تحاليلتونس

الثلوج والاستسقاء ونخبة الغباء…

نصر الدين بن حديد:

    تستغل (بعض) “النخب” (التونسية) أي ”عارض” (عابر)، لتثبت وجودها، كأنها (وهنا الازمة) صاحب “سلطة اعتبارية” قادرة على “تثبيت” ما تراه (هذه النخب) من ”قوانين للمجتمع” وكذلك ”تحديد الخطوط الحمراء… تتصرف هذه ”النخب” كأنّ المجتمع لا يستطيع العيش بدونها أو أنّه سلّمها الامر واصطفاها من دون العالمين.

أحاديث ”الاستسقاء” فاتت الجانب “الموضوعي ” الذي يفترض ان يطبع أحاديث المثقفين سواء عبر القراءات ”العلمية” للظاهرة الدينية. او ما هو دور الدين في المجتمعات، لنجد استغلالا لوظيفة المثقف من أجل التعبير عن “خواطر” تأتي أقرب الى ”السطحية” من ذلك ”التميّز” الذي لولاه لما كانت النخبة نخبة…

الظاهرة الدينية في كلّ العصور وجميع البلدان، ومهما كان المجتمع، تتأسس على ”الايمان”، وهو بعد بقدر ما يأتي ”أعمق القناعات” في الذات البشرية، بقدر ما هو بعيد كلّ البعد عن ذلك ”الاجماع”، ممّا يعني (وهذه هي الاخلاق) أنّ علينا أن نحترم معتقد الاخر ليس من منطق ”الصواب” أو “الخطأ” بل من باب احترام ”المعتقد” ذاته…

ليست الازمة فيما يعتقد هذا ”المثقف” أو ذاك بخصوص صلاة الاستسقاء أو غيرها من الطقوس الدينية. بل المصيبة في التعبير عن ذلك، واعتبار الامر من ”حريّة التعبير” في حين أن ذات ”المثقف” لا يرى لمن يخالفه المعتقد حقّا في التشكيك فيما يؤمن به، ومن ثمّة غادرنا منطق المعاملة بالمثل التي ينبني عليها الاحترام المتبادل بين الافراد والشعوب، سواء وفق المنصوص عليه في الديانات من عدم ”اكراه” او ما جاء في المواثيق الدولية لحقوق الانسان، الى نمط من “علاقة القوّة “، سلاحها من يملك ”وسائل الاعلام”…

سطوة ”الحقيقة” على ”الاحترام” من منظور هذا المثقف أو ذاك بل الذهاب بالتنظير حدّ احداث “الصدمة” أو “الاصطدام” بالمجتمع. تمثّل جزءا من ”الثقافة السائدة” حاليّا، أي قدرة (أو دور )المثقف في احداث الصدمة والاصطدام، ممّا يخلق سلسلة زلازل في المجتمع، جعلت البلاد بأكملها تدخل في دوامة عنف لفظي على الأقل…

تجاوزا لهذه الأبعاد السفسطائية التي لن تجدلها جوابا شافيا وكافيا يقتنع به الجميع، وكذلك لا يمكن البتّة أن تشكّل فرصة لأيّ اثراء مهما كان يمكن الجزم أنها لن تتقدّم بالفكر، ومن ثمّة يكون السؤال: ما فائدة هذه النقاشات البيزنطية ولفائدة من تشتغل (عن قصد ومؤامرة، أم عن غير قصد وعفويّة؟).

أهم من الحديث عن ”صلاة الاستسقاء”، الذي وجب ألاّ يفوت المختصر والمفيد في المسألة، وجوب ذهاب ” المثقفين” أو بالأحرى ”الفاعلين الإعلاميين” الى “الشواغل الشارع التونسي” الذي يرزخ في سواد متعاظم تحت البرد القارس أوّلا وثانيا تحت الفقر (المدقع أحيانا) الذي يجعل هذا ”الرداء الأبيض” سمّا زعافا، يدمّر الصحة ويدّق العظام…

على سكان الحضر والذين لا يعنيهم الفقر والجوع من بعيد أو من قريب، أن يتأكدوا أن منظر الثلوج الذي يثلج صدورهم فرحا، يثلج صدور الفقراء بردا قارسا وأن الفقراء في مناطق الظلّ لا يحلمون باللهو بالثلج بل يحلمون بالكثير من الدفء وما ينفع من الطعام في هذا البرد القارس.

كان الأولى من طرح قضايا أشبه بقضيّة ”دم البراغيث” الذهاب الى أصل الداء وبيت العلّة، والسؤال عن خطورة الفيضانات واحتمالات الثلوج، منذ فصل الربيع والصيف، حين لا يمكن أن يتحوّل الموقف من “الثلوج والفقر والمعاناة” الى “بكائيات” كلّ موسم، مع ما يحلو للبعض حمله من “معونات” هدفها جمع الصور والظهور في وسائل الاعلام إثر منه احداث نقلة نوعيّة في هذه الأوساط الفقيرة…

في بلد تبلغ نسبة الفقر فيه 20 في المائة، ولا يبدو أفق أو بصيص أمل لتحوّل الأمور نحو الأفضل، بل الخوف قائم وحقيقي، وحتّى مشروع من تدهور الأوضاع. يمكن الجزم أنّ أولوية الأولويات تكمن في النهوض بالطبقة الأكثر فقرا في البلاد، ليس فقط من منظور اقتصادي أو اجتماعي، بل من زاوية “حقوق الانسان”، حين لا يمكن الحديث عن ” جمهورية ”أو “مواطنة” أو حتّى “دستور”، بل “ثورة”، في بلد لا تحفظ فيها ”المجموعة الوطنية” (أيّ الدولة ومجمل النخب) للأقلّ حظّا ”ما يكفل الحقّ الشرعي والقانوني في الوجود”…

الازمة عميقة ومزمنة وخطيرة، حين تتجاوز ”صلاة الاستسقاء” وكذلك ”الثلوج” الى تصوّر النخب للثقافة وللسياسة ولدورها في الحياة، حين نلاحظ أن هذه النخب، ليس فقط تتخيّل ”العمق الشعبي” كما تريده وليس كما هو بل تعتبر أنّ على هذا ”العمق الشعبي” أن يطيعها ويقبّل أياديها، بل يجعل لها أصنافا من الذهب، لمجرد القول أنّ “صلاة الاستسقاء” حرافة أو غيرها من التشكيك في المعتقد الجامع…

المثقفون والنخب وأهل السياسة الذين يتوزعون بين قرطاج والقصبة وباردو، لا يعلمون ولا يدركون (بمعنى الوعي) أنّ البشر لا يبغي (في المقام الأول) سوى مصلحته المباشرة والعاجلة، حين لا يملك أن نطالب جائعا بأن يكون من المنادين بفوائد الانتقال الديمقراطي ولا ممّن لا يقدر على تدريس أبنائه أن يبارك التوجهات الليبيرالية للدولة…

المشكلة أعمق من الانفصال عن الدولة، الذي نلاحظه راهنا، وأبعد ممّا هو ”العقد الاجتماعي” بل هي “ثورة الجياع” حقّا، الذين عانوا الجوع والفقر والتهميش قبل 14 جانفي، في صورة ”القضاء والقدر”، لكنّ ”أمل الثورة” بما حملت من ”كرامة وطنيّة”، يجعل الحلم أكبر من الواقع حين يأتي الانتظار صعب جدّا والترقب شبه مستحيل…

المصدر: “جدل”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق