تحاليلتونس

تونس إزاء الحريق القادم في ليبيا

ليس خافيا أن القوى الغربية الأساسية وضعت منذ أشهر بجدية الخيار العسكري كأحد الخيارات إزاء الوضع في ليبيا، وأن مؤشرات مختلفة تتزايد منذ أسابيع على نفاد صبرها والتحضير العملي لضربة عسكرية قريبة. وما من شك أيضا أن كل التونسيين بجميع أطيافهم يجب أن يقفوا مع جهد الدولة في إطار القيادة الحالية للتهيؤ لكل الاحتمالات، إذ إن من المسائل التي لا يجب أن نختلف عليها في تونس هي الوحدة الوطنية في مسائل الأمن القومي. 

سأناقش هنا الحريق المحتمل لدى جارتنا الغربية من وجهة نظر تونسية. نحتاج هنا تحديد المسؤوليات وتشخيصا لطبيعة العلاقة الراهنة بين تونس وليبيا ثم فهما دقيقا للمقاربة أو المقاربات الغربية لمعنى “التدخل العسكري”. وعلى ذلك الأساس تحديد ما نحتاج القيام به كتونسيين في حالة اشتعال الوضع وحدوث تدخل عسكري وهو موضوع عملنا على صياغة تقدير موقف له في رئاسة الجمهورية زمن الدكتور المرزوقي.

علينا الانطلاق في معاينة الوضع في ليبيا أن تونس مرتبطة ارتباطا وثيقا ليس فقط استراتيجيا وجيوسياسيا بليبيا بل أيضا من حيث تصاعد الخطر الإرهابي فيها. إذ نميل كتونسيين عادة إلى تحميل ليبيا مسؤولية تصاعد الإرهاب في تونس، وهذا صحيح جزئيا بسبب ضعف الدولة هناك ودعم عشائر ومجموعات من الليبيين (خاصة بين سرت وجزء من درنة وبعض نواحي صبراتة) لتنظيمات إرهابية. وفعلا تدرب عدد من المسؤولين على عمليات إرهابية واغتيالات في تونس هناك (سواء من قبل أنصار القاعدة أو داعش).

لكن تلك صورة غير كاملة إذ إن الإرهابيين القادمين من تونس يشكلون أحد العوامل الأساسية لصعود قوة هذه التنظيمات. ومعروف أن القوة الضاربة للعمليات الانتحارية للإرهابيين في عدد من المدن الليبية والتي استشهد فيها مواطنون ليبيون هم انتحاريون تونسيون.

وعلى أساس هذه المسؤولية المشتركة من البديهي أنه توجد مصلحة مصيرية مشتركة للحسم مع التهديد الإرهابي بين السلطات التونسية والليبية. غير أن ذلك لا يبدو للأسف الواقع. وعلينا أن نقول إن اضطراب الوضع في ليبيا وغياب حكومة مركزية واضطراب السياسة الخارجية التونسية وخاصة ضعف كفاءتها في السنة الأخيرة حتى إنها غابت عن مسار المفاوضات إلا في فترة محددة وبدت خارج الموضوع (آخر اجتماع رسمي إقليمي كبير حول ليبيا كان في صيف 2014) حالا دون إنجاح التنسيق الأمني الضروري بين الطرفين.

ولدي معطيات مؤكدة على اضطراب التنسيق الأمني مع السلطات المحلية الليبية التي تشرف على المنطقة الحدودية الليبية المحاذية لتونس، وتتبع أساسا الطرف المشرف على مدينة الزاوية، وهو اضطراب وصل حد الاحتقان في بعض الظروف.

المسألة الثانية هي المقاربة أو المقاربات الغربية. وهنا يبدو هناك بعض الاضطراب. إذ إثر سقوط القذافي تصرفت القوى التي شاركت في عمليات الناتو بكثير من اللامبالاة في مرافقة القوى الليبية في مرحلة إعادة بناء الدولة. ثم استفاقت هذه القوى مباشرة قبيل انفلات الوضع وظهور مؤشرات على انقسام الليبيين في ربيع 2014 ثم إثر ظهور حفتر في صيف تلك السنة.

وقد فهمت حينها في لقاءات مع المبعوثين السامين للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، في لقاءات تمت في إطار رئاسة الجمهورية، أن القوى الغربية الأساسية تعارض توجه بعض القوى الخليجية آنذاك (الإمارات والسعودية) لدعم عملية حسم عسكري ضد القوى الإسلامية عموما. ومنذ ذلك الحين كان الموقف الغربي، متقاربا مع موقفنا الرسمي آنذاك، وهو أن شرط استقرار الوضع هو توحد الليبيين بأطيافهم المختلفة من إسلاميين وعلمانيين ضد الخطر الإرهابي المتصاعد.

حينها بدأت داعش تطل برأسها لكن كان من الواضح أن أفق توسع نفوذ القوى الإرهابية سيتزايد. ولم توفق مختلف القوى في اختيار الفريق الأممي الذي أشرف على الحوار الليبي في البداية إذ بدا ساعيا للتقسيم وليس التجميع وهو ما ترك أثرا على عمل الفريق اللاحق بقيادة كوبلر. ورغم النجاح في التوصل لاتفاق حول حكومة وحدة وطنية إلا أن الفشل الراهن في تجسيم هذا الاتفاق جعل القوى الغربية تفقد صبرها. وتصاعدت المؤشرات أخيرا حول ذلك.

وبدا الأمر كأنه استجابة غريزية لضغط متزايد عنوانه “يجب أن نقوم بشيء، أي شيء” خاصة إزاء بروز تقارير استخباراتية أمريكية وبريطانية خاصة في الأيام الأخيرة على الخطر الإرهابي القادم من ليبيا. كما أعلن البنتاغون على هذا الأساس بوضوح وعلنا منذ أسبوع أنه يفكر في توجيه ضربة، وطلب منذ يومين زيادة في الميزانية القادمة وتخصيص جزء منها بالتحديد لعمليات عسكرية في ليبيا.

وتحدثت مصادر بريطانية في الوقت ذاته عن استعدادات بريطانية وإيطالية للاستطلاع بما في ذلك التحليق الجوي فوق ليبيا لرصد الأهداف المحتملة لضربة عسكرية. ويتم الحديث عن مارس كتاريخ محتمل. بيد أن كل ذلك لا يحيلنا على ضربة عسكرية واسعة النطاق إن حدثت بل عن ضربات “جراحية” موجهة تحديدا للمناطق التي تشهد تركزا قويا للقوى الإرهابية والتي أشرت إليها أعلاه (أساسا سرت وجزء من درنة وبعض نواحي صبراتة). ومن المؤكد أن الضربة ستعتمد بشكل كبير على ضربات جوية وربما عمليات تدخل سريع محدودة النطاق بريا لقوات النخبة، وفي الحالتين فإننا إزاء عملية تقوم أساسا على استطلاع استعلاماتي مكثف.

هنا لسنا إزاء عمليات عسكرية واسعة النطاق. والمقارنة المتواترة مع الوضع سنة 2011 لا تبدو دقيقة. إذ أن الصراع بين الفرقاء الليبيين خف كثيرا والأرجح وحتى مع تعطل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية سيتجه لتركيز جهود مختلف الكتائب والوحدات والميليشيات العسكرية على تجنب القتال عموما وتركيز بعضها الضغط بريا على الجيوب التي تضم تنظيمات إرهابية. لكن أحد الاحتمالات المطروحة هنا هو تعاطف جزء من الكتائب المتمايزة مع القوى الإرهابية مع بعض القوى الإرهابية (يتعلق الأمر هنا تحديدا بالتعاطف المحتمل بين بعض الكتائب خاصة التي ترجع في أصولها لـ”الجماعة الليبية المقاتلة” والتنظيمات المرتبطة بالقاعدة).

رغم اختلاف الوضع عن سنة 2011  إلا أن احتمال تدهور الوضع على المنطقة الحدودية المشتركة التونسية الليبية يبقى قائما. وقد حاولنا في صيف 2014 القيام بتقدير موقف في ورشات “عصف ذهني” بمشاركة عدد من مصالح الدولة المختلفة بما فيها الحاملة للسلاح وأيضا بعض الدبلوماسيين الذين اشتغلوا طويلا في ليبيا ولديهم دراية بها. وتم الانتهاء أساسا إلى الخلاصات الثلاثة التالية:

أولا، تونس طرف أساسي وليس لها تاريخ صراع مع ليبيا ولا يجب أن تتصرف كمتفرج بعيد ينتظر تبعات ما سيحصل وعليها أن تركز على تواصل مكثف بعيدا عن المماحكات الإعلامية خاصة في فترات الأزمة. وهنا سيكون من المحوري التنسيق مع القوى الإقليمية خاصة الطرف الجزائري.

ثانيا، بالنسبة لتوافد اللاجئين، إن حصل، هناك حاجة للتعامل المنظم الذي يستفيد من الدعم الأممي ومنظمات المجتمع المدني مع أي وافدين وتجنب الاستقبال المشتت والعاطفي الذي صبغ وضعية 2011.

ثالثا، السعي لإقامة مخيمات للاجئين الليبيين بعيدا عن المناطق السكنية حتى يتم التحكم في التدفق منها وإليها خاصة إزاء احتمال تسرب إرهابيين تونسيين أو غيرهم في أي موجات تدفق.

أعتقد أن هذه الخلاصات لا تزال صالحة حتى الآن وفي سياق إن تأزم الوضع. لكن أضيف إليه نقطة أساسية وهي الحاجة لكي لا تكون تونس في صورة الطرف الذي يلاحق أحداثا لا يتحكم فيها وظرفا وظيفيا سلبيا في الضربة القادمة، خاصة إذا تم استعمال المجال التونسي في أي عمليات عسكرية. إذ كان تصريح الرئيس التونسي حول أنه يجب “إعلام تونس” تصريحا ضعيفا. وهنا من الضروري الالتزام بموقف مشترك مع ليبيا يؤكد أن حكومة الوحدة الوطنية ضرورة حتمية، وأنها الوحيدة القادرة على هزم التنظيمات الإرهابية.

إذن، فالتجربة واضحة الآن، ومفادها أن أي تدخل عسكري غربي لا يفعل إلا صب الزيت على النار. فمسار تشكل داعش في العراق وسوريا هو ذاته مسار التجارب الخاطئة والمتعثرة للعسكرية الأمريكية وحلفائها هناك.

المصدر: “عربى21”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق