مجال السياسة و الدين عموما و ان هذا الأمر هو الذي يؤدي الى الاستبداد العلماني اللائكي الفرنسي –الأتاتوركي-السوفياتي مثلا.
ان هذا التصور للعلمنة مرتبط غالبا بالتطرف الالحادي أو العلماني و بالتمييز الديني و يؤدي الى الاضطهاد الديني ليس فقط لرجال الدين بل للبسطاء من المؤمنين و للأقليات الدينية أحيانا كما ظهر في تدمير الكنائس و تحويلها الى متاحف (وأحيانا اصطبلات) و ملاحقة المتدينين و منع المحجبات من دخول المدارس العمومية (فرنسا) و العمل في بعض ادارات الدولة و منع بناء المآذن ( سويسرا) وغيرها.
ان العلمنة الديمقراطية الاشتراكية ترفض هذا و تعتبره استبدادا علمانيا لأنه طالما من حق كل مواطن التمتع بنفس الحقوق و الحريات و الالتزام بنفس الوجبات فليس من حق الدولة منع طفل من حقه في التعليم العمومي أو مواطن من العمل في القطاع العمومي بسبب لباسه المرتبط بقراءته الخاصة لعقيدته الدينية ( مهما اختلفنا معها) طالما لا يهدد ذلك الأمن و النظام العام و حقوق الآخرين. ان القيام بذلك يشجع التعليم الخاص و القطاع الخاص على حساب القطاع العمومي و يسهل مهمة المتطرفين الدينيين في الجهتين.
ان الدولة يجب أن تكون محايدة دينيا و مفصولة عن المؤسسات الدينية التي من حقها النشاط كمؤسسات يكونها المجتمع المدني شرط التزامها بالقانون مثلها مثل اية مؤسسة أو تنظيم أو جمعية أخرى.ان حياد الدولة دينيا يحمي المتدينين ، ككل المواطنين، و يمكنهم من حقوقهم و حرياتهم كاملة مثلهم مثل الملاحدة و غيرهم تماما.
في المقابل ان المؤسسة الدينية لا يحق لها التدخل في المؤسسة السياسية بجعلها تخدم دينا ضد آخر أو مذهبا فكريا أو دينيا ضد آخر لأن ذلك يعني عدم مساواة الدولة بين مواطنيها المتنوعين دينيا و مذهبيا و فكريا.
على المؤسسة الدينية ان تلتزم بخدمة اتباعها الروحية و الطقوسية المميزة و تترك الشأن العام السياسي لعموم المواطنين المتعاقدين و المتعايشين ديمقراطيا في دولتهم الواحدة المشتركة بقطع النظر عن اختلافاتهم الدينية و الفكرية و المذهبية. بهذه الطريقة نتجنب الاستبداد الديني و العلماني على حد السواء. و اذا كان الاسلاميون يقولون ان العلمنة انتاج أوروبي لا نحتاجه لأنه ليست لدينا كنيسة في الاسلام فانهم يقولون حقا يريدون به باطلا لأنهم يشكلنون المسألة للتهرب منها.
ان فصل الكنيسة عن الدولة في أوروبا لم يتم بسبب وجود الكنيسة في حد ذاته بل بسبب وظيفتها الهادفة الى سيطرة رجال الدين على الدولة وفرضهم دينهم أو مذهبهم الخاص على المجتمع و رفضهم الاعتراف بنفس الحقوق و الحريات و الواجبات للجميع و هذا ما يفعله الاسلاميون دون كنيسة بل بالأحزاب السياسية نفسها و هو أخطر ربما.
ان هذه الأحزاب تقدم برامج تؤدي الى التمييز بين المواطنين على أساس الدين و المذهب و الفكر و الجنس … فتحرم النساء و أصحاب الأديان و المذاهب المخالفة من حقوق و حريات و تفرض عليهم واجبات خاصة و ترفض مبدأ حياد الدولة في المجال الديني بحجة ضرورة وجود دين رسمي للدولة ووزارة شؤون دينية، الخ.
ان ما أدى الى العلمانية في أوروبا ليس وجود الكنيسة في حد ذاته بل الدور الذي أراده لها رجال الدين. و هذا الدور هو نفسه الذي يريد لعبه الاسلام السياسي عندنا بالمسجد و اللتنظيمات الدينية و الأحزاب الدينية. و لذلك فمطلب العلمنة في المجتمعات العربية الاسلامية مطلب شرعي تماما رغم الخصوصية و هدف المطلب هو تحقيق مدنية الدولة الديمقراطية نفس الحقوق و الحريات لكل المواطنين مهما اختلفوا و ضمان الحرية الدينية بما في ذلك حرية عدم الاعتقاد و تغيير المعتقد و التعبير عن ذلك بكل الطرق القانونية من ممارسة الشعائر الدينية أو عدم ممارستها الى التعبير و النشر و الصحافة و غيرها.
أذن ،لا بد من العلمنة الديمقراطية التي هي ضد التطرف الديني و العلماني في نفس الوقت و هذا الأخير هو ، مع الأسف، ميل شبه عام كان موجودا عند أغلب الاشتراكيات التاريخية لم يعد مقبولا تماما الآن و على الحزب الاشتراكي الجديد نقده بكل الصرامة الواجبة نظريا و تجنبه عمليا.
أما طرق تحقيق كل هذا فتخضع مثل كل المطالب الأخرى ( بل بالتأكيد أكثر في بعض المراحل لارتباطه باشكالية المقدس الديني ولكن دون جزع لأن التاريخ الغربي أثبت ان فصل المقدس عن الدنياوي أسهل من حل مسائل الثروة و السلطة ) لموازين القوى و تطور النضال السياسي و القدرة على تحقيق الاصلاحات الديمقراطية المتنوعة حسب الظروف الخاصة بكل مجتمع .و لكن مثل كل نضال لا بد من التفريق بين الهدف النهائي و القدرة على تحقيقه تدريجيا بميزان القوى و الوسائل المتاحة تدريجيا. ولنتذكر ان الثورة الفرنسية وقعت في 1789 و قانون اللائكية صدر في 1905 و لنتذكر أن تركيا تعتمد العلمانية دستوريا بينما الدانمارك تقر بالكالفينية ديانة رسمية لها و لكن العلمنة في الدانمارك أعمق بكثير منها في تركيا. المهم هو اقرار الاعتراف بالمبادئ الأساسية لحقوق الانسان المختلفة و التفاعل مع التاريخ.
ان التجربة التونسية تعطي دروسا في هذا في مسائل مثل التنصيص على الاسلام في الفصل الأول و مسألة اعتباره مصدرا للتشريع أساسيا و يمكن ، بل ويجب اتباع أكثر ما يمكن من المرونة في ذلك لأن المهم هو التقدم في تركيز الحقوق و الحريات الديمقراطية الحديثة قانونيا و فعليا و عزل الحركات الدينية على تلك القاعدة و ليس على قاعدة المبالغة في التركيز على الشكلنة الحقوقية للمسائل.

عاشرا: الموقف من المسألة القومية العربية:


تناحر اليساريون التونسيون طويلا حول الموقف من المسألة القومية العربية بسبب اختلافاتهم حول تعريف الأمة الذي ساد تاريخيا في صفوف أغلبهم ألا وهو تعريف ستالين القائل انها مجموعة بشرية تتكون تاريخيا و تستقر على أرض مشتركة و تتكون لها لغة مشتركة ووحدة نفسية- ثقافية ووحدة اقتصادية. و باستثناء بعض اليساريين في السبعينات الذين تحدثوا عن “الأمة التونسية” و بعض التروتسكيين الذين يهمشون النضال القومي أصلا بحجة ان التناقض هو بين رأس المال و العمل – وهم في الواقع أقرب الى تصور ماركس الكلاسيكي منهم الى اللينينية المجددة في هذا و دليل ذلك ان ستالين نفسه اعتمد أساسا على أوطو باور الاشتراكي الديمقراطي النمساوي و على الاشتراكيين الديمقراطيين اليهود من حزب البوند لصياغة أفكاره – فان البقية يعترفون بالوجود القومي العربي و يريدون تحقيق الوحدة و لكن يختلفون في توصيف ذاك الوجود و في طريقة التوحد.
لقد مال بعض الماويين التونسيين السابقين دون غيرهم ، بعد التهرب من مسألة الوحدة الاقتصادية، الى الاقرار بوجود الأمة العربية المكتملة و قدموا تصورات تنظيمية قومية اعتمادا على اعتراف ماو تسي تونغ المشهور بوجود الأمة الصينية منذ آلاف السنسين. أما بقية اليساريين فاختلفوا بين مصطلحات مثل الأمة المضطهدة و الأمة في طور التشكل و القومية العربية.
في رأينا ان كتابات ستالين في المسألة القومية، و التي بفضلها تولى منصب أول مفوض للقوميات في الاتحاد السوفياتي كانت، رغم أهميتها العامة الكبيرة بالنسبة للينينية، أورو-مركزية في تعريفها للأمة لأنها ربطت الأمة بصعود البورجوازية على قاعدة تجاوز التفتت الاقطاعي و تحقق الوحدة القومية البورجوازية.
لقد نسي ستالين ان الأمم الشرقية لم تعرف الاقطاع على الطريقة الغربية بل عرفت تجربة خاصة سماها ماركس في مرحلة ما أسلوب الانتاج الآسيوي و سماها غيره الاقطاع الشرقي و غيره نمط الانتاج الخراجي ،الخ. و بقطع النظر عن التسمية فان الجميع يتفق على أهمية دور الدولة المركزية في الشرق و أهمية الملكية الجماعية للأرض. ان هذه الدولة المركزية الشرقية وحدت الأراضي نسبيا و ذلك ليس فقط اداريا بل كذلك تجاريا في سوق موحدة تجارية ما قبل رأسمالية.
من ناحية ثانية أهمل ستالين الطرق الخاصة لنشأة اللغات الشرقية مقارنة باللغات القومية الكبرى الأوروبية الحديثة. ان اللغة العربية مثلا لم تنشأ مثل نشأة الفرنسية و الايطالية و الاسبانية و البرتغالية عن اللاتينية في أواخر القرون الوسطى، انها موجودة منذ المجتمع البدائي المتأخر و تطورت و تم تقعيدها بتفاعل بين ظهور الاسلام و تطور العلوم اللغوية العربية القديمة و لا تزال صامدة في عمومها كلغة فصحى مع ما عرفته من تغيرات طبعا.
ان بهذه العربية أبدع العرب كل انتاجهم الثقافي و بها تخمر مزاجهم النفسي و تكون ما يسمى “الطابع القومي” الثقافي العربي.
بهذا يمكن القول ان الأمة العربية تكونت منذ القديم فعلا ، ولكن بصورة خاصة بها نسبيا ، و تبلورت وحدة الأرض و اللغة و الحياة النفسية –الثقافية ( التي سيسخر منها ماركس خطأ على الأرجح بسبب تركيزه على الانقسام الطبقي للأمم) و الاقتصادية (التجارية ما قبل الرأسمالية) نسبيا . ان الأمة العربية ، بهذا المعنى، تشكلت منذ القديم و تقريبا بين انطلاقة الاسلام و تكون و استقرار الدولة الأموية النسبي على عكس الأمم الأوروبية التي عرفت التجزئة الاقطاعية ثم التوحد الرأسمالي و ظهور اللغات القومية الحديثة هنالك.
قد يختلف الاشتراكيون حول هذا ، فما هو الا اجتهاد لا يزعم تقديم القول الفصل، و لكن الاشتراكيين اليساريين في عمومهم يعترفون بوجود قومي عربي ما و يرون ان توحيد العرب مطلب ضروري و ثوري تزايدت ضرورته و ثوريته في عصر التكتلات الكبرى الحالية.
اذن، ليس المهم في الحزب الجديد الاتفاق التام على المواصفات الدقيقة الخاصة بالأمة العربية ، رغم انه لو نسب تعريف ستالين و نزعت عنه أورو- مركزيته لأصبح مقبولا بسهولة ، بل الاتفاق حول ضرورة توحيد العرب و كيفية ذلك التوحيد و بعد هذا فليختلف الدارسون طالما ان الاختلاف لن يمنع من النضال من أجل تحقيق الوحدة العربية المنقوص بفعل التجزئة الحالية.
ان الحزب الاشتراكي الجديد لا بد أن يعتبر نفسه فصيلا قطريا من حركة قومية ثورية عربية و حركة اشتراكية عمالية عربية و عليه أن يعمل على تحقيق التحرر القومي و الوحدة القومية للعرب في اطار تصور جديد لعروبة ديمقراطية تتحقق شعبيا و هو لذلك يعمل على التنسيق ليس فقط مع رفاقه اليساريين العرب بل و كذلك مع كل القوى القومية العربية التي تناضل لتحقيق هذا الهدف.
لكن النضال المشترك من أجل الوحدة العربية لا بد أن يتجنب التعصب القومي العربي على حساب الأقليات و الأمم غير العربية و يعترف لها بكل حقوقها مثل الحكم الذاتي الداخلي أو حتى الانفصال اذا كانت تسكن مناطق حدودية تفتح خارج الوطن العربي. و من ناحية اخرى يجب تجنب عبادة نماذج من الوحدة و السعي الى تحقيقها الفوري دون سواها. انه من الضروري المرونة في مسار التوحد من مجرد العلاقات الاقتصادية و غيرها الى بناء سوق مشتركة الى اتفاقيات وحدة كونفدرالية الى فدرالية الى اندماجية ان أمكن. المهم هو تحقيق التقدم الدائم في اتجاه الوحدة التي هي مطلب مشروع و ضروري و ثوري حتى لو تمت في اطار بورجوازي ليبيرالي صرف و هو أشبه بأحلام اليقظة طبعا ، على الأقل في ضوء المعطيات الحالية.

احدى عشر: في المسألة الأممية:

من الناحية المبدئية لا بد من اثبات كون الحزب الاشتراكي الجديد هو حزب أممي عمالي و انساني و هو فصيل من فصائل الحركة العمالية الاشتراكية العالمية و يجب عليه أن ينخرط فورا في ربط علاقات أممية مع كل فصائل اليسار العالمي مهما كانت الاختلافات و ذلك توحيدا لجبهة النضال الانساني ضد الرأسمالية.
لكن لأن المسألة تبدو بعيدة الآن نسبيا يمكن الاختصار هنا عبر فكرتين أساسيتين:
الأولى هي أن الأممية هذه ليست بروليتارية فقط ، كما جرت العادة على القول، بل عمالية بل وانسانية عموما لأن مبدأ الأخوة الانسانية ليس حكرا على البروليتاريا الصناعية و لا على العمال أنفسهم بدعوى أنهم الأنصار الوحيدون للوحدة العالمية. ان في العمال بصفة عامة و في المثقفين من هو أممي بنفس الدرجة و يكفي أن نذكر بفكرة المواطنة العالمية التي ظهرت في الفلسفة اليونانية القديمة لتنسيب الفكرة الماقبلية المحنطة عن الأممية البروليتارية الشيوعية.
من ناحية ثانية لا بد من تجنب التسرع في البحث عن الأمميات على الطريقة البروليتارية التقليدية التي فشلت جميعها أما بسبب التناحر بين التيارات الاشتراكية، بين الماركسية و الفوضوية بالنسبة للأممية الأولى و بين اللينينية و الاشتراكية الديمقراطية بالنسبة للثانية أو بين الأحزاب و الدول الاشتراكية بالنسبة للثالثة. و ان سبب ذلك التناحرالداخلي كان فكرة النقاوة الثورية ووحدة الخط و النظرية و الممارسة و تصدير نماذج الاشتراكية السوفياتية ، أو غيرها، الى الشعوب الأخرى. هذا اضافة الى الصعوبات التنظيمية نفسها و تغليب مصالح الدول أحيانا مثل ما حدث ، على ما يبدو، عند حل الأممية الثالثة التي لم تعوض في عهد ستالين الا بمكتب اخباري سرعان ما عرف نفس الأزمة مع الخلاف الستاليني التيتوي.
ليس هنالك بد من الأممية فكرا و سلوكا بالنسبة لأي حزب يدعي انه عمالي اشتراكي انساني و لكن المهم في الممارسة النضالية وفي السلوك التنظيمي الرفاقي و الأخوي الانساني الفعلي دون أي تمييز أو سيطرة قومية لأحد.

اثنى عشر: في المناضل الاشتراكي الجديد:

أخيرا نختم ببعض الملاحظات المختصرة حول ضرورة مناضل اشتراكي جديد. و لكن لأن المسألة قد تبدو للبعض من باب الوعظ و الارشاد الأخلاقي .ولأن الأدب الثوري مليء بالكتابات حول الموضوع فاننا نختصر رغم ايماننا ان السياسة أخلاقية أو لا تكون و لكن ليس بمعنى الزهد و الورع و القنوط بل بمعنى الالتزام الانساني بقيم الحياة و العقل و العدل و الحرية و غيرها .
ان فكرة الحزب الاشتراكي الجديد الموحد لا يجب أن تكون مجرد رقم جديد يضاف الى بقية فصائل اليسار التاريخية. فاذا كان سيكون كذلك فالأفضل تركه و الاكتفاء بالتنسيق بين الفصائل الموجودة حاليا. و حتى لا يكون كذلك لا بد من التركيز على روح المشروع لا هيكله. لا بد من التركيز على أن المهم هو اعادة صياغة المخيال الثوري الاشتراكي التاريخي لتشكيل خيال اشتراكي جديد يفتح صفحة جديدة في تاريخ اليسار الاشتراكي التونسي. و ان ذلك يتطلب قطيعة ايجابية مع الماضي نظريا و سياسيا و تنظيميا كما قلنا. و لكن أول ما يتطلبه مناضلا اشتراكيا جديدا يعيد خلق نفسه من جديد بقطيعة ستكون مؤلمة لأنها تتطلب جهدا نفسيا و فكريا و سلوكيا من كل من سينخرط في المشروع.
ان هذا المناضل الجديد لا بد أن يدلل على استعدادات جديدة تماما و ان أول نقطة يمكن البدء بها هي تذكر قائمة المناضلين اليساريين الذين اقصيوا و سجنوا و عذبوا و شردوا و قتلوا من قبل رفاقهم لمجرد الاختلاف في الاجتهادات مهما كان خطؤها و التساؤل : هل نحن على استعداد ، غدا ، لقبول فعل ذلك مع من ناضل معنا بالأمس و يناضل معنا اليوم ضد أعتى أشكال الاستبداد المشرعة على الجحيم؟
هل يعقل أن يكون قدر اليساريين هو أن يناضلوا و يدفعوا الفواتير القاسية سوية و هم يعتبرون بعضهم “الاخوة الأعداء” بسبب العقائدية شبه الدينية التي لا تعترف الا بقراءة واحدة صحيحة للطبيعة و المجتمع و الفكر داخل صفوف الحزب و الطبقة و الدولة و المجتمع و العالم بكامله؟
لو مسكنا بطرف الخيط هذا يمكن البدء فعلا بالتوحد و دونه لن تكون للوحدة ، ان تحققت، سوى معنى المناورة و التكتيك الذي لا ينطلي على أحد من اليساريين بالذات ليس فقط داخل الأحزاب بل داخل الجبهات السياسية بل و حتى في الحياة الشخصية العادية العامة بين الرفاق.
ان وحدة اليسار لا يجب أن تكون مسألة قناعة فكرية و ضرورة نضالية و نجاعة تنظيمية فقط بل مسألة قيم و مثل أيضا و الا فاننا سنوحد الهياكل و الوثائق دون البشر، وهم صانعو التاريخ. و اذا لم نكن قادرين على هذا بيننا كيساريين فمن الأفضل أن نستحي و لا نعد بذلك العمال و الشعب و الأمة و الانسانية.
أذكر ان لينين قال ذات يوم في سياق البحث عن الوحدة النظرية عند تأسيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي : ” ان ما يبدو اليوم مجرد خلاف نظري قد يصبح غدا مسألة حياة أو موت” وأنا أقول ان ما يبدو اليوم من اتفاق نظري هو الذي سيصبح غدا مسألة حياة أو موت لأن الحياة اختلاف أو لا تكون ووحدهم سكان المقابر يجعلهم الموت يتشابهون.

خاتمة : بم نبدأ؟

ان أسهل شيء في تونس الآن عند المناضلين السياسيين ، بفعل ما قدمه لهم الشهداء و الجرحى، هو تأسيس حزب سياسي. و لكن المهم ليس التأسيس بل مع من و متى و كيف،الخ؟
اذا كانت هنالك حاجة موضوعية و ذاتية لتأسيس حزب يساري جديد و موحد فستكون الاستجابة كبيرة . و لكن مناضلي اليسار تستنزفهم الأحداث و قد لا يجدون حتى من الوقت ما يكفي لقراءة هذا المشروع ناهيك عن النقاش و غيره. في هذه الحالة و ان كان لا بد من الاسراع في المشروع لأن أحزابا أو شقوقا هامة منها تبدي استعدادا ملحا للوحدة فلتتكون لجنة مشتركة موسعة مختصة تفتح موقعا الكترونيا للنقاش و تعقد اتصالات و ندوات و تقدم نتائج عملها الى المناضلين .و ليكتف المؤسسون بأرضية فكرية عامة و خطوط عريضة من البرنامج السياسي و يلتفوا حول تحقيق برنامج الجبهة الشعبية الآن و يعملوا على تقويتها و توسيعها استعدادا للمعركة الانتخابية و المعارك السياسية القادمة و بعد ذلك يكون ” لكل حادث حديث”.
و ان لم يحدث ذلك فقد لا يكون ضروريا التسرع و لا يجب احداث بلبلة الآن . ليبدأ النقاش ولكن المهم الآن هو التوحد حول الجبهة الشعبية و جسر العلاقات مع الرفاق في حزب المسار الاجتماعي و حزبي العمل الوطني الديمقراطي و الاشتراكي اليساري “يمينا” و مجموعات و حلقات و مناضلي أقصى اليسار الذين لم يلتحقوا بالجبهة لتوحيد الجهود لانقاذ الوطن من الكارثة المحدقة و حتى يلعب اليسار دوره التاريخي في اللحظة الراهنة موحدا ما أمكن. و بعد ذلك أيضا ” يكون لكل حادث حديث”.
لا تتسرعوا اذا لم تنضج الظروف و لا تتباطئوا اذا نضجت. فكل من الولادة المتقدمة و المتأخرة خطيرتان على الأم و على الجنين .و لكن لا بد من مبادئ تأليفية جديدة في كل شيء حتى يكون المولود الجديد معافى قابلا للحياة و النمو و قادرا على النضال.
أرجو أن أكون قد كسحت من الألغام ما يكفي للتقدم و ألا ينالني من أضرار شظاياها الرفاقية ما لا طاقة لي به فليس هدفي “تقسيم المقسم و تجزئة المجزأ ” بل أكثر ما يمكن من الوحدة.

(1) انظر مقالي “الوصايا العشر اليسارية الجديدة… الحوار المتمدن.
(2) انظر دراستين لي في الحوار المتمدن حول حركة النهضة التونسية و حول الحركة الاسلامية عموما.

المصدر: الحوار المتمدن-العدد: 3973 – 2013 / 1 / 15

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق