تحاليلتونس

العدالة الجبائية من أولويات الإصلاح الجبائي

 

بقلم: الأستاذ محمود مطير

 

    ليست هذه المرّة الأولى ولن تكون الأخيرة التي أدافع فيها عن ضرورة الإصلاح العميق للمنظومة الجبائية التي هيمنت على المشهد في تونس طيلة 60 سنة بل منذ حقبة الاستعمار الفرنسي المباشر. أن الجباية هي مستقبل بلد مثل بلادنا يفتقر للثروات الطبيعية ويعوّل فقط على عطاء أبنائه وقدرتهم على خلق الثروة ويطمح لتأسيس نظام سياسي يكون فيه دور الشعب أساسيا في تسيير شؤونه.

لقد كانت الجباية تاريخيا وفي عديد البلدان صلب وأساس معركة الديمقراطية وهي اليوم كذلك صلب معركة التنمية ذات البعد الإنساني لأن التنمية تحتاج الى التمويل والجباية في تونس تمثل المصدر لهذا التمويل خاصة إذا كانت تحدونا رغبة وطنية في حماية بلادنا من التبعية والاستعمار المالي والسياسي.

أن حماية بلادنا من استعمار جديد ومتجدد عبر القطع مع الاقتراض المهين لدى المؤسسات المالية العالمية التي تفرض شروطا استغلالية فاحشة لإقراض بلدان في وضع تونس وضمان مستقبل زاهر لأبنائنا بعيدا عن هيمنة القوى الأجنبية التي لا تفوت فرصة لنهب الثروات الطبيعية واستغلال الطاقات البشرية يتطلبان إصلاحا جذريا للمنظومة الجبائية التونسية.

إن هذا الإصلاح له أوجه عدة ويتطلب جرأة وإقداما كبيرين وأجزم أنه لا يقدر على هذا الإصلاح إلا سلطة وطنية صادقة مفعمة بحب هذا الشعب ومنبعثة حقا وفعلا من صلبه من أجل هدف وحيد: خدمة هذا الوطن وشعبه وطبقاته وشرائحه الضعيفة والمستغلة.

إن النظام الجبائي التونسي يتطلب اليوم إدخال إصلاحات تجعله أكثر فاعلية وبالتالي أكثر مردودية لأنه لا يعقل أن نعول على الجباية لتنفيذ برنامج تنموي طموح في حين لا توفر هذه الجباية إلا النزر القليل من الموارد التي لا تمثل إلا جزءا قليلا مما تقدر على توفيره.

ويتطلب تحسين مردودية الجباية خصوصا مراجعة جذرية تتعلق بالجانب التشريعي (مثل إلغاء الأنظمة التقديرية أو التقليص منها…) وتعزيز المراقبة الجبائية…

وأقولها بكل صدق ومرارة إن حجم الميزانيات المتتالية (الأصلية والتكميلية) منذ سنة 2011 لن يكون قادرا على إخراج تونس من وضع التردي الاقتصادي والتهميش الاجتماعي، فهذه الميزانيات كانت دوما موجهة لتسيير الأعمال (40 في المائة من الميزانية لتغطية أعباء التسيير وقرابة 30 في المائة لخلاص الديون) في حين يجب توفير ميزانيات هامة (ضعف الحجم الحالي) تعطي دورا أساسيا للاستثمار ونقصد الاستثمار العمومي.

ولكن هذا لا يكفي إذ يجب اليوم القيام بإصلاح يتعلق بالمنظومة الإدارية وإعطاء اهتمام خاص بالعنصر البشري فالنظام الجبائي التونسي المبني على حرية التصريح يتطلب وجود جهاز مراقبة قوي وتتمثل قوة هذا الجهاز في قوة العنصر البشري لذا يجب تطوير مصالح المراقبة الجبائية من الناحية البشرية وتمكينها من الإمكانيات المادية والتقنية.

كما يجب إعطاء الجباية بعدا تنمويا أي يجب أن تكون الجباية عنصر دفع للاستثمار لأنه لا فائدة من وجود إدارة جبائية قوية ونظام جبائي مثالي في غياب الاستثمار وتطور الإنتاج والعمل.

لكن مهما كانت قوة الإدارة الجبائية وهما كان النظام الجبائي فاعلا فإن النتائج قد تكون سلبية في غياب العدالة الجبائية لذا اعتبرنا أن العدالة الجبائية هي من أولويات الإصلاح الجبائي.

فالجباية – إن كانت إحدى أسس الديمقراطية – فهي أيضا إحدى أهم عناصر تهديم النظام الديمقراطي وإسقاطه إذا لم ينجح هذا النظام في إرساء جباية عادلة.

ويعلم كل من يقرأ التاريخ أن الجباية كانت دوما من الحوافز الأساسية لقيام الثورات في العالم. وقد كان منطق ثورة بن غذاهم على السلطة السياسية في تونس إجحاف هذه السلطة آنذاك في توظيف ضرائب لا قدرة للمطالبين بها على تحملها.

إن العدالة الجبائية تعني توزيع العبء الجبائي على كل المطالبين بالأداء كل حسب قدرته.

لكن للأسف الشديد لم ينجح النظام الجبائي التونسي في فرض هذه المعادلة لأسباب عدة لعل أهمها غياب الإرادة السياسية التي من شأنها أن تحمل العبء لمن يستحقه فقد كان النظام السياسي في تونس دوما منحازا للرأس مال وطنيا كان أو أجنبيا.

الواقع الآن ومنذ زمن بعيد هو تحميل الجزء الأكبر من العبء الجبائي للطبقات الشعبية الضعيفة وخاصة العمال في حين يتمتع أصحاب الدخل الكبير وأساسا الصناعيون والتجار بالحماية وغض الطرف عن التجاوزات وأحيانا بتشجيعات وحوافز غير مستحقة.

ويتطلب إرساء العدالة الجبائية في تونس أساسا توسيع قاعدة الضرائب المباشرة ومراجعة جدول الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين باتجاه خلق شرائح جديدة وتقوية الضغط الجبائي على الشرائح العليا والتخفيف على الدنيا منها ومراجعة الأنظمة الجبائية وإعطاء دفع كبير للمراقبة الجبائية…

لكننا نعتقد أن مثل هذا البرنامج ليس مرشحا للتنفيذ اليوم لأن هذا البرنامج لا يمكن تحقيقه إلا في صورة وصول قوة وطنية صادقة للحكم تضع ضمن أهدافها العدالة الاجتماعية وبطبيعة الحال العدالة الجبائية.

 المصدر: الفكرية / السنة الرابعة – العدد 24 نوفمبر-ديسمبر 2015.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق