تحاليلتونس

الزيتونة..الاعتداء جريمة.. والصمت تواطؤ

 

محمد الحمروني: 

أربعة أيّام مرّت الآن على العمل الإرهابي الجبان الذي استهدف مؤسّسة إعلاميّة وطنيّة، هي قناة الزيتونة، ما تسبّب في خسائر مادّية فادحة تمثّلت أساسا في احتراق بعض السيارات التي كانت رابضة في باحة القناة.

أجهزة الأمن مشكورة، أوقفت الفاعل في وقت قياسي بعد أن تمّ التعرّف عليه من خلال أجهزة المراقبة، ولكن ما تسرّب بعد ذلك يبعث على القلق. لا ندري أين وصلت التحقيقات الآن، ولكن هناك خشيّة كبيرة من المعطيات التي يبدو أنها تسربت عن الحادثة، والتي تشير الى أنّ الفاعل مختل المدارك العقليّة !

هذه المعطيات غير مؤكّدة، ولكنها إن ثبتت فإنّنا حينها سنكون أمام مهزلة حقيقيّة، لأنّ ما ثبت لدينا عن الحادثة نقلا عن زملائنا في قناة الزيتونة أنّ المجرم والارهابي الذي هاجم القناة، تهجّم على الزملاء الصحافيّين العاملين بالقناة، وسبّهم وشتمهم، كما شتم الزيتونة وإدارتها، ولعلّه كان ينوي حرق المؤسسة بأكملها، ولكنّه وأمام تواجد الصحافيين بالمقرّ، تراجع، عن ذلك وقام بسكب البنزين على السيارات الموجودة بالمرآب وأضرم فيها النيران.

فهل يعقل أن يكون من يفعل هذا مختلّ المدارك العقلية؟ هل يعقل أن يهاجم القناة، ويجهّز نفسه بالمواد الحارقة ويتهجّم على القناة وإدارتها وصحافيّيها، شخص لا يدرك ما يفعل؟

يبدو أن “تخريجة” المختلّ لن تنطلي، خاصّة وأنّ زملاءنا في القناة أكّدوا أنّ سيّارة حضرت للمكان وأقلّت المهاجم قبل أن يقع إيقافه. ما يجعل من فرضية الهجوم المدبّر أقوى، وأكثر معقوليّة.

محاولة التعمية على الهجوم الإرهابي الجبان بكل معاني الكلمة، لم تقتصر على محاولة البعض نسبة الفعلة إلى “الخلل العقلي”، فقط، بل أصرّت أغلب الهياكل التي تدّعي الدفاع عن المهنة، التي طالما صدّعت رؤوسنا بالحديث عن حرّيّة الصحافة والدفاع عن المهنة، أصرت على الصمت المريب الذي يشبه التواطؤ مع المهاجمين. لأنّ المتابع لا يجد أي مبرّر لصمت نقابة الصحافيّين أو الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري، وغيرها من الهيئات والمؤسّسات التي احترفت العزف على نغمة حرّيّة الصحافة. فحرّيّة الصحافة لا تعني بالنسبة لنقابة الصحافيّين إلّا فئة معينة، ونفس الشيء يقال عن بقية الهياكل التي تدّعي الدفاع عن المهنة. رغم أن الأمر أكثر من خطر فما تعرّضت له قناة الزيتونة ليس اعتداء لفظيّا مثلا، أو تهجّما عبر بعض الكتابات، بل اعتداء إجرامي حقير وسافر هدّد العاملين في المؤسسة، وكاد أن يخلّف كارثة حقيقيّة.

قد يكون هذا التجاهل لقضيّة مهمّة مثل محاولة حرق قناة فضائية، مفهوما، خاصة بالنسبة للـ”هايكا”، لأنّها تبدو مشغولة بقضايا اكبر من قضية كمحاولة حرق مقر الزيتونة. هي مشغولة بتصريحات المذيعة بقناة صراحة أف أم حليمة الهمامي حول اليسار عموما والجبهة وحمّة تحديدا. وطبعا هذا أمر جلل ولا يجب أن يمرّ دون أن تتوقّف عنده “الهايكا” التي سكتت عن قضايا تمسّ من أمن البلاد والعباد، ومنها قضايا كثيرة تتعلّق بالإرهاب وبتسريب معطيات قد تعرّض أمننا وجنودنا للخطر. ولكنّها لم تستطع الصمت على نقد السيّد حمّة الهمّامي وجرح مشاعره، فهذا من باب بث الكراهية على حدّ تعبير “الهايكا”. أمّا الدعوة إلى قتل النهضاويّين والاتهامات الجزاف التي تكال إليهم صباح مساء، وما يتعرّض له القضاة، من حملات تشويه، فتلك حرّيّة تعبير، وليست من قبيل الحثّ على الكراهية أو التحريض أو بث الفتنة والتفرقة.

نعلم أن كثيرا من الأصوات أُسكتت، بمفاعيل السكتات القلبيّة، وكثير من القضايا والملفات أغلقت بحجّة الاضطرابات العقليّة والنفسيّة. كما نعلم جيّدا أن قناة الزيتونة أزعجت كثيرا، خاصّة أولئك المتورّطين في الفساد، بسبب ما عرّته وكشفته في هذا الإطار وكانت رائدة في هذا المجال. وقناة الزيتونة، سواء اختلفنا معها أم لا، يجب أن نُقرّ بجرأتها في طرح العديد من الملفّات المهمّة والخطيرة ومنها قضايا تتعلّق بالمناجم والطّاقة، وبملفات الفساد في العديد من الشركات الكبرى في البلاد. وهي تُستهدف اليوم لهذا السبب. ورغم أن الجميع يقرّ بضرورة محاربة الفساد إلّا أن قلّة قليلة جدّا، تضامنت مع الزيتونة ووقفت معها في الهجوم الذي تعرّضت له. والأصل في الأشياء بالنسبة للأطراف التي جعلت من الفساد شعارا لحملاتها ولفعلها السياسي أن تكون سبّاقة في التضامن مع الزيتونة والدفاع عنها والالتفاف حولها، لأنّ محاربة الفساد تبدأ أوّلا بتعريته، وهذه أهم خطوة وأخطرها، والذين استهدفوا الزيتونة يدركون هذا جيّدا لذلك هاجموها. ولعلّ الهجوم رسالة تحذير أوّليّة قد تتلوها هجمات أخطر، لا قدّر الله.

من جانبنا، باسمي وباسم كل الزملاء والعاملين في صحيفة الضمير، نعبّر عن إدانتنا الشديدة، لهذا الاعتداء وندعو الجهات المسؤولة إلى تحمّل مسؤوليّاتها كاملة في حماية الصحافيين وحماية مؤسّساتهم.

ونذكّر الهايكا ونقابة الصحافيين وبقية الهياكل التي تدعي الدفاع عن المهنة، بأنّ صمتها عن الهجوم الذي تعرّضت له الزيتونة جريمة اكبر من جريمة الاعتداء في حد ذاتها.

المصدر:  ”الضمير” 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق