تحاليلتونس

“نداء تونس”.. خلافات تقدير المرحلة

سمير حمدي:

شكلت أزمة حزب نداء تونس الحدث الأبرز في المشهد السياسي التونسي، أخيراً، وبعد فترة التجاذبات والتصريحات المتناقضة وسلسلة الاستقالات والصراعات، الخفية حيناً، والمعلنة حينا آخر، جاء المؤتمر التأسيسي للحزب، والمنعقد يومي 9 و10 يناير/كانون ثاني الجاري، ليشكل لحظة الحسم في الصراع الدائر بين شقي الحزب الحاكم، من جهة إعلان كل طرف عن توجهاته واتضاح بعض الملامح للصورة العامة التي سيكون عليها هذا الحزب مستقبلاً، وهو ما سيكون له أثره الأكيد على المشهد السياسي عموماً في البلاد.
وأهم ما يمكن استنتاجه مما شهده مؤتمر الحزب هو وجود رغبة واضحة للمفاصلة بين الشقين المتصارعين، وهو موقف كان خلاصته ما عبر عنه مؤسس الحزب ورئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، عندما دعا، في كلمته الافتتاحية للمؤتمر التأسيسي، إلى “الابتعاد عن كل ما يفرق شمل أعضاء الحزب، ويضعف وحدتهم، وأن الوسطية هي أساس الحزب، وأن كل من حاد عنها لا مكان له داخله، وأن الفكر البورقيبي هو قلب مرجعية الحزب”، مؤكداً أن سبب الأزمة الداخلية في الحزب بعض الأفراد الذين لم يتخلصوا من نكران الذات، متهما المنشقين عن حزبه بالتنكر للمبادئ والقيم الوسطية التي انبنى عليها الحزب لحظة تأسيسه. وهذا الانحياز الواضح من الباجي قائد السبسي، الرئيس الشرفي لحزب نداء تونس، جاء ليؤكد التوجه العام الذي يقوده نجله حافظ، وبقية أركان الحزب في شقه المتشكل، في غالبه، من عناصر دستورية، لا تخفي رغبتها في إبعاد الشق الآخر (المتشكل، في غالبه، من الرافد اليساري)، وهو ما يبدو أنها نجحت فيه، خصوصاً بعد الإعلان عن تركيبة القيادة الجديدة، وتوزيع المهام الحزبية، من دون سعي إلى التواصل مع الشق الآخر، أو محاولة التنازل لرأب الصدع، ما يعني أن ما جرى في الحزب لم يكن مجرد انشقاق عرضي، حاصل على خلفية تقديرات سياسية، بقدر ما هو نتاج اختلافات عميقة بين الطرفين في تقدير المرحلة، وطبيعة التحالفات، ومستقبل الكيان السياسي الذي تم تشكيله، في البداية، على أساس فضفاض غير متماسك.

وما يؤكد حالة التشتت التنظيمي الذي وصل إليه الحزب، والسعي الحثيث نحو تشكيل قوة سياسية موازية،هو الاجتماع الذي عقده الشق الآخر في “نداء تونس” في قصر المؤتمرات في 10 يناير/كانون ثاني الجاري، أي بالتوازي مع المؤتمر التأسيسي للحزب، حيث أعلن محسن مرزوق عن انطلاق استشارة وطنية في مختلف جهات البلاد، تهدف إلى جمع الآراء والمقترحات، تمهيدا لوضع الخط السياسي لحزبه الجديد المنتظر الإعلان عنه رسمياً يوم 2 مارس/آذار المقبل. وقد تواصلت حالة الفرز التنظيمي بين شقي “نداء تونس” باستقالة 42 عضوا من المكتب التنفيذي، وانضمامهم لمشروع الحزب الجديد، بالإضافة إلى النواب 17 الذين أعلنوا دعمهم ما سماه مرزوق المشروع الوطني العصري.

تمثل حالة الحسم التي وصل إليها حزب نداء تونس، وتشكّل ثنائية حزبية، لحظة فارقة في تاريخ هذا الكيان الذي استجدّ بعد الثورة، وفي ظل صراع حزبي حاد عرفته البلاد، وما توحي به القراءة الأولية لمصيره هو أن الجسم الأساسي للحزب، بزعامة حافظ السبسي، وبدعم قوي من الرئيس المؤسس، الباجي قائد السبسي، قد تمكّن من الحفاظ على البنية الأساسية، موالية له بما فيه غالبية القيادات الفاعلة، وأعضاء مجلس النواب، بالإضافة إلى قيادات الصف الثاني، ذات الحضور على المستوى الجهوي والمحلي. وفي المقابل، أخفق جناح الأقلية، بزعامة مرزوق، في تحقيق الأهداف الرئيسية التي سعى إليها، ونعني بها تحديداً الاستيلاء على قيادة الحزب، أو على الأقل إفشال طموح الطرف الآخر في الاستئثار بالجهاز التنظيمي من جهة، واستمالة أكبر عدد ممكن من نواب الحزب، حيث كان الحديث يدور عن استقالة 32 نائباً على الأقل، وانضمامهم لجناح مرزوق، ليتبين المراقبون أن العدد الفعلي لا يتجاوز 17 نائباً، وهو ما لا يشكل كتلة كافية لتعطيل حركية الحزب، في دعمه الحكومة الائتلافية الحالية، خصوصاً بعد التحويرات الأخيرة.
ومن هنا، عمد شق مرزوق، في دعايته السياسية الجديدة، إلى استعادة الخطاب التعبوي القائم على التحريض ضد حركة النهضة، خصوصاً بعد ما أصبح الحلف القائم بين “نداء تونس” في صيغته الجديدة وحزب النهضة أكثر قوة وانسجاماً. وهي تطورات تدفع إلى السؤال عن طبيعة التحولات السياسية المقبلة، في غضون الانتخابات البلدية المقبلة. بمعنى، هل ستعرف تونس تحالفاً انتخابياً بين “النهضة” وحزب النداء، في ظل إعلان المنشقين استعدادهم لخوض الانتخابات المقبلة، وهل سيكون في وسع الجناح المنشق تحقيق خرق انتخابي، ليتحول بعدها إلى قوة سياسية مؤثرة، أم أن الأمور ستسير نحو اضمحلال هذا الجناح، وتحوله إلى مجرد كيان سياسي صغير، من ضمن المائة وستين حزباً الموجودين على الساحة السياسية، ولكن من دون تأثير يذكر. وإذا كانت البرامج الاقتصادية، والمواقف السياسية المتقاربة بين “النهضة” و”نداء تونس” تجعل من تحالفهما السياسي أمراً واقعاً ومستمراً في المستقبل القريب، فإن المنشقين وكيانهم السياسي المفترض قد يجدون أنفسهم بصدد البحث عن حلفاء جدد، قد تكون الجبهة الشعبية الطرف المأمول، من دون أن نغفل، في هذا الإطار، الدور الذي من المتوقع أن تلعبه القوة المقابلة لكل هذه التحالفات، ونعني بها الأحزاب المعارضة حالياً، وخصوصاً حزب حراك تونس الإرادة، بزعامة المنصف المرزوقي، أو حتى قوى أصغر، مثل التيار الديمقراطي أو الحزب الجمهوري.
يكشف ما تعرفه تونس، هذه الأيام، من فرز سياسي، أن الصراع لم يعد قائماً على خلفية إيديولوجية حادة، على الرغم من أنه من الصعب القول إن تجاذبات المشهد تستند إلى خلافات حول البرامج الاقتصادية والسياسية، بقدر ما تلعب المصلحة والميولات الشخصية والرغبة في الزعامة، الدور الأساسي في تحديد صورة ما سيكون عليه الوضع السياسي المقبل الذي يتميز بالتقلب وبسرعة التغير وبالهشاشة الحزبية، وهو أمر متوقع في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد، وهي تحتفل بالذكرى الخامسة لثورتها، وإطاحة رأس الاستبداد.

المصدر: “العربي الجديد”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق